الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

العولمة والهوية الثقافية عند سمير أمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العولمة والهوية الثقافية عند سمير أمين

مُساهمة  احمد حرشاني في 7th مايو 2011, 10:34

العولمة والهوية الثقافية عند سمير أمين

إن قضية الهوية تمثل أكثر القضايا حساسية لارتباطها بنشأة المجتمعات واستمرارها ولعلّ هذا ما يضع قضية الهوية في عمق كثير من النزاعات المسلحة أو حتى السلمية في العالم ذلك أن الاندفاعات نحو الهوية ليست حكرا على الأماكن التي تقدّم في التداول الإعلامي باعتبارها مناطق صراع وتعصّب بقدر ما هي منتشرة في مختلف بقاع العالم. و لنتبين أهمية هذه القضية بالنسبة إلى كل الثقافات يكفي أن نذكر بالمفاوضات الشاقة التي جمعت فرنسا بالولايات المتحدة الأمريكية على هامش معاهدة "القاط" التي تقضي بحرية مرور البضائع والأشخاص والمعلومات بين الدول حيث كان زعماء فرنسا ومثقفوها متخوفين من مدى قدرة الهوية الفرنسية على الصمود في وجه الاختراق الثقافي والإعلامي الأجنبي.

وهذا ما يضعنا أمام أحد أهمّ الأسئلة على هامش علاقة العولمة بالهوية وهذا السؤال يتعلق بالمكان فهذا المكان ضلّ على امتداد التركيبة السياسية التقليدية ممثلا في الدولة الوطنية، مكانا مغلقا على مجموعة من الفاعلين الحاضرين في علاقات تقوم وجها لوجه أصبح اليوم مجالا كونيا مفتوحا لتفاعلات أبعد من نطاقه المحدّد يدخل فيها أفراد غير موجودين بالمكان وأحداث لا تحدث بالمكان ذاته، وبهذا المعنى يكون التعايش مع العولمة والحدود السياسية أمرا محدودا للغاية ما دامت هذه الأخيرة ترتكز على الخصوصية، بينما تسعى العولمة إلى تجاوز هذه الخصوصية والانتقال إلى العمومية، فالعولمة تسعى إلى إلغاء السيادة وإضعافها مستعينة بوسائلها وآلياتها في تخطي الحدود والتعدّي على خصوصيات المكان واختراقه وغزو ثقافة شعبه وأفراده وفرض ثقافة أخرى عليه ممّا يضعف الانتماء الوطني والقومي ويساهم في تفكيك عناصر الهوية ومكوّناتها ليصبح كلّ شعب بلا هوية تميّزه عن غيره من الشعوب والأمم.

وهذا يعني أن العولمة هي نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كلّ محتوى، وهذه العملية تجد جذورها في تاريخ الرأسمالية حسب "سمير أمين" وتحققت عبر مراحل يختزلها سمير أمين في ثلاث:

<!--[if !supportLists]-->- المرحلة الأولى: تمتدّ من ثمانينات القرن 19 إلى سنة 1945 وهذه الفترة يسمّيها "سمير أمين" بالفكر الليبيرالي الوطني للاحتكارات ويعني اقتناع الفكر بأن الأسواق الاحتكارية هي المسؤولة طوال هذه المرحلة عن ضبط الاقتصاد ولو في إطار سياسات ملائمة للدولة التي تقوم على اعتبار المصالح الوطنية من أجل تدعيم موقع الأمة في المنظومة العالمية وظهور ما يسمى بالدولة الأمة.<!--[endif]-->

<!--[if !supportLists]-->- المرحلة الثانية: والتي تمتدّ من سنة 1945 إلى سنة 1980 وفي هذه الفترة أُقيم الفكر ولو جزئيا على أساس نقد الليبيرالية دون أن يخرج عن إطار الرأسمالية ولهذا يسميه "سمير أمين" بالفكر الاجتماعي الوطني الذي ظهر في إطار نمط من العولمة المنضبطة وتحقق في هذه المرحلة تقدم ملحوظ في مجال الحقوق الاجتماعية الخاصة المدعمة للحقوق العامة مثل الحق في العمل وحق التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتحسين أوضاع النساء في العمل وخارجه.<!--[endif]-->

<!--[if !supportLists]-->- المرحلة الثالثة: هي المرحلة التي نشبت خلالها أزمة في دولة الرفاهة في البلدان الرأسمالية وأزمة في النظام السوفياتي وأزمة في مشروع البلدان النامية أدّت إلى انهيار نمط الفكر الاجتماعي الوطني المتدرّج وقام فكر ليببرالي جديد غير اجتماعي يعمل في إطار عولمة غير منضبطة يسميها "سمير أمين" ليبيرالية جديدة ومعولمة يغلب عليها طابع الفوضى وتتسم بالخصخصة والانفتاح وتخفيض مصاريف الدولة وإلغاء التقنين من أجل إطلاق مطلق الحرية لفعل السوق.<!--[endif]-->

ويلاحظ "سمير أمين" أن التوسع الرأسمالي ضلّ دائما قائما على تناقض بين مراكزه الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان وبين أطرافه الذي تمثله بقية شعوب العالم، مركز متطور اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأطراف متخلفة على جميع الأصعدة. وهكذا فإن اندثار الحدود السياسية والثقافية والقانونية أمام العولمة المدعومة بوسائل حديثة كالانترنات والفضائيات التلفزية قد دمّر آخر قلاع المقاومة للاكتساح الغربي والأمركي بالأساس، إذ تتجاوز الهيمنة الأمركية الجانب الاقتصادي والسياسي لتشمل الجانب الثقافي، مما جعل سمير أمين يتحدث عن ثقافة العولمة بما يعنيه ذلك من تعميم للقيم النفسية والعقائدية... الامريكية على الأذواق والسلوكيات والأعراف التي تشكّل المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لباقي الشعوب في العالم. فثقافة العولمة تتعلق بإيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم وأمركته، ايديولوجيا تعمل على تعميم نمط حضاري يخص بلدا بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية على بلدان العالم أجمع، فهي تنحو باتجاه القضاء على الخصوصية الثقافية بشكل عام. والمدخل الأساسي لهذه الايدولوجيا الثقافية يرتبط بالاختراق الإعلامي الهائل الذي يتجاوز كلّ الأشكال التقليدية للتواصل فيجنّد ثقافة جديدة هي ثقافة الصورة باعتبارها المفتاح السحري لثقافة العولمة. إنها المادة الثقافية الأساسية التي يجري تسويقها على أوسع نطاق جماهيري وهي تلعب نفس الدور الذي لعبته الكلمة في التاريخ السابق مع فارق يتمثل في كون الصورة أكثر إغراءا وجذبا وأشدّ تعبيرا وأكثر رسوخا والتصاقا بالعقل لأنها لغة عالمية يفهمها جميع الناس جهلة أو متعلمين. وهذه الثقافة لا تعدو أن تكون معلبات جاهزة للاستهلاك تتنافس الشركات الإعلامية لتسويقها، وهو ما كرّس منظومة جديدة من المعايير ترفع من قيمته النفعية والأنانية والمنزع المادي المجرّد من أيّ محتوى إنساني. ويلاحظ سمير أمين أن محاولات الأمركة هذه لا تقتصر على مضامين الرسائل الإعلامية بل تتعدّاها إلى التبشير بالانتصار النهائي للقيم الليبيرالية، والحديث عن نهاية التاريخ بوصفه النتيجة النهائية التي أعقبت الحرب الباردة لما تحتويه من تفوق لقدرات التكنولوجية الأمريكية ومن أفضلية للنظم والمؤسسات العاملة على الطراز الأمريكي وبما تنطوي عليه من تحديث وديمقراطية لا بدّ وأن تعمّم على جميع دول العالم من خلال التمسك بمبادئ الرأسمالية التي تشكل غاية التطور العالمي وقدر جميع الشعوب والدول الأخرى.

لذلك يحرص "سمير أمين" على التأكيد على كون الرأسمالية لا تمثل نهاية التاريخ وينظّر لضرورة إحلال نظام آخر محلها، عولمة بديلة يطلق عليها اسم عولمة الثقافة بحيث تجد كلّ خصوصية مكانها في هذه المنظومة الكلية البديلة، ومن هذا المنطلق ينقد سمير أمين المثقفين في الوطن العربي الذين تدور مناقشاتهم حول إشكالية مفتعلة ومشكل مغلوط يتعلق بالحداثة والأصالة ذلك أن سمير أمين لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها منظومة صلبة ثابتة ومجمّدة في الزمان، فالمسألة بالنسبة إليه تطرح في إطار النسبية الثقافية أين تتحدّد الثقافة كنسق معاني وممارسات منظّمة حول مراجع رمزية قوية منظّمة للعلاقات الاجتماعية بالشكل الذي يجعلها متجانسة، ثقافة تتواصل بواسطة التربية والتعليم وتتطور بحسب ظروفنا المتغيرة ولكن أيضا بحسب الجانب الخلاق في الإنسان إذ تتقدّم الثقافة باعتبارها مبدأ تكيّف مع ظروف الحياة سواء تحقق ذلك عبر تجديد تكنولوجي أو عبر انتاجات فلسفية وأيديولوجية مركّبة. وفي إطار هذه النظرة للنسبية الثقافة يكون بالإمكان تطوير ثقافة جديدة تجابه العولمة الثقافية لحماية الهوية الثقافية من الهيمنة التي تفرضها أمريكا.
منقول
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 44
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى