الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

العولمة والكونية بودريار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العولمة والكونية بودريار

مُساهمة  احمد حرشاني في 7th مايو 2011, 00:21

يقر بودريارأن دينامية الكوني كتعالي، كغاية مثالية و كأوطوبيا تفقد كنهها عندما تتحقق، خاصة وأن الكونية التي تحققت في ظلّ العولمة ليست كونية حقه، وإنما هي ادعاء للكونية، إنها العولمة المتنكرة في ثوب الكونية. ومن هذا المنطلق يشدد بودريار على التقابل بين العولمة والكونية. لأن العولمة ليست إلاّ ادّعاءً للكونية ذلك أن العولمة تتعلق بالجانب الاقتصادي والتجاري، إذ هي "كونية" السوق والسياحة والإعلام، "كونية" تشيّؤ الإنسان وتنميطه، "كونية" عنف محض يعمل على إقامة عالم متحرّر من كلّ قيمة إنسانية لفائدة الاستهلاك.
أما الكونية فإنها كونية القيم الإنسانية الثابتة، كونية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كونية لا تكون كذلك إلا كفكرة و كغاية مثالية. لكن هذا التقابل بين الكوني والعالمي ليس إلا تقابلا من جهة الحق لأن الواقع هو واقع عولمة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ذلك أن هذه القيم الإنسانية أصبحت بضائع تروّج وتعبر الحدود كأي منتوج عالمي، لذلك يرى بودريار أن مرآة الكوني قد تكسّرت «لأن الكوني كان فكرة، تنتحر كفكرة، كغاية مثالية، عندما تتحقق في العولمي». ولكن بودريار لا ينظر إلى تكسّر هذه المرآة باعتباره خسرانا لأن الخصوصيات التي وقع دهسها في العولمة انبثقت، من حسن حظ الإنسان، من جديد في شظايا هذه المرآة المكسرة
إن مفارقة الكوني التي أحالنا عليها "هيغل" و المتمثلة قي كون الكوني يتجذر في الخصوصي و الفردي يضيف إليها "بودريار" مفارقة أخرى، مفارقة تحطم الكوني عند تحققه. و لذلك كان الكوني لـ"بودريار" مجرد اطوبيا تغنت به الحداثة و نظرت إليه و من هنا يميّز "بودريار" بين كونية جهاز تناسلي انثوير التنوير التي ينظر إليها "كانط" من حيث هي كونية إنسانية تبقي على الاختلاف و الكونية كما تحققت في العولمة باعتبارها تدمير كل اختلاف و دمج بالقوة لكل الثقافات, قتل الثقافات و الخصوصية و إعلان شبه كونية تجسدت في عولمة القيم الغربية, لذلك فان العولمة ليست شيئا آخر غير الخصوصية الغربية المدعية للكونية. فهذه الثقافة الغربية التي كانت حبلى بالكوني، جاءها المخاض فولدت العولمة و ماتت هي بدورها. و لذلك يقر "بودريار" إن الثقافات الأخرى كان موتها رحيما لأنها ماتت من فرط خصوصيتها في حين كان موت الثقافة الغربية موتا شنيعا لأنها فقدت كل خصوصية عبر استئصال كل قيمها السمحة في إطار العولمة و هكذا يستخلص "بودريار" إن " الكوني يهلك في العولمة".
لكن هل يجب أن نعلن انتصار العولمة و نصرها ؟ هل أن العولمة باتت قدرا لا مناص منه ؟ إن الأمر سابق لأوانه بالنسبة لـ "بودريار"، ذلك أن الخصوصيات التي اعتبرت مهددة و ماتت أو كادت انتعشت, و الخصوصيات التي اعتقدها الغرب قد اندثرت انبعثت من جديد، لذلك يرى "بودريار" ضرورة الانتباه و الاحتراس مما يروج له إعلام العولمة من أن كل مقاومة للعولمة ليست إلا رفضا قديما و مهجورا للحداثة باسم الأصالة. و ذلك أولا لان العولمة لا تمثل الحداثة أو هي حداثة ساقطة و ثانيا لان حركات المقاومة هذه هي حركات أصيلة تتحدى هيمنة الكوني في شكله المعولم, هذه المقاومة تتجاوز الاقتصاد و السياسة بما هي نوع من المراجعة الممزقة لما يعتقد انه مكتسبات الحداثة, ممزقة لفكرة التقدم و التاريخ كما تتجلى في العولمة, فحركات المقاومة هذه هي رفض لا فقط للبنية التقنية العالمية و لكن ايضا رفض للبنية الذهنية التي تدعي توحيد كل الثقافات و كل القارات تحت علامة الكوني المعولم.
و تمثل هذه المقاومة في منظور " بودريار" انبجاسا جديدا للخصوصية, انبجاسا يمكن أن يأخذ شكل مظاهر عنيفة أو مرضية أو حتى لا عقلانية من منظور العولمة، فتنبجس في شكل عرقي أو ديني أو لغوي و لكن أيضا تنبجس في المستوى الفردي في شكل سلوك مزاجي أو حتى جهاز تناسلي انثويابي, و لذلك يرى " بودريار" انه من الخطأ أن نعتبر هذه المقاومة حركات شعبية معزولة و مهجورة أو حتى حركات ارهابية فبالنسبة لـ " بودريار" كل ما يحدث اليوم من مناهضة للعولمة هو علامة صحّة, علامة تمنع العولمي من إعلان انتصاره. و في هذا المنظور يجذر " بودريار" عداوة الإسلام للقيم الغربية المعولمة و يعتبر أن الإسلام هو الاحتجاج الأكثر حدة للعولمة الغربية و لذلك يعتبر "العدو رقم واحد" لثقافة العولمة. و يلاحظ " بودريار" ان الغرب اذا لم يدرك هذا فان الإنسانية ستذوب في نوع من القبضة الحديدية بين فكر يدعي الكونية, فكر متيقن من قوته و خصوصيات غير قابلة للعولمة, خصوصيات يتزايد عددها يوما بعد يوم. إذ أن المجتمعات التي تلاقحت مع العولمة لا تخلو من حركات المقاومة، ذلك أن ما وقع التضحية به في هذه المجتمعات في سبيل العولمة لم يمت و إن كان قد انزوى في نوع من التخفي الفاقد للشرعية القانونية. و هذه المقاومة تمثل في معنى ما "مجرم العولمة" التي تلاحقها في كل بقاع العالم.
و هكذا ينتهي " بودريار" إلى الإقرار بتصدع العولمة بل حتى الإقرار بأن تصدعها في العمق يسير بنسق أسرع من نسق فرضها بالقوة, فالعولمة لم تنتصر، و الإنسانية اليوم أمام وضع معقد و مركب من ثلاث حدود هي عولمة التبادلات, و كونية القيم و خصوصية الإشكال الثقافية, و هذه الوضعية تتغير بفقدان القيم الكونية لسلطتها و شرعيتها, ذلك انه كلما تقدمت هذه القيم كقيم وسيطة, إلا و نجحت في ضم الخصوصيات كاختلافات في ثقافة كونية للاختلاف و لكن هذه القيم تتراجع اليوم لان العولمة تقضي على الاختلاف و على كل القيم بوحشية لذلك يتحسّر " بودريار" على وضع الإنساني اليوم و يعتبر أن الكوني كان أمام فرصة تاريخية غير أن الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان خسرت مواجهتها للعولمة من جهة و المقاومة الخصوصية من جهة أخرى, و رغم كون وضعية القيم الكونية تبدو اليوم متدهورة فان " بودريار" يعتبر أن العولمة لو تحسم الأمر بعد و لن تحسمه بما أن رهانات الكوني الذي انهزم أمام العولمة تواصلها هذه القوى غير المتجانسة و المختلفة بل و المتناقضة و غير القابلة للاختزال التي تمثلها المقاومة
منقول
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 44
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى