الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

الفلسفة و العنف، أية علاقة ؟

اذهب الى الأسفل

الفلسفة و العنف، أية علاقة ؟

مُساهمة  احمد حرشاني في 31st يوليو 2010, 09:37



الفلسفة و العنف، أية علاقة ؟

" في ليلة غاب عنا الدليل
و انطمس القلب في صدفة أو حجر
موتا، أمطرت السمــــاء
أم كتابة من سلالات بادت، و عادت
بكل الشهوة الجسدية!
أم عاصفة أفلتت من قبضة إله الحرب
لتعود بالتاريخ إلى مرحلة الهمجية" [1]

عبد الله أزيكي
نستخلص من متضمنات هذا المقتطف الشعري أن الشاعر العراقي [2]، صور لنا صورة كاريكاتورية و رمزية لوضعية هيمنة العنــف في عــصـر الإقـــرار بــمــشروعية القانون و القيم الأخلاقية و الإنسانية، في عصر طرح فيه الإنسان أعقد القضايا للنقاش الأكاديمي سواء حول ذاته أو حول الآخـــر و الغــير أو حول المجال؛ كما تم تحديد المعطيات الأساسية لمتضمنات المقتطف في مفهوم الإنسان و كرامته، و في مــدى مــساهمة العنف في صـــياغة علاقتـــهما صـــــياغة مضــادة و متناقضة، باعتبار العنف، في هذه الحالة، يمس الإنسان في بنيته و وضعيته و قيمه مسا يشوبه نكران القيم الأخلاقية، و الاعتبارات الإنسانية . انطلاقا من هذا الاستنتاج حددت موضوع مداخلتي في العلاقة بين الفلسفة و العنف، على اعتبار أن الفلسفة نسق فكري يدافع عن هوية الإنسان و كرامـــته، و أن الــعنف ظاهرة إنسانية خاصة تهدد هويته و كرامته.
تطرح هذه الورقة السؤالين التاليين:
إلى أي حد يمكن اعتبار الفلسفة طريقة تفكير تقوم ضد العنف؟ و إلى أي حد يمكن الإقرار بأن الفلسفة عبارة عن نظرية للعنف؟ وانطلاقا من هذين السؤالين، نستنتج إمكانية جوابين متناقضتين حول وضعية الفلسفة، و حول مستوى علاقتها بالعنف. نقول حسب الفرضية الأولى، بأن الفلسفة ضد العنف، بينما نعتقد، حسب الفرضية الثانية، بأن الفلسفة مع العنف. و لكن حينما نقوم بقراءة لتاريخ الفلسفة، نلاحـظ بأن الفـــلسفة تقول كلـــمتها جهرا في حق التسامح و الجدل البناء، و في حق كرامة الإنسان، و في حق عقلنة القيم، كما تكشف نواياها الحقيقة، في معارضتها للعنف خاصة، و لجميع الظواهر التي تمس الإنسان سواء في معرفته و قيمه أو في جسده و في مجاله؛ كما نلاحظ بأن الشروط التاريخية هي المتحكمة في نشأة الفلسفة و مذاهبها و أغراضها. و عليه تمثل الفلسفة في ظهورها تنظيرا معرفيا لمستجدات الواقع، إما لأجل تعميق الوعي بها( المستجدات) و إما لأجل تعديل بنياتها و معطياتها( الفلسفة كخطاب)، و خصوصا تلك البنيات و المعطيات السائدة في حقبة تاريخية معينة. انطلاقا من هذا يمكن اعتبار نشأة الفلسفة مرتبطة بالبعدين التاليين: تعميق الممارسة النقدية حول المعطيات النظرية السائدة وفق اعتبارات عقلانية و منطقية؛ و تفعيل العلاقة الجدلية بين البنيات الأساسية للاجتماع البشري وفق اعتبارات إنسانية. و على هذا الأساس عرفت الفلسفة أثناء نشأتها ظواهر متميزة بتميز طبيعة وضعيتها في الواقع، اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا. و لكن كيف يتم تحديد علاقة الفلسفة بالعنف؟ هل حددت في إطار علاقة الانفصال، و بالتالي تتحدد الفلسفة كخطاب معارض للعنف ؟ أم هل حددت العلاقة في إطار علاقة الاتصال، و بالتالي تتحدد الفلسفة كمعطى مساند لإجرائية العنف ؟
سأعالج السؤالين السابقين على ضوء مقاربتين، الأولى سياسية، و الثانية ابستمولوجية:
المقاربة السياسية:
حسب هذا المقاربة، يمكن الإقرار بأن المواجهة بين المعطى الفلسفي و بين المعطى الواقعي الرسمي قد تمت على أساس مواجهة بين معطيين متناقضين، بحيث يصعب جمعهما على شكل وحـدة كــلية، مما يفسر تحديد مظاهرهما في إطار مزدوج العقل / اللاعقل؛ الصدق/ الكذب؛ الصواب / الخطأ؛ المقبول / المرفوض؛ المرغوب فيه / غير المرغوب فيه، إلخ. و يتولد عن هذه الصيغة التقابلية سلوك سهل يتزعمه العنف، و النفي، و الاغتيال، و الكراهية. و هو نفس السلوك الذي ذهب ضحيته الفلاسفة، من سقراط إلى حسين مروة؛ و هو نفس السلوك الذي قال عنه أرسطو كلمته المشهورة: " إنني لن أسمح لأثينا، أن ترتكب الجريمة مرتين في حق الفلسفة". و هو نفس السلوك الذي كان سببا في إحراق أو إتلاف مؤلفات المبدعـين سـواء في مجـال الإبداع الفلسفي أو في مجال الإبداع العلمي.
و الواقع أن هذا السلوك لم يوجه سهام المطاردة و الاتهام للإنتاج الفلسفي فحسب، و إنما وجهه لظاهرة التفلسف قصد تجميد فعاليتها و تقزيم قيمتها أو تـهـمـيـش فـعاليتــــــها و أهميتها. و لكن، لماذا يسكن هذا السلوك في الحقل المعرفي و الفكري ؟
انطلاقا من قراءة للأسباب الفاعلة في مبدأ العنف و دوافعه الأساسية نسجل ملاحظتين: الأولى هي كالتالي: يمكن الإقرار بأن هذا السلوك العنيف يجسد لنا اجرائيا العقليات و الأخلاقيات المهيمنة على الساحة السياسية ( حسب النظام الديكتاتوري) ثم على الحقل الثقافي، مع العلم أن الطابع الالتزامي بمبادئ ثابتة أخلاقيا و معرفيا و إيديولوجيا و عقائديا، يشرط الإكراهات و الــضغوطات التي تمارس عــــلى مكونات و فعاليات المجتمع، على أساس مبدأ أناني أو مصلحي أو عصبي. والملاحظة الثانية : و هي أن هذا السلوك يتحكم إجرائيا في تحديد استراتيجية العلاقات و مجالها وفق أبعاد ترسمها المعطيات الجاهزة و الثابتة في العرف أو القانون أو النظام السياسي السائد أو الرسمي؛ في حين يحمل الإبداع الفلسفي حسب تصور أصحاب هذا السلوك حقائق معارضة. وعلى ضوء هذه الاستراتيجية تسند للفلسفة صفات دنيئة كتخريب العقول؛ العصيان؛ الفساد؛ الإلحاد؛ الرجعــية؛ الطوبــاوية؛ السفاهة؛ الثرثرة، إلخ.
و على ضوء هذه الدعاية الإعلامية يتم تحديد وضعية الفلسفة في وضعية يشوبها الاحتراس و الشك و الحذر، كما يتم تحديد طبيعة العلاقة في إطار علاقة الانفصال، و بالتالي يتم الإقرار بمشروعية العنف في النضال، والمقاومة، و المواجهة، و المطاردة لأجل إقصاء الحقيقة على حساب حقيقة مضادة. و في هذا الــصدد يقول نيتشه : "في حالة ما إذا وصل بنا الجنون إلى اعتبار جميع آرائنا صائبة، حتى في هذه الحالة لن نتمنى مع ذلك وجود تلك الآراء لوحدها. و أنا لا أعرف، لماذا ينبغي أن نرغب في القوة الشاملة، و طغيان الحقيقة باعتبارها ثابتة مجهز. يكفيني القول، بأن الحقيقة تملك قوة عظيمة، لكن يـجب تمكينها في المصارعة، و أن تكون أمامها معارضة، و بدون ذلك ستصبح الحقيقة مزعجة لنا، عديمة القوة، فستجعل بدورنا مزعجين" [3]. و في هذه الحالة يسمح في إطار مشروعية العنف باستعمال السوط أو الاغتيال أو السيف كما في قول الشاعر:
لا يـــــــغرنك ما نرى من رجـال إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف، و ارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويـا
انطلاقا من هذا، يمكن الإقرار بأن الظاهرة، في إطار العلاقات و المعاملات، تتحكم فيها اعتبارات ذات صبغة تقريرية، و ذات صبغة استبدادية، و ذات صبغة منفعية مادية. كما يلاحظ بأن هذه الظاهرة تعتبر من أهم العوامل المساهمة في نشأة الفلسفة. و أحسن دليل على هذا المعنى الإجمالي لكلمة الفلسفة أو الترجمة اللفظية لمعطيات المفهوم، باعتباره يتكون عضويا من " محبة الحكمة". فهذا يدل على اعتبار الفلسفة مصطلحا مركبا من متغيرين " الحب " و" الحكمة "، و ذلك راجع للإقرار بالعلاقة المنطقية القائمة بين المحبة كعبرة أخلاقية ، و الحكمة كعبرة معرفية . و يدل هذا على مدى ميل الفلسفة إلى الرغبة و التسامح ، لا إلى الكراهية و العدوان . كما يدل على مدى مساهمة الفلسفة عبر تاريخها الطويل في الدفاع عن مبدأ التسامح و مبدأ العقلنة ، و مقاومة مبدأ الإكراه و القوة و العنف قصد ضمان و صيانة كرامة الإنسان في إطار "الواجب الأخلاقي ". و هذا يعني انه لا ينبغي للإنسان أن يبحث عن غايته بطريقة منحطة ( … ) و لا ينبغي عليه أن يتخلى عن كرامته ، بل يجب عليه دائما أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي ( … ) ان هذا الاحترام للذات إذن هو واجب على كل إنسان اتجاه نفسه" [4]، و في إطار هذا الاعتبار المعرفي، يتم تحطيم وثن اليقين المزيف حسب كارل بوبر لإسقاط " إحدى دعائم التضليل الذي يقف عائقا في طريق التقدم العلمي، لان الاحترام الذي نكنه لهذا الوثن لا يقمع أسئلتنا فحــسب ، بل يؤدي بصرامة اختباراتنا و أماناتها أيضا ( … ) أما رجل العلم الحقيقي ، فليس همه هو امتلاك معارف و حقائق لا جدال فيها ، بل البحث عن الحقيقة بصفة مستمرة اعتمادا على النقد" [5]، للإقرار بمشروعية البحث عن الحقيقة كمشروعية يخولها الحق في التفكير و في البحث و الحق في النقد، و لكن على أساس حجة برهانية عقلانية و ليـس بالإكراه و العنف ، أو على أساس القياس العقلي حسب فلاسفة الإسلام العقلانيين. و في هذا الصدد قال أفلاطون في محاورة جورجياس باسم سقراط : " أما الفلسفة فتقول دائما … الشيء نفسه … بان نبرهن لها على أن ارتكاب الظلم و العيش به ، دون عقاب و تكفير ليس بأفدح الشرور، فاذا لم تبرهن على ذلـــك فمــستحيل ".
فهذا يعكس مستوى المواجهة بين الفلسفة و العنف رغم مساندة الاعتبار السياسي لهذه المواجهة إجرائيا لأجل : 1 ـ ضمان السيادة لإيديولوجيا أو نمط فكري معين؛2 ـ الإقرار بفعالية سلطة القوة على حساب سلطة العقل؛3 ـ رفض التغيير في البنيات الأساسية في المجتمع؛4 ـ عدم الإقرار إجرائيا بدمقرطة الأسس البنائية للمعرفة و البرهان و النقد؛5 ـ عدم التصديق بمبدأ الاختلاف، و بالتالي عدم التصديق بمبدأ الحوار و الجدل على أساس منطقهما. و أخيرا اختتم هذه المقاربة بملاحظة لأدونيس: " فاعتقاد الإنسان، أنه يملك الحقيقة هو مصدر كل قمع، فهذا الاعتقاد يعتقل العقل عقل الذات، و عــــقل الآخـــر، ذلـــك أن كل اعتـــقاد من هذا الـــنوع هو بالضرورة إرادة سياسية و ممارسة القوة المرتبطة به، إنما هي الإرهاب و الطغيان، بل ربما أصح قتل الآخر [6].
II ـ المقاربة الابستمولوجية :
يمكن، انطلاقا من تاريخ الإبداعات الفلسفية، تسجيل الملاحظات التالية:
أولا- يقوم الـعمل الإبـداعي على أساس مشروع جديد، و هذا مايفسر إجرائيا تعدد المشاريع الفلسفية بتعدد الفلاسفة و المذاهب و المدارس؛ ثانيا، النقد ( نقد الخطابات الجاهزة و الممارسات) هو أهم استراتيجية للعمل الفلسفي، و لكن وفق شروط أخلاقية و منطقية ضابطة؛ ثالثا، تقوم مهام الفلسفة على تحديد المقاصد العامة في إثبات الحقيقة معرفيا، و فعالية المنطق استدلاليا، و مكانة الانسان أخلاقيا. فعلى ضوء هذه الاعتبارات يمكن تحديد طبيعة حركية التيارات الفلسفية في إطار علاقة ديالتكتيكية، ففي مجال الفلسفة اليونانية، مثلا، نجد نماذج لظاهرة الاختلاف و التعدد: المدرسة الايونية؛ المدرسة الفيثاغورسية؛ المدرسة الايلية؛ المدرسة السوفسطائية؛ المدرسة اللذية؛ المدرسة الرواقية؛ المدرسة التصورية المثالية.
و في مجال الفكر الإسلامي نجد نماذج لذلك في التيارات الكلامية منــذ مرحــلة النـــــشأة، و نماذج من التيارات الفكرية العقلانية منذ الكندي إلى ابن رشد و ابن باجة. و يمكن أن نجد نماذج كثيرة في الفكر الفلسفي الحديث و كذا المعاصر. وعلى أي يمكن الإقرار عبر هذه النماذج بان ظاهرة الاختلاف و التعدد في الفلسفة تعتبر من أهم الظواهر المساهمة في تحديد مميزات التفكير الفلسفي في الحــقــل الــمعرفي طــبيعة و وضعية و بعدا . و لكن كيف تم رسم معالم العلاقة الجدلية بين المشاريع الفلسفية ؟ و ما هي الاعتبارات المنهجية المتحكمة في تفعيلها لتحقيق أهداف تخدم أغراض المشروع الفلسفي في مجاله الخاص و تخدم أغراض و أبعاد الفكر الفلسفي في مجاله الفكري ،و تخدم الأغراض الإنسانية في مجالها الكوني ؟ من هنا نتساءل عن طبيعة النوايا الأخلاقية الكامنة في المعطيات الفاعلة أو المساهمة في تفعيل العلاقة الجدلية بين مكونات الحقل الثقافي في مجاله الفلسفي ؟
حقا حينما نتكلم عن الفلسفة نتكلم عن بنية معرفية نسقية تتحكم فيها الاعتبارات الذاتية بجانب الاعتبارات الوضعية. و على هذا الأساس نتحدث في تاريخ الفلسفة عن فلسفات واتجاهات مذهبية؛ كما نتحدث عن فلسفات المجتمعات و فلسفات العصور التاريخية. و رغم هذا التصنيف التعددي للفلسفات، يمكن تحديد الخصلة الجوهرية و العامة للفلسفة باعتبارها نسقا فكريا متماسكا. و يمكن اعتبار هذه الخصلة جامعة بين الفلسفات، و محددة لهوية الفلسفة؛ كما أنها تمثل المقياس الثابت لاكتساب أي مشروع فكري معين مصداقية حمل اللقب " الفلسفة" أو "الفلسفي ". و يدل، هذا، إجمالا على أن ظاهرة تعدد الفلسفات لم تؤد إلى تحقيق القطيعة المطلقة بين المذاهب، ما دامت كل فلسفة تحمل في طيّاتها خصلة جوهرية فلسفية، و ما دامت كل فلسفة تمثل مشروع فعالية الروح الفلسفي. فكل هذا يدل على عدم رغبة الفلسفة في تحقيق القطيعة أو الانفصال بين مختلف الإبداعات الفكرية و الفلسفية، رغم أنها تفضل بالضرورة صياغة العلاقة في إطار جدلي، وفق اعتبارات نقدية، مع العلم أن النقد في التفكير الفلسفي يعتبر الميكانيزم الأساس و المبدأ البنيوي، لأنه ساهم إجرائيا في نشأتها، و في انتعاشها، و كذا في تطورها. مثلا يمكن اعتبار نشأة فلسفة سقراط من هذا الجانب وليدة القراءة النقدية السقراطية لفلسفة الطبيعيين و فلسفة السفسطائيين، و للمعطيات المعرفية و العقائدية في فترته التاريخية و ما قبلها [7]. هذا يدل إجمالا على أن أي مشروع فلسفي يتخذ من النقد المنطلق المبدئي للعمل الفلسفي، مع العلم أن النقد الفلسفي لم يؤد إلى تحقيق القطيعة المطلقة بين الاتجاهات الفلسفية المعارضة ، وبالتالي ضمن الإقرار بالتكامل و التوافق بين الفلسفات من حيث البعد و المعطى الجوهري، و أقر بمشروعية الاختلاف من حيث العرض؛ لم يؤد إلى تحقيق القطيعة بين التيارات الفلسفية وفق الاعتبار التعسفي أو الوجداني الانفعالي لمراعاته الشروط المبدئية ذات الصبغة المنهجية والقيمية. ولم يؤد النقد إلى خنق مجال حرية الفكر أو التنظير أو الاعتقاد أو البحث، انطلاقا من اســــتراتيجية ثابتة و معطى جاهز. و إنما يطمح إلى توسيع مجال الحرية و مجال الأفق المعرفي للإنسان، بل يطمح إلى ما هو أوسع و ذلك لتحديد الآليات الضرورية لكي يتمكن الإنسان من اكتساب التحرر أكثر، و لكي تساهم الحرية في تحقيق التوازن بين مختلف المعطيات و الاعتبارات الذاتية و الوضعية، و لكي تكتشف الحقائق.
4 ـ لم يؤد إلى تحديد الإطار المرجعي كإطار أحادى وفق اعتبار وحيد يراعي قداسة الاعتقاد، و إنما حدد حسب طبيعة البناء التكويني المفتوح للإنسان فكريا و عقديا و سياسيا. على هذا الأساس تخضع الفلسفة للتجدد و التطور عبر مسارين: مسار خاص بالمذهب و مسار خاص بتاريخ الفلسفة. و يأخذ النقد في المسارين أهمية إجرائية في تحديد وضعية الفلسفة، و في تحديد الأهمية الوظيفية للفلسفة سواء في المجال المعرفي الفلسفي أو في المجال المعرفي الإنساني الكوني؛ كما يستند النقد الفلسفي على ربط علاقة النسق الفلسفي بنسق فلسفي آخر وفق شروط يتحكم فيها العقل و المنطق و الأخلاق. لهذا لا يساهم النقد الفلسفي في إصدار أحكام ذات صبغة تقريرية و نهائية، و إنما يعتمد على معيار تقديري مفتوح من أجل ما يلي: 1- تجنب العنف ( المادي و المعنوي)؛ 2- التحفيز على البحث و الجدل إما لاستنباط حقيقة، أو للتحقق منها، أو لتحديد حقيقة مشروعة. 3- ضمان إجرائية و ديمقراطية الحوار؛ 4- أنسنة و تنسيب مجال المعرفة و العلاقات الفكرية و الحقل الثقافي، عموما.
كل هذه المعطيات تدل على أن الفكر الفلسفي يرفض، في مبادئه و في مقاصده، العنف و يؤيد التسامح، بل يدافع على تكريسه في الواقع الإنساني ابتداء من العلاقات الفكرية، و انتهاء بالعلاقات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية.
و لكن كيف يتم تفسير ظهور أسباب بعض الظواهر الشاذة في تاريخ الفلسفة، كالإقرار بمشروعية العنف و الإقصاء في المواجهة الفكرية بين المذاهب الفلسفية، حيث يتم الدفاع عن العقل باللاعقل، و الدفاع عن المنطق باللامنطق، و تسخير القوة لإثبات صلاحية المنهاج و مبادئه. و تحضر نماذج كثيرة عن هذه الحالات في مجال التفاعل الثقافي بين الأمم و بين المدارس؛ منها، مثلا، المواجهة اللاعقلانية التي تبناها بعض أنصار المعتزلة أثناء مجادلتهم المعارضين في مسألة خلق القرآن من أمثال احمد بن حنبل الذي تعرض للعنف المادي و المعنوي و النفسي( محنة)، لكونه تبنى أطروحة قدم القرآن.
و منها أيضا، كنموذج ثاني، المحاكمة التعسفية التي تعرض لها بعض المبدعين لنظريات علمية جديدة أمثال كوبرنيك و جاليلي لا لشيء إلا لأنها تعارض الايديولوجية الرسمية للكنيسة حول مسألة مركزية الأرض في الكون.
و يمكن الاقرار بأن تاريخ الفلسفة و الفكر، عموما، سجل انتشارا لمثل هذه الممارسات في مجال الصراع الفكري الفلسفي لصالح تيار على حساب تيار معارض، كما هو الشأن بالنسبة للطرح المدرسي المسيحي بعد سقوط الدولة العربية الإسلامية الأندلـسية [8]؛ و بالنسبة للطرح الماركسي في فترة ستالين [9]؛ و في فترة الثورة الثقافية الماوية [10] و الطرح الشيعي بعد الثورة الخومينية في إيران؛ و كذا بالنسبة للطرح السني الأصولي في أفغانستان؛ و الــطرح العلـــماني بعد ثورة مصطــفى أتاتورك. تقدم لنا هذه الحالات سياقات صراعية تاريخية و اجتماعية يتم فيها إصدار فـــتاوى أو قرارات لإقصاء الاتجاه المعارض أو لإبادة أنصاره. و تقدم لنا هذه الوقائع حالات يتم فيها تحديد مصدر القرار في مـــصدر وحيد، أحادى المرجـــــع و البعد، كما يتم التركيز على القوة و القمع و الإكراه في تنفيذ القرارات.
و لكن ما هو دور الفلسفة في هذا العمل التعسفي؟ هل تتحمل المسؤولية كاملة، و بالتالي يمكن القول إن الفلسفة تخدم العنف ؟ و هذا يعني وجود علاقة عضوية بين العنف من جهة أولى، و بين اختيارات و نوايا الفيلسوف، من جهة ثانية؟ أم يمكن الإقرار بـــأن الفلـــــسفة و الفلاسفة أبرياء من مثل هذا الاتهام، لأن هذا السلوك لا صلة له بقصد الفيلسوف و إرادته، و بالتالي يمكن القول كانت الفلسفة ضد العنف و ستبقى ضده؟ و لكن كيف نبرر هذا ؟
حـقا، تـــمارس الفلـسفة النقد لأجل إثبات ماهـــــيتها و وضــــعيتها؛ و لأجل عقـــلنة التــفكير و مبــادئه المنهجية و المنطقية؛ و لأجل عقلنة العلاقات الإنسانية؛ و لأجل تطوير الوعي الإنساني و الرقي به من وعي ساذج إلى وعي عقلاني؛ و لأجل إثبات هوية الإنسان العاقل عبر تنشئته الفردية و الاجتماعية؛ و لذلك فهي لم تمارس النقد لنفي أو للقضاء على مشروع فلسفي آخر ، أو خاصية إنسانية جديدة، أو مكسب إنساني، بل مارست النقد لأجل إرساء مشروع فلسفي جديد لصالح المجتمع. كما أنها لم تمارس النقد عبر العنف و القوة، و إنما مارسته وفق قاعدة منهجية عقلانية، لأنها هي الطريقة التي، "يقود بها ( الانسان ) عقله لاكتشاف حقائق" [11] حسب ديكارت، و هي التي تجعل معرفته معرفة استدلالية [12]. و بها أيضا يتدرب الإنسان على تطبيق قواعد المنطق انـــطلاقا من حيـــاته الفكريــة و انتهاء بحياته اليومية. كما أن الفلسفة لم تمارس النقد كرد فعل مؤقت لتحقيق مكاسب مصلحية خاصة عوض مكاسب إنسانية عامة، و إنما مارسته لتوسيع مجال المكتسبات في المجال الإنساني و الكوني، و بالتالي التزمت في نقدها مبدأ التسامح لأن به يتم التعايش بين الاتجاهات الفلسفية و بين الفلاسفة؛ و به أيضا، يتم ضبط الحدود بين الحقوق و الواجبات، بين المصالح الشخصية و المصالح العامة. وعن طريق النقد الفلسفي تم ضبط معالم العقد الاجتماعي حسب روسو و هوبر. و انطلاقا منه تم تحديد مبادئ و قواعد للتمييز بين مختلف أنواع الحرية، حسب سارتر. و انطلاقا من أهمية هذا المبدأ نفهم علاقة كارل ماركس مع المنهج الهيجلي، و نفهم قبل ذلك التعامل النقدي لأبي الوليد ابن رشد مع المبادئ المنهجية و القيمية الكلامية. و نجد نفس المبدأ تحكم في تعامل أبي حامد الغزالي مع المبادئ المنطقية الفلسفية( النزعة العقلانية )، كما تعامل الفارابي مع الطرح الانطولوجي الأفلاطونين، و كذلك تعامل الحبابي مع الطرح المسيحي الوجودي للفلسفة الإنسانية و مع الطرح الإسلامي لماهية الإنسان. و لا يأخذ النقد أبعادا منهجية فقط، بل يأخذ أبعادا منطقية و أخلاقية و حضارية.
و يعتبر النقد الفلسفي نقدا عقليا بامتياز، لأنه يتبنى المبدأ العقلي الذي بفضله يتم إبعاد جميع الاستراتيجيات المبنية على المصلحة سواء كانت شخصية أو فئوية أو قائمة على الأهواء و الانفعالات. و يتم تعويض الخطابات المغالطة باستراتيجيات يتحكم العقل في مبادئها و أصولها و أبعادها حتى تكون قادرة على خدمة المعرفة و القيم الإنسانية كلية؛ و حتى تستنبط الحقيقة الجوهرية و قيمها؛ و حتى يتم تقنين قواعد المنهاج على أساس العقل و المنطق. فانطلاقا من هذين المبدأين يمكن الإقرار بأن النقد الفلسفي تتحكم فيه الشروط التقنية و الأخلاقية و المعرفية عامة، و بالتالي تتجاوز من خلاله صياغة السلوك النقدي وفق اعتبارات انفعالية أو مصلحية أو مادية أو أنانية، و إنما تتم في مجال تداولي تنفتح فيه الفلسفة على الآخر و الغير عبر تلقي نقدي لفلسفتهما و لخطاباتهما. لذا يمكن الإقرار بأن التهمة الموجهة للفلسفة و للفلاسفة، لم تكن إلا دعاية مغلوطة أو شعارا وهميا و مزيفا يخفي وراءه أهدافا محددة، يمكن التعرف على بعضها:
1- تشويه ماهية الفلسفة / التفلسف / الفلاسفة من طرف التصور العام أو الرأي العام؛ .
2 ـ تسخير الفلسفة و مبادئها من أجل :أ) ضمان السيادة لاختيارات سياسية و إيديولوجية؛ ب) ضمان وحدة التصور و الاعتقاد واقعيا و بالفرض؛ج) ضمان تقديس المبادئ و الاختيارات الرسمية المهيمنة؛ د) ضمان المكتسبات السياسية و عدم مسها بالنقد؛
لضمان هذه الضمانات اجرائيا تتم مواجهة كل تيار فكري و فلسفي حامل لنوايا أو لتصورات معارضة بشتى الوسائل بالسيف، و باستخدام معين للعقل، بالقوة، و بالإقناع أحيانا أخرى. و في هذه الآليات يجد العنف مكانه كأداة و كفعالية وكميكانيزم.
و لكن من هو المسؤول الأخير عن هذا السلوك ؟
إن هذا السلوك الشاذ في طبيعته، و في مبادئه، و في أبعاده يتعارض مــع طبـــيعة الفلسفة و مبادئها و أبعادها. و بالتالي فإن تفعيله الحقيقي يتم داخل مجال الممارسة السياسية و ليس داخل مجال الفكر الفلسفي. و يتم تفعيل آليات العنف من طرف الانتهازيين و المصلحين و غير الفلاسفة و ليس من طرف الفلاسفة. و التاريخ لم يشهد، حسب معرفتنا، على أن فيلسوفا قتل فيلسوفا آخر لأنه يعارضه أو يختلف معه. و لكن نفس التاريخ يشهد على ذهاب فلاسفة ضحية العنف القائم على التعصب الإيديولوجي و العقدي لا لشيء إلا لأن فلسفتهم تحرج النوايا الرسمية، و تقر بدمقرطة تفسير المبادئ، و تنمية الوعي الإنساني؛ و هكذا حوكم سقراط ظلما؛ و أبعد ليون تروتسكي إلى المكسيك، و قتل بعد ذلك؛ و اغتيل حسين المروة؛ و أحرقت مؤلفات.
إن الفلسفة ضد العنف لكونها تتبنى الحوار على أساس المنطق و البرهان و الحجة و العقل و النزعة الإنسية . و في هذا الصدد يقول ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الشريعة و الحكمة من اتصال: " فقد يجب علينا إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم الســـالفة نـــظرا في الموجودات و اعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان ، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك و أثبتوه في كتبهم ، فما كان منها موافق للحق قبلناه منهم و سررنا به و شكرناهم عليه ، و ما كان مــنها غير مـــوافق للحق نبهنا عليه و حذرنا منه و عذرناهم ... " [13] و بالفعل فقد قام ابن رشد بفصل الفلسفة عن العنف ما دامت الأولى تتبنى التسامح و العقل في النقد و إثبات الذات كما جعلها المرحوم الحبابي : " توتر تعبيري ينبثق من واقع الحياة ، حياة الانسان ، هذا الكائن الذي يعيش في التاريخ ، و يجعل من أناه تاريخا ، يكون الإنسان من نفسه تاريخ تحرره " [14] ، قصد تحقيق الكينونة المتوازنة ، بين أهــــــــــمية الاعتـــــبارات الذاتـية للانا و الاعتبارات الغيرية للآخر و الغير في إطار علاقة تفاعلية و تكاملية في آن واحد . و بالتالي فإن الفيلسوف حسب ميرلوبونتي هو ذلك الذي " لا يفكر حسب ما هو صادق فقط، و لا حسب ذاته فحسب ، و لا حسب الغير وحـده ، و ذلك لان كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة يحتاج بالضرورة إلى العنصرين الآخرين بالضرورة " [15] . و بالتالي لا يراهن إلا عليها، لأنه في حياته الفكرية و اليومية يراعي أهمية هذه العناصر أثناء صياغتها في بنية متناسقة من جهة، و في بنيات متفاعلة، من جهة ثانية.
فانطلاقا من هذا التحليل نستخلص الدرس من الممارسة النقدية كما تتم بين الفلاسفة. يشهد تاريخ الفلسفة بأن جميع الفلاسفة المعاصرين لهيجل أو غير المعاصرين له قد حملوا لهيجل قيمة تقديرية محترمة سواء من طرف ماركس أو سارتر أو راسل، الخ. كما نجد أن هيجل نفسه سلك نفس المسلك الأخلاقي مع فلاسفة عصره و غيرهم كديكارت و كانط و هوبر و روسو، رغم صياغته لمفهوم المطلق و لمفهوم الصيرورة صياغة قابلة لخدمة الغرض النظري الخاص بنسقه.
إذن فالسمة الخاصة للفلسفة تحتم على الفيلسوف الدفاع عن الفضيلة و التسامح و التوازن و الانفتاح و النقد البناء و العقلاني والمنطقي، و تجنب العنف و العصبية و السذاجة و ردود الفعل التلقائية و غير المفكر فيها.
من خلال تمثل هــذه الســـمة في ســـــلوك الفيلسوف إجرائيا ، يــتم تجــاوز المشهد الذي صوره ذ. حميش بنـــسالم في كتــابــه: الجرح و الحكمة: "في منفاي رفعت حارسي على كتفي ليرى ، و ليبلغني أخبار المدينة . قال: أرى رجلا صار دمه هدرا ، و عرضه مباحا ، و ملكه منتزعا، لأنه أبى أن يغتال عليا. و أرى رجلا آخر مدججا بالسلاح ، قد خندق على نفسه في صومعة، محتجزا الحاجب و الجلاد ... و أرى الأهالي يمارسون العصيان المدني و شتى المقاطعات " [16].
إن هذه الأوصاف هي التي تساعدنا على فهم اللوحة المشهورة لريفائيل مدرسة أثينا ، لأنها لوحة تعبر عن وضعية الفلاسفة و الفلسفات في تاريخ الفلسفة ، و عن الواقع الإنساني المبني على الاختلاف و التفاعل و التكامل، و عن فعالية الاعتبارين الشخصي و الكوني، و عن وضعية يتحكم فيها القانون و العقل و المنطق، وعن وضعية تتحكم فيها الذات و الغير و المحيط .
و لهذا يتم تحديد وضعية الفلسفة و الفلاسفة حسب سليم رضوان : " على شكل مملكة الأقلية ، أقلية فوق الزمان و المكان ، و من تم فالفكر الفلسفي، لا يمكن أن يكون إلا إنسانيا ، فالذي لا يؤمن بشــمولية مبادئ الإنسانية ، و حقوق الإنسان المطلقة ( ... ) محاولا إياه ممارسة الأحكام كحــــكم عملــــيات الإقصاء و النبذ و التعذيب و الاعتقال و يصدر الأحكام المسبقة و التفسيرات المتعالية و التأويلات الجاهزة (...) لا يمكن أن يكون مواطنا في مملكة الأقلية [17] .
نعــم ، تتميز هذه المملكة بديمــقراطية الثـــقافة و الــــــفكر و المعرفة ، وبقداسة الإنسان و كرامته ، و بتقدير مبادئ الأخلاق و القانون العادل.
و هذا ما يدل، أخيرا، بأن هناك تعارض بين الفلسفة كوعي و كسلوك و كمبدأ و كضمير و كمعطى بنيوي فكري، من جهة أولى، و بين العنف باعتباره مظهرا من مظاهر أخلاقية وإيديولوجية معينة. وبالتالي، وعلى ضوء هذه الاستنتاجات يمكن الإقرار بأن العنف لم و لن يشكل معلمة للفلسفة ، كما يمكن الإقرار أيضا بأن العنف لم و لن يؤدي إلى موت الفلسفة ، لأن موت هذه الأخيرة مرهون بموت الإنسان ككينونة و كفكر ، لا كجسد. كما يمكن الإقرار، أخيرا، بأن إشكالية العلاقة بين الفلسفة و العنف لها أبعادا أخلاقية و إيديولوجية أكثر مما لها أبعاد معرفية مما يدل على أن موضوع العنف يرتبط بالإنسان في ماهيته، في قيمته، في بعده السياسي و الاجتماعي و النفسي و التاريخي و الفلسفي و الطبيعي و الثقافي. و بالتالي فوضعية الفلــسفة قد حــددت حســب الفرضيــة الأولى، و ليست الثانية. إن الفلسفة ضد العنف، و ليست مع العنف.


________________________________________

avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 45
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى