الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

من السلطـة إلى العنـف:افول السياسة

اذهب الى الأسفل

من السلطـة إلى العنـف:افول السياسة

مُساهمة  احمد حرشاني في 31st يوليو 2010, 09:40

من السلطـة إلى العنـف:
أفول السياسـة
تأليف: روبير رديكر
ترجمة: فؤاد مخوخ
إن المسألة تتعلق بالتمفصل القائم بين مفهومين يقترنان في الرأي ( الدوكسا )، لكنهما يحتفظان - من الناحية الفلسفية - بماهيتين مختلفتين، هما: مفهوم العنف و مفهوم السلطة. فمنذ أفلاطون و العنف يحمل لدى الفلاسفة سمات المغاير للوغوس، للعقل _ و هي الغيرية التي يمثلها عند مؤلف الجمهورية كل من السوفسطائي، و المستبد، و الظلم _ إذ من خلال هذا الآخر، وبالتالي في العلاقة معه، تنشأ الفلسفة، ومن ثمة السلطة المتأصلة في العقل. إن العنف والسلطة منفصلان ومترابطان في نفس الآن، بحيث تتأسس الثانية على توقف الأول ـ ولنستحضر هنا الدرس العظيم لهوبزـ وتحصل على شرعيتها منذ اللحظة التي تضع فيها حدا له. و بعبارة أخرى، إن إقامة السلطة هي التي تزيل العنف بحيث تبدو بمثابة قوة لمحو العنف عبر تأسيس الحق.
إذن هناك، في نفس الآن، ترابط وانفصال: فالعنف هو أولا: قبل ـ سياسي ( antépolitique )، لأنه يشير إلى الوضعية التي تسبق ظهور سلطة سياسية ما: وهي المسألة التي ركز عليها كل من هوبز و روسو و كلاستر. وهو ثانيا: ضد- سياسي ( antipolitique )، لأنه ما ينذر، بدون توقف، بانهيار النظام السياسي، بحيث يتخذ إما شكل الحرب الأهلية كما في فكر هوبز، أو يبقى مستمرا من أجل منع السلطة السياسية من النشوء مثلما يظهر في التأويل الذي قدمه كلاستر لنشاط مجموعة من المجتمعات البدائية. وهو أخيرا: ما بَعد-سياسي ( postpolitique ) بالمعنى المعاصر، حيث يبعد السياسي عن السلطة و ينقل مركز السلطة إلى دوائر أخرى تأخذ صورة اقتصادوية، و تقنوية، وبربرية معتدلة، تجعل تحقق المواطن أمرا مستحيلا.
ورغم هذا التعارض من حيث الماهية، فإن العنف يجد نفسه، إمبريقيا، مقترنا دائما بالسلطة ومتداخلا معها: إذ يشغل مكانة داخلها ،وداخل السياسة، وهو ما تدل عليه بقوة أعمال مكيافيلي. و إذا كان أفلاطون وأغلب الفلاسفة السياسيين بعده يفصلون، رغم المظاهر، بين العنف والسلطة، فإن أصالة مكيافيلي التي تقطع مع هذا التقليد، تكمن في التفكير في حدود تقديرهما( العنف و السلطة) بأكبر قدر ممكن من الدقة، و في التقدير الجيد لكمية كل واحد منهما. إن عمل مكيافيلي هو نوع من الصناعة الصيدلية( الكيميائية) العبقرية في الفكر السياسي الذي يبحث داخل كل حالة عن القدر الصحيح للعنف الذي يتضح بأنه ضروري من أجل إنقاذ السلطة، علما بأنه يأخذ بعين الاعتبار أن تداخلهما أمر حتمي. إن تقدير كم كل من العنف والسلطة، هو ما يؤسس، في نظره، السياسة. يتعلق الأمر، إذن، بتملك السلطة السياسية والحفاظ عليها باستعمال العنف، دون الخطأ في تقدير هذا الأخير؛ لأن الإفراط في مقدار العنف يلغي السلطة فعلا.
وإذا كان من النادر أن يوجد عنف سياسي عار في التاريخ، فإنه من النادر أيضا أن توجد سلطة خالصة محبوسة داخل يوتوبيات الفلاسفة. فاختلاطهما هو العادي المألوف رغم أن مفهومي السلطة والعنف يحتلان فضاءات متباينة، وأن اختلافهما يفرض نفسه أساسا على الفكر. فكيف يمكن تصور حضور العنف داخل السلطة، باعتباره آخَرها ؟ بالنسبة للسلطة، يأخذ العنف ثلاثة مظاهر : فهو، أولا، تهديد استيهامي دائم يلازمها حتى خلال هدوء لحظاتها الأكثر صفاء. فهي تمارس دائما تحث تهديد العنف حتى لو كانت أكثر ثباتا و تمكنا. و هكذا يقيم العنف، منذ البداية، داخل السلطة على شكل تهديد غير واضح، يسكنها بصورة خيالية كتهديد متعدد الأشكال، وككابوس مميت، و إن لم يتطابق مع أي شيء في الواقع.
و يمثل العنف، ثانيا، هذا القصور الذي يجب على السلطة أن تتعايش معه، و أن تصارع ضده: لأنه انحلال تدريجي، وانهيار محتوم، بحيث تكون الأسباب داخلية بالأساس. وفي هذا الإطار، كتب كل من أفلاطون و أرسطو و مونتسكيو صفحات عديدة حول الأعراض المرضية للأنظمة السياسية، وحول ميلها الذي لا يقاوم نحو الانحطاط، إذ السياسة مثل الحياة عبارة عن صراع ضد الفساد و الفوضى.
وأخيرا، يأخذ العنف بالنسبة للسلطة صورة التهديد الخارجي: كالحروب، و الثورات، و حالات فقدان السيادة، و كل حوادث التاريخ التي بإمكانها أن تقوضها. وهكذا تجد السلطة نفسها أمام الرهان التالي: الرد على كل أنواع العنف، مع الاحتفاظ لنفسها بوضعية التعالي على كل هذه الأنواع بغية عدم الدخول بتاتا في منافستها، لأن من شأن هذه المنافسة أن تعري السلطة، و تظهر أن الحق الذي تستند عليه هو حق الأقوى.
ورغم أن السلطة مختلفة عن العنف، وملاحقة من طرف تهديده المميت، فهي ملزمة، في بعض الظروف، باللجوء إلى استخدام العنف، ضدا على ماهيتها، بحيث يمكن، هنا، استحضار جرعات ماكيافيلي الدقيقة، وكذا تأكيد ماكس فيبر على احتكار الدولة " العنف المشروع ". و رغم أن السلطة لا تستخدم، في الحقيقة، العنف و إنما القوة القائمة بدقة على الحق، فإنها تجد نفسها، في بعض الظروف، مرغمة على الإفراط في استعمال تلك القوة، وعلى تجاوز ذلك الحق، بعبارة أخرى، تجد نفسها مضطرة لاستخدام العنف. وفي هذه الحالة يمكن تعريف هذا الأخير كما يلي : إنه شطط السلطة في استعمال غير قانوني للقوة. لكن حتى في هذه الحالة الصعبة، لا تستطيع السلطة في أية حالة أن تستسلم للعنف العاري، الاعتباطي، وغير المبرر و إلا فإنها ستنفي ذاتها كسلطة. لهذا فالعنف ترياق مسموم: إذ أن كل عنف، باعتباره ملجأ للضعيف وليس القوي، يكشف عن ضعف ( عن مرض ما ). كما أن اللجوء غير الملائم إليه يدخل السلطة، مرة أخرى، في وضعية شبيهة بحالة الطبيعة، أو حرب الجميع ضد الجميع السابقة على إقامة السلطة، تلك الحالة التي تتساوى فيها كل الكيانات. وهكذا، يحول العنف جهاز السلطة المبني على أساس الحق إلى جهاز للعنف ، يدخل في حرب مع أجهزة أخرى للعنف،و يلغي وضع تعالي السلطة على كل ما يقف في وجهها، مع المس بمشروعية قوتها. إن العنف الذي تلجأ إليه السلطة محفوف بالمخاطر، مثلما هو الشأن بالنسبة للعنف الذي يهاجمها.
بناء على هذه الخلفية، تطرح مسألة الدول الكليانية التي وصل فيها العنف، خلال القرن العشرين، إلى درجة قصوى و غير مسبوقة، حيث استخدمت فيها النزعة العلموية كمحرك إيديولوجي لهذا الاحتدام، مثل النزعة البيولوجية في حالة النازية، والتصور المادي - العلمي للتاريخ في حالة الستالينية و نسخها. فإذا كان التفتيش الديني، المستند إلى إيديولوجيا دينية، قد ادعى إنقاذ ضحاياه بواسطة منحهم الموت، فإن النازية والستالينية، و باعتمادهما على النزعة العلمية، قد اعتبرتا أن ضحاياهما لا يساوون شيئا، لأن العلم قد أثبت أنهم لا شيء. وفي هذا الإطار، قامت كل من آنا أرندت وكلود لوفور بتسليط الضوء على مسألة اختفاء السياسة داخل الدول الكليانية، فوجدا أن احتداد العنف و محو السياسة، أي إحلال العنف كسلطة وحيدة محل السلطة السياسية، يسيران بنفس الوتيرة و يتلازمان، بحيث لا تصدق القولة التقليدية المدافعة عن وجود " سلطة سياسية "عن السلطة النازية والسلطة الستالينية ؛ وبذلك فهما خارج السياسة، لأن حلول العنف محل السلطة جعل هذه الأخيرة ضائعة المعالم و غير متعرف عليها.
ومما يجعل نظام الاستبداد مختلفا عن النظام الكلياني هو أن القوة فيه غير منظمة، وتتحول إلى عنف، كما أنه يحقق وحدة العنف والسلطة، فيما يستبدل النظام الكلياني السلطة بالعنف. إن الاستبداد سلطة ضعيفة، إذ لا تكون المبادئ ( أو المداخل و المخارج ) مستبطنة من طرف أولئك الذين يخضعون له؛ وفضلا عن ذلك فهو لا يتوفر على إيديولوجيا، ولا على دعامة إيديولوجية سوى إرادة المستبد الحسنة أو السيئة. و مثلما يثبت ذلك أفلاطون، فالمستبد باعتباره سجين عالم باطني لا يستطيع السيطرة عليه، يعيش مفتونا باضطراب رغباته وأهوائه الخاصة به. إن الاستبداد شكل سياسي يوجه فيه العنف الباطني للمستبد السلطة؛ وبذلك فالسلطة السياسية، في هذه الحالة، لا تختفي وإنما تختل. لهذا ينبغي البحث عن المصدر الحقيقي للاستبداد من جهة هذا العنف الباطني، و كذا عدم السيطرة هذه التي تحرك المستبد والقوى الاستبدادية. و نتعرف، في هذا التحليل، على أحد أوجه الـ "بدون - أساس " المتصور من طرف هيدجر في كتابه مبدأ العلة: فالقوى الاستبدادية لا تعرف لماذا ولا بواسطة ماذا هي جائرة، إنها هي نفسها تسقط، أولا، ضحية هذا الجور قبل أن تصير استبدادية. إنها لا تعلم بتاتا بأن العنف " بدون لماذا "، "بدون علة"، "بدون- أساس". فالعنف يتطابق مع آخَر اللوغوس، اللماذا، العقل، من دون أن يبقى غير قابل للتفسير.
إن السياسة، تستلزم عند اكتمال ممارستها، عدم الخلط و الفصل بين كل من العنف والسلطة. و نلتقي، هنا، بمشكلة القوة، التي فكر فيها روسو، تلك القوة التي لا تكون على الإطلاق عنفا حينما تعبر عن الحق. فكل تأملات الفلاسفة، منذ بداية الفلسفة، حول " السياسة الحقة "، مثلا في مدينة أفلاطون المثالية، تفترض هذا الفصل بين العنف والسلطة. إن المدينة التي يبنيها أفلاطون في الجمهورية، تظهر على أنها إكراهية إلى أقصى حد، لكن هذا الإكراه يجد جذوره داخل اللوغوس، أي داخل آخَر العنف. كما أن عبارة روسو بخصوص مقاوم محتمل للتعاقد: " سنجبره على أن يكون حرا "، فيها مجازفة، و لكنها مجازفة مبنية على العقل. و من هنا، نفهم كيف يقوم بعض الكتاب المعاصرين بخداع قرائهم عندما يتباهون بالتوفق في بيان صلة مدينة أفلاطون المثالية باعتبارها مدينة منطقية تماما و يحكم اللوغوس كل جوانب حياتها، بكليانيات القرن العشرين، قصد التأكيد على أن بذرة هذه الكليانيات قد زرعت من طرف الفلسفات السياسية الكبرى، وتقليد الميتافيزيقا السياسية. و الحال أن الكليانية تتجلى في احتدام العنف، و في سيطرة كل ما هو اعتباطي، و في تنظيم يصل بالعنف إلى ذروته، بحيث لا يمكن، بخصوصه؛ مقارنة بهذا،نجد أن كل سلوك داخل مدينة أفلاطون المثالية مؤسس على العقل، وكل شيء فيها منظم وفق الفكرة ( l’Idée )، ويجد أساسه داخل اللوغوس الفلسفي. لذلك فإن الفكر السياسي الأفلاطوني و فكر روسو الذي يمكننا الدفاع عنه لأنه متهم هو أيضا بوضع الإطار الفكري للنزعة الكليانية، يتموضعان على النقيض من الكليانية.
وهكذا يكون العنف، حسب أفلاطون، هو الآخر بالنسبة للوغوس، للعقل. وبالتأكيد فالعنف يفكر دوما، ويسطر لنفسه أهدافا، ويحدد لذاته استراتيجيات، ويبحث عن الوسائط، ويتزين بالمنطق. بيد أنه بالرغم من كونه غير معقول، فهو يمتلك أسبابه: إذ بتفكيره في الوسائل يكشف عن وجهه العقلاني. وعلى سبيل المثال فقد كانت " جريمة المكتب " المنسوبة إلى موريس بابون عند محاكمته في بوردو سنة 1998، عنفا مزينا بالعقلانية؛ يضاف إلى هذا أن بداخل العنف توجد حتمية يمكن للعقلانية العلمية الخاصة بالعلوم الإنسانية دراستها. لكن بما أن العنف عقلي جزئيا مثلما هو لا عقلي جزئيا، فإنه غير معقول على الإطلاق؛ وإذا كان بالإمكان تبريره بواسطة ضرورات تقنية تضفي عليه المعقولية، و هذا موضوع تفكير مكيافيلي، فإنه من غير الممكن بتاتا تبريره بواسطة العقل، الأمر الذي يبعده تماما عن ميدان المعقولية. ومع ذلك فإن لامعقولية العنف (لنميزها عن لا عقلانيته الجزئية ) تتجاوز حتميته؛ بحيث نرى في كل فعل من أفعال العنف منطقة لا مفكر فيها، وثقبا أسودا مذهلا يبتلع داخله كل عقل. و أخيرا، حتى وإن كانت للعنف أسبابه، فإنه ذلك الذي يستحيل تأسيسه على العقل. انطلاقا من وجهة النظر هذه، يمكن القول بأنه متميز جذريا عن السلطة، باعتبارها مبنية على العقل حتى وإن كانت مرغمة على اللجوء إلى العنف، و هي الفكرة التي وضحها هوبز بمهارة. وبمعنى أكثر عمقا، يظل العنف " بدون لماذا "، مبهما ، غريبا، وأحيانا يستحيل وصفه: "فهنا لا وجود لأية لماذا" ( Heir ist kein warum )، مثلما كانت عليه قاعدة البوليس العسكري النازي التي تذكرنا بها باستمرار أعمال بريمو ليفي، و كلود لانزمان، في مدخل معسكرات الاعتقال النازية ! إذن، فللعنف تفسيرات. إنها الحلقة الأخيرة في سلسلة تفسيرات تصل إلى طرف سلسلة أخرى من التفسيرات ( بل حتى شبكة من التفسيرات ) دون التوقف عن أن يظل " بدون لماذا". إنه لغز جذري قريب من لغز " الشر الأصلي " الذي أشار إليه كانط.و في نهاية التحليل، يبقى العنف أخرسا أمام الدعوة التي دشنها التساؤل السقراطي لتقديم السبب، وأخرسا أمام النداء الذي يؤسس المعنى.
قام ماركس و إنجلز، باعتبارهما ضد الدولة، بتأويل السلطة السياسية و النظام القانوني والإداري الذي يكونها كأداة لهيمنة طبقة اجتماعية معينة تختفي وراء حجة الكونية.و يعتبران بأن الحرب بين الطبقات تشتعل خلف ستار وهم الحق والسلطة السياسية، الأمر الذيم يكشف عن نزعتهما المشككة في القانون، و هي حرب قديمة قدم تاريخ ( أو ما قبل تاريخ ) البشرية. إنها عنف دائم لكن بطرق تختلف باختلاف العصور. ففي العصر الحالي، وهو على الأقل ما كتبه ماركس وانجلز في بيان الحزب الشيوعي ، استولت البرجوازية على " السلطة السياسية داخل الدولة التمثيلية الحديثة " . وإذا ما ارتقينا إلى وجهة النظر الميتافيزيقية وعبر-التاريخية، في آن واحد، أي وجهة نظر الصراع الطبقي التي يضعانها، نجد أن القوة التي تستعملها البرجوازية ليست سوى عنف طبقة معينة من أجل السيطرة على المجتمع. وهكذا تتحدد السلطة داخل " الحرب الأهلية التي تمزق المجتمع الحالي " بواسطة امتلاك مؤقت لوضع التفوق: " فالسلطة السياسية، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي السلطة المنظمة لطبقة محددة من أجل اضطهاد طبقة أخرى ". وإذا كان نفي خصوصية السياسة التي سيتناولها لينين خصوصا في كتاب الدولة والثورة ، و رفض السلطة السياسية، يفتحان دروبا خطيرة ستسلكها الأنظمة الكليانية؛ فإن صراع الطبقات لا بد وأن ينتهي في يوم ما: آنذاك " ستفقد السلطة العامة صفتها السياسية" . ففي أفق تفكير ماركس و إنجلز، واستمرارا لرفضهما للسياسة و لفضائها و للسلطة السياسية، يرتسم مشهد مجتمع بدون طبقات ستختفي داخله السلطة السياسية بشكل قطعي. وخلافا لتعاليم أرسطو، يرفض الفكر الماركسي أن يرى في السياسة تحقيقا للإنساني.
يبدو من خلال هذا التحليل، أن فكر ماركس ضد- سياسي، بحيث يعتبر الإرث الفلسفي الماركسي، من وجهة النظر هذه، أقل تأثرا بالتجارب السياسية الهامة جدا في القرن العشرين التي شهدت الظهور المناسباتي للمدينة والمواطن من قبيل: سوفييتات الثورة الروسية، الوحدات الزراعية لإسبانيا الثورية المنظمة ذاتيا حول أفكار الفوضويين النقابيين، مجالس عمال بودابست لسنة 1956. فكل هذه الوقائع، التي أظهرت انبثاقات التسييس البشري، قدمت مادة غنية للتفكير إلى فلاسفة سياسيين بحصر المعنى ( وبالتالي فهم أكثر عمقا وأقل عمى من المفكرين الماركسيين ) ، أمثال حنة أرندت و كورنليوس كاستورياديس، أي أن هذه الأحداث لا يمكن أن تجد مكانتها الحقيقية داخل الفكر المنتسب لكارل ماركس، ما دام هذا الأخير، يعلن و يطمح إلى نهاية السياسة. فليست السياسة، بالنسبة لماركس و انجلز، سوى خلاصة لصراعات الطبقات؛ وبذلك فإن تحقيق الإنسانية سيدل عليه اختفاء الطبقات، وتنافرها، و بالتالي اختفاء السياسة. لكن حتى وإن كان ماركس يرى في اختفاء السياسة علامة على التحرر، فإن عدة تجارب مثل تأميم الأراضي في أراغون أو مجالس عمال بودابست ترى، على العكس من ذلك، بأن هذا التحرر نفسه كامن في إمكانية ممارسة السياسة، وإعادة بناء الفضاء السياسي. وهكذا فإن نفي السياسة يقرب بطريقة غريبة الاتجاه الماركسي كله من كليانيات القرن العشرين، وكذا من أحلام إديولوجيي الليبيرالية الجديدة الذين يحلمون باستبدال كل شكل من أشكال السياسة بالاقتصاد، و مع ذلك، فإنه سيكون من الخطأ أن ننسب إلي الماركسية أبوة هذه الكليانيات.
فداخل الأنظمة الكليانية، تحل الأدلجة محل الفكر والنقاش السياسيين عبر إلغاء الحياة الثقافية و السياسية، وبالموازاة مع ذلك يعوض العنف السلطة والممارسات السياسية؛ أما داخل الأنظمة التقنوقراطية المعاصرة حيث يتقلص دور الدولة لفائدة خدمة المصالح الخاصة، فإنه يتم البحث عن اختزال الفضاء السياسي إلى أدنى حد، واستبدال كل تفكير سياسي حول المعنى والغايات بتضخيم الوسائل، و اختزال كيان الإنسان في كونه إما منتجا، أومستهلكا، أومشاهدا. وباختصار، يتم العمل على تفكيك السياسة، ومن ثمة العمل على إحداث طفرة أنثربولوجية تكبت – داخل الإلغاء – تصور الإنسان الذي وضع من طرف الإغريق: اكتشاف الإنسان كـ " حيوان سياسي".وهكذا فإن التصورات التسييرية المعاصرة والنزعات الاقتصادوية الظلامية تشكل أساس شبه لاهوت اقتصادي و ضد-سياسي يدمج السلطة مع القوى الموجهة للسوق.
وتعتبر الستالينية والنازية النظامين الوحيدين في التاريخ اللذين أحلا العنف، بشكل مطلق، محل السلطة السياسية، عبر إلغاء هذه الأخيرة، وبهدم ما يبنيها، وبتعطيل الفضاء السياسي، وبتصفية الفضاء القانوني، وبتحويل الشعب حسب صيغة سولجنتسين المستشهد بها من طرف لوفور، و التي يتردد داخلها صدى " حرب الكل ضد الكل " كما نظر لها هوبز، إلى " عدوه الخاص" . فالكليانية هي تلك الأنظمة التي حاولت تمرير البيولوجيا الانتقائية (مع النازية) أو التاريخ (مع الستالينية)، مباشرة إلى داخل الفضاء الاجتماعي، على اعتبار أنهما بمثابة القانون الوحيد في مقابل كل القوانين التي توجد بالضبط من أجل تعويض حتمية الطبيعة والتاريخ. وبدل أن تكون ذلك النظام الذي داخله يكون مقدار العنف أكثر أهمية من السياسة، و هو حال الاستبداد، تعتبر الكليانية، بالأحرى، النظام الذي فيه يلتهم العنف السياسة، بحيث تنعدم تماما كل سلطة سياسية: فيمارس كل من عنف الطبيعة ( مع الداروينية ) وعنف التاريخ في محل وبدل القوانين، والحق، والسلطة السياسية. ومن ثمة يكون من الخطأ الزعم بأن الكليانية تضمن أولوية السياسية على كل الاعتبارات الأخرى: فقد تصرفت النازية تبعا لأولوية الطبيعة في مقابل السياسة، كما تصرفت الستالينية كذلك تبعا لأولوية التاريخ في مقابل السياسة. وإذا كان مبدأ العنف يحكم ، داخل هذه الكليانيات ، خفايا مبدأ السلطة، فإنه بإمكاننا أن نخشى، رغم كل الخطابات المسكِّنة حول الديموقراطية وعن نهاية التاريخ وعن انتصار السوق، ألاَّ يكون لدى الكليانية شيء ما تقدمه، إذ يتم : انتزاع الصفة السياسية عن الإنسان و إغراق السياسة في الاجتماعي والاقتصادي في عصرنا الحالي، مثلما هو الشأن بالنسبة لما ينتج عن ذلك من اختفاء للسلطة السياسية بالضبط.
فماذا عن الغد؟ يبدو أن غروب شمس السياسة قد تقدم كثيرا. وإذا كانت صفته السياسية التي اكتشفت، داخل الفلسفة، من طرف أرسطو، فإن مصيره السياسي الذي عرف خلال القرن العشرين بعض الأحداث الكبرى ( من قبيل السوفييتات، ومجالس عمال بودابست، مثلا ) صار مطروحا للمناقشة؛ بحيث يبدو أن السلطة في تناقص من الناحية السياسية، وفي تصاعد من النواحي الإدارية والتقنية والاقتصادية؛ فالسلطة تتخلى عن السياسة من أجل التمركز داخل دوائر أخرى، متمفصلة مع المركب الاقتصادي- التقني. وهكذا، وبعد فك سحر العالم، ها قد أتى دور فك سحر المدينة.
إن شبه السياسة الذي يدير هذا العصر الجديد هو الخبرة التقنوقراطية المستغنية عن السياسة، من خلال نزع الصفة السياسية عن التسيير تحت تأثير حكم الاقتصاد، كما لو أن العلموية السابقة تنبعث، من جديد، في لباس نزعة تقنوية معاصرة، و بحيث أصبحت السياسة ممنوعة من الوجود، و ترى ميدانها وقد اكتسح من طرف الخطاب الخبير، والتقنية، ولاهوتات التسيير، والحاجات الاقتصادية الملحة، والتواصل. فالنزعة التقنوية تشل كل سياسة. وبذلك تكون التجربة السياسية الأساسية للإنسان المعاصر هي فراغ – تجربة الخلو الجديد من الوجود السياسي للإنسان، بحيث تقف كل من النزعتين التقنوية والديماغوجية ( الموسومة في أوروبا بظهور حركات اليمين المتطرف مؤخرا ) وجها لوجه، لتتغديا من بعضها البعض. وصارت الـ " نحن " الإحصائية لاستطلاع الرأي تقوم مقام الرأي العام السياسي، و حصر وجودنا في الإنتاج والاستهلاك غير المحدودين. وهكذا، يبدو أننا أصبحنا، أكثر فأكثر، داخل مدننا الخاصة، على ما كان عليه العبيد والغرباء في مدن المواطنين الإغريق، أي عبارة عن:متوحشين ولا مواطنين ( لكن باختيارنا ). وفي هذا السياق أطلق كاستورياديس اسما على هذه الظاهرة هو" خوصصة الفرد" على اعتبار أن الفرد المخصخص هو نقيض الحيوان السياسي. فكل شيء يحدث كما لو أننا صرنا خارج فضائنا السياسي الخاص بنا، كما لو أننا قد تخلينا عن مشروع الإنسان المواطن الذي هو من يؤسس هذا الفضاء، وكأننا قد استغنينا عن هذا المشروع برضانا. وربما حتى بانتشائنا؟
وهكذا فإذا كنا مع التقنية، بالمعنى الهيدجيري، فقدنا الطبيعة ( وبدقة أكبر: اندثرت كل صلات الإنسان الأخرى مع الطبيعة: العلاقة القبل – إنتاجية، العلاقة الفلاحية، العلاقة الشعرية، العلاقة الروحانية؛ بسبب العلاقة التقنية )، فإننا مع التقنية المستحوذة على السلطة، والتقنوقراطية – أي إدارة أعمال مواطنتنا لصالح الاقتصاد - ، أضعنا السياسة أيضا. إن الزوج طبيعة / سياسة ( فيزيس / بوليس (Physis / Polis )، باعتبارهما محورا الفلسفة اليونانية) هو ما ضحينا به من أجل السماح بارتقاء التقنوية بقوة. فالتقنوقراطية الخبيرة تجعل المشروع التقني للمحدثين – الذي كتب عنه ديكارت أساسا مطلقا: لأنه جعل التقنية تبعد، منذ البداية، الطبيعة ( التي أدى بصددها هولدرلين شهادة ) من أفق الإنسانية تحت ذريعة " جعلنا بمثابة أسياد عليها وممتلكين لها" ( كما يقول ديكارت )، لتصل اليوم، على شكل التقنوقراطية، إلى إبعاد السياسة من هذا الأفق نفسه، ودائما تحت غطاء التحكم المنهجي العقلاني. إن التقنية، باتخاذها مظهر السلطة العلمية للتقنوقراطية، صارت هي الرابطة الوحيدة للإنسان المعاصر بالسياسة، بحيث تخلت - هذه التقنوقراطية- عن الحياة السياسية كما فعلت التقنية في السابق مع الطبيعة؛ إذن ففقدان السياسة يمدد فقدان الطبيعة مع صعود التقنية كصورة مهيمنة على البشرية. ومن ثمة فإن انتصار التقنية الحديثة سيجعلها تسيطر، من الآن فصاعدا، على المتخلى عنهما بسببها، أي على: الطبيعة والسياسة.
وفي هذا السياق، يقول ماركس، محللا صيغة " الحيوان السياسي " لأرسطو، إن الإنسان هو " الحيوان الذي لا يستطيع التفرد إلا داخل المجتمع". و لكننا نجد أن الخطاطتين الرئيسيتين للتنظيم الاجتماعي خلال القرن العشرين ( الخطاطة الكليانية و الخطاطة الديمقراطية الرأسمالية ) طورتا التكتل ( اللا-تفرد، أو فردانية الكتلة، أكثر من التفريد الإجتماعي )، بحيث لم تكن الشيوعية التاريخية في أية لحظة مجتمعا سياسيا، لأنها لم تتجسد سوى في مجتمع إداري متمركز حول الخرافة الضد - سياسية للدولة من أجل الدولة، و التي لم يجد ماركس، في مقابلها ، رغم ذلك، كلمات قاسية بما فيه الكفاية. كما أن المجتمعات الرأسمالية لم تحقق أكثر من إمكانية الإنسان السياسية التي لم تنجزها مجتمعات الشيوعية التاريخية : إنها، بالتأكيد تفرده ، بتكتيله، وبتحويله إلى ذرة مستهلكة، إلى فرد من كتلة. لقد قامت مجتمعات الشيوعية التاريخية بتكتيل الإنسان بواسطة الإداري، و هذا ما تؤكد عليه كتب زينوفييف، مثلما تقوم به المجتمعات الرأسمالية بواسطة الاستهلاك، وهذا ما تبرزه تحليلات ماركيوز الواضحة وغير القابلة للدحض في نفس الوقت؛ إن الشيوعية التاريخية والرأسمالية المتحررة تركزان على التكتيل: على تناول الفرد كما كونه المجتمع البورجوازي ( لأن الفرد هو دوما عبارة عن حصيلة ما )، من أجل صهره داخل الكتلة الإدارية أو داخل الكتلة المنتجة والمستهلكة. وبهذا المعنى، يظهر هذان الشكلان السياسيان تراجعا تاريخيا بالنسبة إلى النموذج البورجوازي للفرد ( المطور منذ عصر الأنوار من طرف لوك و كانط إلخ ) إذ ردت الشيوعية التاريخية والرأسمالية، كل واحدة بطريقتها الخاصة، التقدم الأنثربولوجي، الذي طبع صعود البرجوازية، إلى الماضي؛ وحاولت إرجاع الإنسان إلى صورة قبل-بورجوازية، الأمر الذي جعل مجتمعاتهما تعجز عن تفريد الإنسان كحيوان سياسي، وقيادته إلى هذه الاستقلالية باعتبارها تمثل أفقنا منذ أرسطو. وبذلك فإن سياسة " حقة " تقتضي تحويل فرد الكتلة إلى حيوان سياسي، وفي نفس الوقت تحويل السكان المتكتلين إلى شعوب سياسية؛ لأن دورة الخيمياء الاجتماعية هذه تطلب تجريد النزعتين الاقتصادوية و التقنوقراطية من صدارتهما.
ولنتذكر هنا، ما قاله أرسطو: الإنسان هو " حيوان سياسي ". فهذه الصيغة – التي فهمت في غالب الأحيان بشكل سيء – تنطوي على تمثل " للسياسي " و" الاجتماعي " فاقد لجذرية وخصوصية السياسة في كل واحد منهما، ولا تشير إلى طبيعة ولا إلى واقعة ما، وإنما إلى كمون وافتراض. وإذا كان الإنسان هو الحيوان الذي بإمكانه أن يتوفر على وجود سياسي، وجود سياسي، بشكل خاص وجذري، فإن أرسطو، و روسو، و آرندت، وكاستورياديس يعتبرون من بين المفكرين الوحيدين الذين كشفوا عن هذه الجذرية التي تتجلى بصورة مزدوجة : الإنسان كحيوان سياسي جذريا ( أي تسيسه )، والسياسة كعَرْض لخاصية الإنسان السياسية ( لأن هذا العَرْض يؤسس الفرد كمواطن، والمجتمع كمدينة).
لهذا ينبغي النظر إلى السياسة على إنها بمثابة التجربة التي تفعِّل الحيوان السياسي الذي هو الإنسان بالقوة. إذ أنه حيوان متميز بكونه قوة، توقع وصيرورة أكثر مما هو ماهية، و تشير إلى هذه الإمكانية القادرة على تحويل كل واحد منا إلى كائن سياسي، وترسم بذلك طريقا كامنا مترجما الفكرة التي مفادها أن إنسانيتنا لا يمكنها أن تزدهر إذا لم يزدهر، بشكل مواز، بعدنا السياسي. فإذا كان من الممكن التغلب في يوم ما على الابتذال الذي يميز وجودنا الاجتماعي بواسطة التجربة السياسية، فإن الأمر، بالتأكيد ، يتعلق هنا بشيء خطير بشكل مخيف هو الذي يصنع الحدث على حافة الهلاك. ومن ثمة يمكن القول إن التجربة السياسية هي وميض مفاجئ وخاطف داخل حقل المدينة ذات جذرية ما ( لأن الإنسان حيوان سياسي جذريا )؛ وبعبارة أخرى إنها تفعيل مؤقت للحيوان السياسي، ومستعدة فورا للانغلاق مرة أخرى.
إن التجربة هي تملك ثان متلاش لما نعتقد أننا قد فقدناه في حين أنه من المحتمل أننا لم نملكه قط بالكامل، أي للحياة السياسية. فليس لهذا التسيس حقيقة، واقعة، أو ماهية ما تمكن استعادتها؛ بل على العكس، إنه دائما في صيرورة، في بذرة، في المهد. إنه فعالية تنتزعنا من الشرنقة الملتصقة بحياتنا العادية، وقوة دافعة تخرجنا من غلاف اليومي الذي نعيش داخله؛ أي أن التجربة السياسية هي تجربة لامتلاء عابر، لوهم استعادة ذلك الذي لم نملكه أبدا. إنها تجربة تفعيل صيرورة ما ( كالتجربة الثورية في أوجها ). لذلك فبدلا من إحالتها إلى وصل / إعادة وصل أطراف وجود ما بماهية معينة، و هو ما كان يشكل وهم روسو، توجد التجربة السياسية دوما في تجربة صيرورة ما محكوم عليها ، مثل نار تستنفذ قواها، بالانطفاء يوميا. وبدون شك فإن ما يحيا داخل السياسة هو ضائع مقدما : إذ ماذا عن كمونة باريس سنة 1871؟ وسوفييتات سنة1917؟ وإسبانيا سنة 1936؟ وبودابست سنة 1956؟ الجواب هو: أن تجربة الاندفاع السياسي تتجه إلى الانتهاء في تجربة الضياع.
وهكذا تتلخص التجربة السياسية للأزمنة الراهنة في لا-تجربتها بقدر ما تتعلق بتجربة التخلي عنها، لأننا تخلصنا من إمكانية أن نكون سياسيين.
تحت غطاء الديمقراطية، بخلاف الدستور الأثيني الذي يذكي الوجود السياسي لكل شخص، وعبر السلطة الإعلامية والمعاينة، يبدو أن تجربة تقلص السياسي هي النموذج المقدم إلى كل فرد، لأن الديمقراطية تمسخ الرغبة السياسية. فمن عصر أثينا إلى الآن، قدم وجها الأليثيا ( L'aléthéia )، أي الحقيقة بما هي انكشاف، من ناحية السياسة لدى الإغريق قديما، بشكل جلي ومنكشف، تلتهما بعد ذلك باثني وعشرين قرنا التجربة المركبة ( من نور وظلام ) للجمهورية الفرنسية، ثم انكماش و ليس انتكاس أو إخفاق، بل تقلص على أساس نفس التصورات التي سمحت بظهور السياسي.بعبارة أخرى، إذا كانت الديمقراطية الأثينية سمحت بانكشاف السياسة، وبالطبع لا يتعلق الأمر هنا بانكشاف ماهية أزلية و إنما على العكس من ذلك، بقوة وبكمون، فإن الديمقراطية المعاصرة تعمل على تقليص السياسي عبر تعتيمه. وفي الحقيقة، يعتبر النموذج الديمقراطي مثال المشاركة الفعالة لكل شخص في الحياة السياسية، ويحدد كل واحد على أنه كائن سياسي بشكل أولي وأساسي؛ إلا أن الديمقراطية تنكب، بالفعل، على إزالة الصفة السياسية، وإفقار الرغبة في السياسية وتقليص ممارسة السياسة إلى أدنى حد كالتصويت مثلا، وانحلال التمثيل إلى إنابة، و الانتقال من النظام التمثيلي إلى نظام النيابة و الوصاية. ففي التمثيل يبقى الفاعل – أي المُمَثَّل – حاضرا من خلال الممثِّل، بينما في الإنابة، التي لا ينبغي خلطها مع التجسيد، لا يبقى أي وجود للمُمَثَّل، لأن ذلك الذي وقع عليه الاختيار يتصرف بدل الموكِّلين وعوضا عنهم، ويوجد بدلا منهم مثل فريق كرة القدم الفرنسي الذي لا يمثل فرنسا وإنما هو فرنسا وكذا كل فرنسي بواسطة التفويض )؛ كما تعمل الديمقراطية أيضا على إشباع وجود كل شخص عبر انشغالات غير سياسية، وعلى مواراة التجربة السياسية وضمان انكسار الرغبة في السياسة.
وإذا ما عدنا إلى هيدجر، نجد أن التقنية كيفية للحجب أساسا أكثر منها كيفية للكشف . فعوض أن تقوم التقنية الحديثة للا-سياسة بالكشف، فإنها تقوم بالحجب. إنها تخفي تلك الصفة الكامنة في الإنسان. و في مقابل هذا نجد التجربة السياسية غير التقنية وغير التسييرية، تكشف، بشكل خاطف و في لمح البصر، عن تسيس الإنساني ( فعلى سبيل المثال تنكشف ماهية الديمقراطية، المخنوقة بسبب وسائل الإعلام والانتخابات، داخل المجالس العامة إبان الصراعات الاجتماعية، و داخل حركات الإضراب الكبرى، و عمليات احتلال البنايات و المؤسسات، و إعادة التملك العفوية إلخ. و بالتالي فهذا الكشف يرجع إلى انفراج قصير الأمد، أي فرجة لحظة ما.
و بناء على ما سبق، إذا ما طرحنا السؤال التالي: ما الذي شهدناه خلال الربع الأخير من القرن العشرين؟ سيكون الجواب هو: نزع الصفة السياسية عن الإنسان و "خوصصة الفرد". فنحن نرى أن الدول و المؤسسات تسعى، أكثر فأكثر، إلى التخلي عن مهامها، و نلاحظها تعمل على اختزال ذاتها بذاتها مثل جلد محبب رقيق، و تنكب على إعداد اختفائها بهدف إفساح المجال الاجتماعي- بدون تحفظ- أمام المنافسة الاقتصادية. و هكذا فبأفول السلطة السياسية، سيصبح العنف و السلطة متطابقين منذ أن تؤول كل هيمنة إلى الإقتصاد. و بالتالي ستكون السياسة، من الآن فصاعدا، هي أكثر ما يفقد في العالم.و أخيرا، ففي ليل مماثل تكون مهمة الفيلسوف هي إيقاظ الرغبة في السياسة.

المراجع:
1-Aristote, La politique, Paris, Vrin, 1962.
2- Arendt Hannah, Le système Totalitaire, Paris, Seuil, 1995.
3- Castoriadis, Cornelus, Les carrefours du labyrinthe, Paris, Seuil, 6 Vol, 1978-1999.
4- Lefort, Claud, Un homme en trop, Paris, Seuil, 1986.
5- Machiavel, Le Prince, Paris, Gallimard, 1980
6-Platon, La République, Paris, G F- Flammarion, 1966.
-Taguieffm, Pierre - André, L'effacement de l'avenir, Paris, Galilé , 2000.
مصدر النص المترجم:
Philosopher-2 (sous la direction de Christian Delacampagne et robert Maggiori)
Ed Fayard. Paris. 2000.pp: 407-417.





avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 45
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى