الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

أهمية مفهوم الوعـي الممكن في التواصل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أهمية مفهوم الوعـي الممكن في التواصل

مُساهمة  احمد حرشاني في 6th مايو 2011, 07:00

أهمية مفهوم الوعـي الممكن في التواصل*

لوسيان غولدمان
ترجمة محمد مريني
منذ ما يقارب عشرين سنة وأنا أنظر لمفهوم الوعي الممكن؛ وإن لم أكن الوحيد المهتم بذلك. لقد تناولت هذا المفهوم لحد الآن من وجهة نظر نفسية وسوسيولوجية ؛ لكن يظهر لي أيضا أن لهذا المفهوم أهمية كبرى على مستوى التواصل ونقل المعلومات. لكن بما أني لم أستأنس بمشاكل نظرية الإعلام، قد لا أوفق في عرض هذا المفهوم ، ووفق هذا المنظور بسهولة؛ لذلك سأكتفي بتحليل ما يشكل – في نظري- أهم اكتشاف مثمر لماركس، والذي يبقى في الوقت نفسه، محور التفكير الماركسي المعاصر، وواحدا من أهم المفاهيم الإجرائية لدراسة المجتمع . أشير من جهة أخرى إلى أنه حتى في التحليل النفسي نوظف في آخر البحث مفهوم الوعي الممكن بطريقة تجريبية أكثر منها منهجية ، وإذا كانت لنا بعض الأفكار التي تسمح بتوجيه عملنا فإننا بعيدون جدا عن تحديدها بدرجة كافية تسمح بعمل جماعي، يعرف فيه كل واحد منا، وبدقة، القواعد التي يطبقها.
لقد سئلت، عندما كونت في بروكسيل مجموعة بحث في علم اجتماع الأدب : ما هي الشبكة التي تستعملها؟ في حين، ليست عندي شبكة محددة، وهذا ما يجعل العمل جد صعب.
لقد ترجمت إلى الفرنسية ب "الوعي الممكن" مصطلحا معروفا في الأدب الألماني Zugerechete Bewusstein. يمكن للباحث أو السوسيولوجي أو الاقتصادي أن يترجم هذا المصطلح ب "الوعي المحسوب" إحالة على هذه الفئة الاجتماعية أو تلك.
للتمثيل نشير إلى ما أحال عليه ماركس Marxعرضيا في الفقرة المشهورة عن العائلة المقدسة التي يبين فيها أن المقصود ليس هو معرفة ما يفكر فيه هذا البروليتاري أو ذاك، أو كل البروليتاريين، بل ما هو وعي الطبقة البروليتارية. هذا هو التمييز الأساس بين الوعي الكائن والوعي الممكن.
إجمالا، يمكن أن نعبر بلغة المحادثة فنقول : في عملية نقل المعلومات ليس هناك فقط مرسل للمعلومات أو جهاز إرسال أو أوالية للتبليغ، هناك أيضا الذات الإنسانية التي تستقبلها.حتى وإن كان مسار نقل المعلومات طويلا، ويتم من خلال مشاركة سلسلة من الأجهزة والآلات فهناك دائما في نهاية المطاف كائن إنساني، نعرف أن وعيه لا يسمح بمرور كل شيء، وبأية طريقة.
هذا الوعي المستقبل حاجز لسلسلة من المعلومات التي لا تسمح لها بنيتها بالمرور، في حين تمر معلومات، وتتعرض أخرى للتشويه. الذي يتتبع العملية من الخارج، ويقارن بين ما أرسل وما استقبل سيلاحظ ،في الغالب، أن قسما من الرسالة فقط هو الذي تم تلقيه ،في الواقع. وحتى هذا القسم يأخذ على مستوى الاستقبال دلالة جد مختلفة عن تلك التي أرسلت .
نحن هنا أمام أمر جد هام يقودنا إلى إعادة النظر في السوسيولوجيا المعاصرة، باعتبارها متمركزة على الوعي الكائن أكثر منه على الوعي الممكن.
اعتمادا على هذه المناهج البحثية الوصفية تهتم هذه السوسيولوجيا، في الواقع، بما يفكر فيه الناس فقط، لكني أحب التذكير دائما بهذا المثال : إن أبحاثا دقيقة، تستعمل مناهج نتصورها ألف مرة محكمة من تلك التي نتوفر عليها اليوم، لو اشتغلت على الفلاحين الروس في يناير 1917 يحتمل أن تصل إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء كانت مخلصة ل "تزار" Tzar [i] ، ولا تتصور حتى إمكانية قلب الملكية في روسيا . لكن هذا الوعي الكائن لدى الفالحين سيتغير جذريا في آخر السنة.
إذن لا يكمن المشكل في معرفة ذلك الذي تفكر فيه الجماعة، لكن في معرفة التحولات المحتمل حدوثها في وعيها دون أن تكون هناك تغيرات في طبيعتها الأساسية .
في الحقيقة ،لقد حولت المعلومات المرسلة،المتعلقة بالبنية الاجتماعية لروسيا وإمكانية تغييرها ،والمستقبلة من طرف الفلاحين ، في أشهر قليلة وعيهم . في الوقت نفسه – ولأسباب سأحللها فيما بعد، ذلك أني لم آخذ هذا المثال بالصدفة – وصل الثوار الروس إلى التغيير الكامل للوضعية الاجتماعية التقليدية في هذه النقطة ذات الأهمية الخاصة، انطلاقا من تحليل إمكانية نقل المعلومة.
لقد كان كل المنظرين الذين كانت لهم سلطة في الحركة الاشتراكية في ذلك الحين، متفقين على حقيقة مفادها أن الاشتراكية ينبغي لها أن تعارض الملكية الخاصة للأرض وأن تنادي بالاستغلال التعاوني الواسع.
في حين سنجد لينينLenin، الذي كان رجل سياسة، لكنه سيتصرف تصرف السوسيولوجيين بل المنظرين في التواصل، يشرح في هذا الإطار كيف أنه يمكن تمرير كلمات ذات طابع اشتراكي لكن لا يمكن على الإطلاق إقناع الفلاحين بمزايا الاستغلال الجماعي الواسع، وبوجوب التخلي عن الملكية الخاصة للأرض؛ مهما كان الفلاحون أوفياء لنظام "تزار"، يمكن مع ذلك أن نعمل على تمرير سلسلة من المعلومات، بهدف تغيير وعيهم، لكن هناك فكرة من المستحيل اقتناعهم بها : التخلي عن الامتلاك الخاص للأرض من أجل الاستغلال التعاوني.
وسط سخط العديد من الاشتراكيين، من بينهم روزا ليكسامبورغRosa Luxemburg،صاغ لينين كلمة سر لم تكن منتظرة نهائيا : الأرض للفلاحين. إنه مثال كلاسيكي لتحليل سوسيولوجي مؤسس على الوعي الممكن .
من المهم، في الحقيقة، بالنسبة لكل من يريد التدخل في الحياة الاجتماعية أن يعرف بالتحديد المعلومات التي يمكن تبليغها، وتلك التي تتعرض لتشوهات قليلة أو كثيرة، وتلك التي لا يمكن تبلغيها.
في دراسة هذه المسألة اقترح أربعة مستويات للتحليل، يبدو لي من المهم عدم خلطها :
أولا، يحدث كثيرا أن نجد معلومة لا تستقبل،وذلك بسبب نقص في الإخبار الأولي؛ إذا عرضت أما مي تركيبة رياضية شديدة التعقيد، وبما أني لست مختصا في الرياضيات لن أفهمها بقدر كاف؛ ينبغي تزويدي بمعلومات تكميلية لكي أستطيع فهم الرسالة.
هذا هو المثال الأقل أهمية بالنسبة للمختص في علم النفس أو علم الاجتماع؛لسوء الحظ، غالبا ما نجد عددا من الباحثين، خاصة من الفلاسفة الذين يبحثون في مشاكل التواصل، يظنون أن عدم التفاهم يأتي أولا من عملية إخبار غير كاملة وأنه يكفي أن نكون أمناء ونزود الشريك بكل المعلومات الضرورية لكي تتم عملية التلقي في ظروف حسنة . في الحقيقة ، هناك مشاكل في التلقي توجد في مستويات أخرى ، وصعوبات في الإرسال لا تتوقف على نقص في المعلومات الأولية.
تبدو الدرجة الثانية أكثر أهمية من السابقة، رغم أنها ليست ذات طابع سوسيولوجي خالص وتتعلق بالبنية النفسية للفرد.
لقد أثبت فرويد Freud أن شخصية كل إنسان تتكون من سلسلة من العناصر البنيوية التي تتراوح بين الرغبة والنفور، وهي ناتجة عن ماضيه الذي يجعل "أناه" يصد بعض المعلومات، ويشوه أخرى.
مرور المعلومة، في هذه الحالة، يستلزم تحولا في الوعي، في مستواه النفسي الخالص، خارج أي تغيير اجتماعي. يتعلق الأمر هنا بحاجز في التواصل أكثر ثباتا من الحالة الأولى، لكن يمكن أيضا تصور إمكانية تجاوزه : يمكن تحويل البنية النفسية للفرد في حدود .يمكن تغيير الوسط الذي يعيش فيه هذا الفرد، كما يمكن أن نخضعه للتحليل النفسي ...إلخ.
الدرجة الثالثة، ذات طابع سوسيولوجي هذه المرة، لكنها تبقى جانبية مع ذلك.وهي تلك المتعلقة بجماعة اجتماعية مكونة من أفراد معينين، وبالنظر إلى بنية وعيها الكائن الناتج عن ماضيها، وعن عدد من الأحداث التي أثرت فيها، فهي تقاوم عبور معلومات معينة.
يمكن لنا أن نتصور، مثلا، باحثين ينتمون إلى مدرسة نفسية مرتبطة بأطروحة دافعوا عنها يرفضون الاطلاع على نظرية جديدة تشكك في أعمالهم السابقة.
في هذا المستوى لا زال المشكل غير جوهري أيضا،رغم أنه المستوى الذي يحصل فيه عدد كبير من الخلافات ، ومن مشاكل الحوار في الحياة الاجتماعية . أظن مع ذلك أن الجماعة المذكورة من الباحثين يمكن لها أن تستمر في الوجود باعتبارها جماعة ، حتى ولو وصلت إلى الوعي بالقيمة النسبية لنظرياتها، من الممكن لها في آخر المطاف إدماج النظرية الجديدة.
يتعلق الأمر هنا أيضا بإمكانية التحول في الوعي الممكن الذي لا يجعل وجود الجماعة موضع تساؤل.
نصل الآن إلى المستوى الأكثر أهمية في المجال الذي يهمنا، حيث يطرح مشكل ما سماه ماركس حدود الوعي الممكن. لكي تتحقق عملية نقل المعلومات ، في هذه الحالة ، يجب على الجماعة في حد ذاتها أن تتغير أو تتحول ، إلى درجة تفقد فيها خصائصها الاجتماعية الأساسية.
توجد بكل تأكيد معلومات مناقضة للخصائص الجوهرية لهذه الجماعة الاجتماعية أو تلك ، وهي الحالة التي تتجاوز فيها المعلومات أقصى حدود الوعي الممكن لجماعة ما. لذلك يجب دائما على السوسيولوجي حين يدرس جماعة اجتماعية أن يتساءل: ماهي مقولاتها الفكرية الجوهرية؟ ما هوالمنظور الخاص لمفاهيم الفضاء ، الزمن، الخير، الشر ، التاريخ ، السببية ...الخ ، الذي يبنين وعيها ؟وإلى أي حد ترتبط هذه المقولات بوجود الجماعة؟ وفي الأخير، ماهي المعلومات التي توجد خارج هذه الحدود، أي تلك التي يمكن استقبالها بدون تحولات اجتماعية جوهرية؟
كل جماعة تتطلع، في الحقيقة، إلى معرفة الواقع بطريقة صحيحة، لكن معرفتها لا يمكن أن تذهب إلى أقصى حد موافق لوجودها.
بعيدا عن هذه الحدود لا يمكن للمعلومات أن تعبر إلا إذا نجحنا في تحويل بنية الجماعة، تماما مثل حالة الحواجز الفردية،حيث لا تعبر المعلومات إلا حين نحول البنية النفسية للفرد.
يتعلق الأمر هنا بمفهوم أساس في دراسة إمكانيات التواصل في الحياة الاجتماعية. لهذا المفهوم أهمية إجرائية كبيرة، لكنه لم يدرس لحد الآن بما فيه الكفاية ،الوسائل التي تسمح بتوظيفه تم بالكاد استخلاصها.
أريد الآن التركيز على الموضوع التالي : في دراسة الظواهر الإنسانية لا نواجه أبدا مشاكل تطرح على مستوى الوعي.كل فعل إنساني، سواء كان فرديا أو جماعيا، يحضر في الحقيقة باعتباره مجهودا إجماليا لتكييف الذات مع العالم المحيط، أي باعتباره سيرورة موجهة في اتجاه تحقيق حا لة من التوازن تبقى مؤقتة في الحدود التي ستصبح معدلة بتحول العالم المحيط ،الناتج من جهة عن حركة الذات داخل هذه الحالة من التوازن وتمدد دائرة هذه الحركة.
في ظل هذه الشروط، كل محاولة لعزل مجال خاص عن سياق التوازن هذا يمكن أن يكون ضروريا للفهم والبحث، بشرط أن يبق مؤقتا، قابلا للتصحيح بعد ذلك ، من خلال إدراج الموضوع المدروس ضمن مجموع العناصر الأساسية التي ينتمي إليها.
تبدو لنا هذه الاعتبارات ذات أهمية لكون الرابط بين بنية الجماعة الاجتماعية ومشاكل نقل المعلومات هي من نمطين مختلفين : إذ يمكن أن تنتج ، في الحقيقة ، من كون التواصل يتجاوز الأطر المقولاتية التي تبنين الوعي الجماعي للجماعة. وفي هذه الحالة، تنتج هذه المشاكل عن عدم التوافق بين عناصر البنية – التي إن لم تكن دائمة فهي مستمرة نسبيا – وبين طبيعة الرسالة المنقولة .
وبما أن حياة الإنسان والجماعات الاجتماعية ليست مجرد حالة، وإنما مجموعة سيرورات، يمكن أن ينتج مشكل التواصل عن شكل اشتغال هذه السيرورات، وهو اشتغال مرتبط دائما بصفة مباشرة أو غير مباشرة بنزعة الذات الفردية أو الجماعية إلى الحفاظ على بنيتها والتصرف في اتجاه تحقيق التوازن . غير أن هذا الطابع النسبي والمؤقت لكل فصل يكتسي هنا أهمية خاصة لكون مشكل نقل المعلومة لا ينتج دائما عن التنازع مع المواقف الصادرة من المجال المدروس، بل عن الارتدادات التي يمكن لاشتغال هذا المجال أن يحدثها على السيرورات التي تعتمل في دائرة أخرى ، مستبعدة مؤقتا من البحث.
لنقف عند بعض الأمثلة : يمكن أن نقوم بتاريخ للعلوم الطبيعية والاجتماعية باعتبارها مجموعة من التحولات العقلية المحضة . من المنظور العلمي، يمكن أن يكون هذا التأطير للموضوع ضروريا جدا. لكن لا ينبغي للسوسيولوجي أن ينس أن كل نظرية علمية لها، على المستوى الاجتماعي، نتائج عملية وإن كان الباحث الذي أعدها لم يفكر فيها أبدا، ويجهلها تماما. والحا لة هذه، إذا كانت هذه النتائج العملية – خاصة عندما يتعلق الأمر بعلوم إنسانية- من طبيعة تجعلها تدخل في تعارض مع الأهداف العملية لفئة اجتماعية، فإن مشاكل ستطفو على السطح ، سواء أثناء إعداد هذه النظرية أو حول إمكانيات طرحها للنقاش بعد إعدادها ، أي حول نقل الرسالة التواصلية.
من هنا ، يمكن أن نميز مؤقتا بين تأثير إنسان في آخر وبين تأثير الإنسان في العالم الخارجي. لكن لا ننسى أن هذين الشكلين من التأثير يتفاعلان وأن كل تحول في العالم الخارجي يؤدي إلى تحول في الذات الفردية أو الجماعية والعكس صحيح.
على هذا النحو،إن التمييز بين العناصر الذاتية والموضوعية في خبر ما هو بدون شك مهم ، لكن ليس له إلا قيمة نسبية . من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي كل عنصر ذاتي، سواء كان مهما أو تافها يشكل، باعتباره فعلا نفسانيا اجتماعيا ، حقيقة موضوعية. والعكس صحيح، كل ملاحظة تحدث داخل الوعي، مهما كانت محايدة فإنها تتحول إلى حالة ذاتية مرتبطة بسيرورة موجهة نحو هدف معين.
في الأخير ، نريد تقديم مثال أخير، ذي أهمية خاصة على مستوى شروط إعداد ونقل الرسائل. لا تشكل حياة المجتمع كلا متجانسا فهي تتكون من جماعات جزئية توجد بينها علاقات متعددة ومعقدة. يمكن تحديدها بطريقة جد مبسطة وكلية باعتبارها مجموعة من التعارضات والتوافقات. في حين تشكل حياة كل واحدة من هذه المجموعات وحدة من السيرورات موجهة نحو إقامة توازن نوعي، ومن ثم سيكون الجانب الواعي لهذه السيرورات مبنينا بمجموعة من القيم النوعية والخاصة.
في حين يمكن للوعي بخبر ما، حتى ولو كان موافقا للمقولات الذهنية لوعي الجماعة، ومناسبا للتوازن الذي تسعى إليه، أن يكون له تأثير ضار على تنفيذ هذا التوازن، إذا كان يتم أيضا في وعي الفئات الاجتماعية الأخرى المكونة للمجتمع الشامل . لكن بما أن سوء النية ظاهرة فردية لا نصادفها إلا بصفة جد استثنائية ومؤقتة في فئات اجتماعية جد محدودة، فإن وضعيات مثل هذه التي تصورنا ها لا تحدث سلوكات سوء نية ، لكن ظواهر إيديولوجية ، وتشوهات خطيرة في إعداد المعلومات، إرسالها وتلقيها.
أختم هذا البحث المقتضب بجرد ثلاثة مبادئ أساسية جد مهمة، وأذكر هنا بالطابع التجريبي المحض للقواعد التي نحن بصد تبيانها حول استعمال مفهوم الحد الأقصى للوعي الممكن:
1-هناك اختلاف أساس اليوم بين إعداد ونقل المعلومات المتعلقة بالطبيعة الفيزيائية الكيميائية وحتى البيولوجية، وتلك المتعلقة بإعداد وإرسال المعلومات المتعلقة بالحياة النفسية، الاجتماعية والمعنوية . في الحالة الأولى تشكل الرغبة في التحكم في الطبيعة، في الواقع، عنصرا عالميا يبنين مجموع السيرورات الفكرية لمجموع الفئات الاجتماعية الموجودة في البلدان المتوسطة والمتقدمة التصنيع. لذلك هناك فيزياء متشابهة – أو على الأقل متقاربة جدا – في واشنطن، في موسكو، في طوكيو، في باريز وفارسوفيا. مشاكل نقل المعلومات في هذا المجال هي من النوع الذي يجدر تصنيفه في البابين 1 و 3 من تصنيفنا السابق.و لها علاقة محدودة مع مجموعة 4، أي الحد الأقصى للوعي الممكن. لا يظهر لي الفكر الفيزيائي- الكيميائي، بطبيعة الحال مستقلا عن البنية المادية والفكرية للإنسان والعالم.
إذا افترضنا وجود كوكب تعيس فيه كائنات غير قادرة على الحركة ، لكنها تملك قدرة التأثير على الألوان نفسيا ، سيكون تغيير الألوان هو المبدأ الإجرائي والكمي، وليس الفضاء كما هو الحال في الفكر الإنساني. فهذه الكائنات لن تستطيع القول: إن فضاء أكبر مرتين من الآخر. في حين يمكنها القول مثلا: إن لونا أزرق أكبر مرتين من لون أحمر، بافتراض أن تكرار العملية التي تنتج الثاني ولمرتين سيفضي إلى إنتاج اللون الأول.
لكن بالنسبة للإنسان الذي يعيش في كوكبنا هناك موضوعية علمية في طريقها إلى التكون في كل ما يتعلق بالعلوم الفيزيائية والكيميائية. ودون ادعاء التخصص، يبدو لي أن هذا هو حال العلوم الطبيعة، وإن بدرجة أقل. مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بوقائع إنسانية، فإن الأغراض الواعية وغير الواعية ذات خصوصية .وهذا يعني أن بنية الشعور تفرض – للأسباب التي سبق الحديث عنها – تطور ونقل بعض الرسائل، تشويه البعض الآخر ومنع إعداد ونقل سلسلة من الرسائل التي تتعارض مع تحقيق هذه الأغراض. طبعا، هذه الأصناف الثلاثة من المعلومات تتباين من جماعة إلى أخرى.وهذا يعني وجود تعقيد شديد في دراسة عملية نقل الرسائل، منصبة على مختلف مظاهر الحياة.
2-إحدى القواعد المهمة، في استخلاص البنى الاجتماعية الأساسية وبناء مفهوم الحد الأقصى للوعي الممكن، مؤسسة على الفرضية الأولية التي تقول إن الوقائع الإنسانية تكون سيرورة بنيوية دالة موجهة نحو توازنات مؤقتة ودينامية : في حين –وكما رأينا في البداية- الوقائع الإنسانية لم تعط لنا بهذا الشكل، وإنما أعطيت في صورة ركام من المعطيات الجزئية الذي يمكن التأكد منه وإحصاؤه بصورة تجريبية . لكن من الصعب جدا استخلاص بنيته،لذلك ينبغي علينا، بعد إنجاز أبحاثنا بأمانة قدر الإمكان، إذا لم نتوصل إلى هذه البنية ، وإذا لم يصبح الموضوع المدروس دالا، أن نفترض أنه لم يقطع بصورة جيدة.
إذا جاء عندي طالب وقال لي إنه يريد أن يشتغل حول "التراتب الاجتماعي" أو "الديكتاتورية"، سأجيبه بأن "التراتب الاجتماعي" لا يوجد باعتباره بنية دالة ، يصدق الشيء نفسه على ما يتعلق ب "الديكتابورية". هناك طبقات، هناك كذلك مجموعة طبقات ذات ملامح مشتركة ، كما أن هناك مجموعات دالة من الديكتاتوريين.
لكن التقطيعات العامة من نمط "التراتب الاجتماعي" و "الديكتاتورية" تظل خالية من كل قيمة عملية إذا كانت ستدفعنا إلى دراسة موضوعات لا تشكل بنى دالة. ينبغي إذن تأطير الموضوع المدروس بطريقة تسمح لنا بدراسته باعتباره كهدم لبنية تقليدية وكولادة لبنية جديدة. وإذا أردنا أن نستعمل هنا مصطلحات فلسفية، اعتقد أن المفهوم الماركسي والهيجيلي حول الانتقال من الكم إلى الكيف يعين ببساطة اللحظة التي تحدث فيها تحولات داخل البنية تختفي معها البنية التقليدية وتظهر بنية جديدة، تتجه فيما بعد إلى حالة توازن جديدة.
يمكن أن نقوم هنا بتوضيح مفهومي الفهم والتفسير : فوصف بنية دالة وعلاقاتها الداخلية هي ظاهرة من ظواهر الفهم.
في حين يكتسي وصف صيرورة البنية الكبرى (طبعا ، لأننا دائما إزاء بنية نسبية مكونة من بنيات جزئية تشكل هي أيضا جزءا من بنى كبرى) قيمة تفسيرية بالقياس إلى البنية المضمومة.
إذا درست أفكار باسكال باعتبارها بنية دالة داخلية أحاول فهمها؛لكن إذا حاولت بعد ذلك، إدماجها، باعتبارها بنية جزئية، في بنية أكبر، هي بنية الحركة الجانسينية، سأفهم الجانسينية وسأفسر من خلالها أفكار باسكال. وإذا أدمجت الحركة الجانسينية في البنية الشاملة لنبالة الرداء، سأفهم تاريخ نبالة الرداء، وسأفسر من خلالها تكون الجانسينية . إذا فعلت الإجراء نفسه مع نبالة الرداء في فرنسا القرن 18، سأكون في مستوى التفسير بالنسبة لنبالة الرداء، وفي مستوى الفهم بالنسبة للبنية الشاملة.
استعمال هذه الطريقة القائمة على إعطاء قيمة خاصة لسيرورة التوازن الموجه إلى التنظيم الشامل للعلاقات المتبادلة بين الناس والطبيعة ، وليس إلى بعض الأهداف الجزئية،يشكل القاعدة الأولى في الجهود من أجل استخلاص مكونات وحدود الحد الأقصى للوعي الممكن.
3- أريد أن أشير – وإن كان هذا يتعلق بمجال خاص بأبحاث مرتبطة بتجربة شخصية وتجارب عدد من المؤرخين الماركسيين – إلى أن الأعمال الفلسفية، الأدبية والفنية تثبت أن لها قيمة خاصة في علم الاجتماع، لأنها تقترب من أقصى الوعي الممكن لهذه الجماعات ذات الامتياز التي تتوجه عقليا وفكريا وسلوكيا إلى رؤية شاملة للعا لم.
إذا كانت لهذه الأعمال قيمة متميزة، ليس على مستوى البحث العلمي فقط بل وكذلك على المستوى الإنساني بشكل عام، فذلك ناتج في الحقيقة عن كونها تطابق تطلع الجماعات الأساسية في المجتمع في بلوغ الحد الأقصى من الوعي الذي هو في متناولها. وعلى العكس من ذلك، فدراسة هذه الأعمال وللغاية السابقة نفسها ، هو أحد الوسائل الأكثر فعالية، إن لم نقل الوحيدة، لمعرفة بنية وعي جماعة، ومن ثم معرفة وعيها وأقصى استشراف للحقيقة يمكنها بلوغه.
على سبيل المثال، تحليل أخطاء الاتجاهات العقلانية في فهم الفكر التراجيدي، وتحديدا تحليل العناصر المشتركة التي يمكن أن نعثر عليها في مواقف فولتيرVoltaire وفاليريValéry من أعمال باسكال، تسمح لنا بتلمس حدود سوء فهم جماعة اجتماعية لأنماط من الرسائل الصادرة عن جماعة أخرى.
بهذه الملاحظات المختصرة والبسيطة حول مفهوم أقصى الوعي الممكن نقترب من أحد الوسائل المفهومية الأكثر أهمية في دراسة الحياة الاجتماعية بشكل عام، ونقل الرسائل بشكل خاص. من أجل إضفاء الطابع العلمي على أبحاثه ينبغي على السوسيولوجي أن يتساءل، ليس عن رأي عضو من الجماعة في الثلاجة والرفاه، في الزواج والعلاقات الجنسية، بل عن ما هو مجال الوعي الذي يمكن بداخله لهذه الجماعة أو تلك، أن تغير من طريقة تفكيرها في مشاكلها بشكل عام، بدون تغيير في بنيتها. وباختصار عليه أن يتساءل عن الحدود التي لا يمكن لوعي الجماعة أن يتجاوزها دون احتمال حدوث تحولات عميقة. هكذا يمكن لمفهوم الوعي الممكن أن يقودنا إلى مركز مشاكل فهم الحياة الاجتماعية، إذا كنا نتوفر على بعض العناصر المنهجية لاستعماله. ومن أجل توضيح هذه المشاكل، هناك عمل كبير في انتظارنا.

منقول
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 44
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى