الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

تلخيص محوري الانساني والعلم ( المحور الاول والثاني)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تلخيص محوري الانساني والعلم ( المحور الاول والثاني)

مُساهمة  احمد حرشاني في 10th مايو 2011, 00:25

تلخيص دروس المحور الأول والثاني

مدخل إشكالي لباب "الإنساني بين الوحدة والكثرة"
"الإنساني بين الوحدة والكثرة"

- الإنساني : *موضوع البحث والنظر، ما يتعلق به المشكل: تحديد وتعريف ومسائلة "الإنساني" هو موضوع الباب الأول ومدار انشغالنا خلاله.
: *ما يتحدد به الإنسان كانسان، ما يعين فرادته وتميزه عن بقية الموجودات، " ما يقيم خطا فاصلا بين الوجود الإنساني والوجود الحيواني".( ملاحظة: "الحيواني" لا يهمنا في ذاته، وكل إشارة أو استدعاء له إنما هو مجرد وسيلة لتدقيق النظر في الإنساني من خلال فعل المقارنة.)
- بين : يتعلق الأمر بتقرير علاقة بين حدين، إمكانيتين، موقفين، أطروحتين ممكنتين حول تحديد وتعريف "الإنساني" لكن دون إحالة مباشرة على شكل العلاقة: التسليم بوجود علاقة دون تحديد طبيعتها، هل هي علاقة تقابل وتنابذ أم علاقة تكامل و تلازم.
- الوحدة : ما هو مقابل للكثرة، البسيط الذي لا يقبل القسمة لأنه لا يشتمل على أجزاء وإنما هو واحد. ما هو ثابت، مطلق، يقيني، متعالي. ربط "الإنساني" بالوحدة هو ربط لحقيقة الإنسان بجملة المعاني السابقة، فنكون بذلك أمام تحديد ميتافيزيقي للإنسان.
- الكثرة: تقال على الذي يقبل القسمة بما هو مركب من أجزاء وعناصر وان كانت متمايزة فان اجتماعها يشكل وحدة فيما بينها. والكثرة في إطار الشأن الإنساني تتعلق بافتراض الوجود الإنساني هو وجود علائقي يرفض اختزال الإنسان في بعد واحد أو انغلاقه على ذاته ضدا على ما هو خارج الذات.

المشكل: ضمن أية حدود ومقتضيات يجب تعريف وتحديد "الإنساني" على نحو كلي؟ هل في تنزيل "الإنساني" ضمن مبدأ "الوحدة" ومجاله مستبعدين مبدأ "الكثرة" باعتباره لا يستوفي مطلب الكلي؟ أم أن شرط تحديد "الإنساني" على نحو كلي هو ذاته ما يستلزم النظر للإنساني ومقاربته انطلاقا من مبدأ الكثرة؟
الإشكاليات الفرعية:
- أية ضرورة تستدعي التفكير في الإنسان؟ وما هي خصوصية التفكير الفلسفي فيه؟
- ما دلالة ربط الإنساني بالوحدة؟ و أي اقتضاء معرفي وقيمي يشرع لهذا الربط ويستدعيه؟
- أية احراجات يثيرها هذا الربط؟ وبأي معنى يكون إثبات الكثرة والاعتراف بها داخل الإنساني شرط تحديده كونيا؟
- ما هي تجليات استشكال هذه العلاقة الملتبسة بين الوحدة والكثرة في تعريف الكائن الإنساني؟ هل في ربط الإنية بالوحدة و استبعاد الكثرة من تعيينها(الإنية)، تشريع وتبرير لإقصاء الآخر(العالم والجسد والتاريخ والغير) و إثبات لغيريته؟ أم أن نفي غيرية الآخر و اعتبار الانفتاح عليه والاعتراف به شرط إمكان تعيين الإنية على نحو كوني؟ (محور الإنية والغيرية)
- إذا كان من غير الممكن تعيين الانية وتحقيقها بمعزل عن الآخر/ الغير فما خصوصية الوسائط التي تضمن التواصل معه؟ و إلى أي حد تكون هذه الوسائط قادرة على الإيفاء بمطلب التواصل؟(محور التواصل والأنظمة الرمزية)
- إننا نوجد كذوات فردية نتواصل فيما بيننا ولكننا نوجد كذلك كذوات ثقافية نحمل هوية ثقافية مخصوصة فهل أن الاعتراف والتمسك بهذه الخصوصية الثقافية يمثل عائقا أمام التواصل مع الآخر الثقافي أم أن عوائق التواصل الثقافي لا تعود إلى واقع الاختلاف ذاته وإنما إلى إرادة الهيمنة والسيطرة التي تحرك وتوجه علاقة بعض الثقافات ببقية الثقافات الأخرى؟ (محور الخصوصية والكونية)

الإنية والغيرية
المشكل: تحديد" الإنساني" في الإنسان؛ أي تحديد ما يكون به الإنسان إنسانا، و ما يميز الإنسان بإطلاق عن الوجود الحيواني.
ما يجعل من تحديد" الإنساني"مشكلا إمكان مقاربته من خلال حدين متقابلين:"الانية"و"الغيرية" .
الانية: ما يتحدد به وجود الشيء فيكون حقيقته و قوامه:انية الإنسان هي ما يكون به الإنسان إنسانا سواء بالنظر إليه كفكرة أو كواقع متعين أي ما يثبت وجوده كانسان متمايز بإطلاق عن الوجود الحيواني.
الانية بهذا المعنى ترتبط بما جوهري في الإنسان أي بما هو ثابت لا يلحقه تغير، وقائم بذاته بحيث لا يحتاج في تحديد حقيقته أو لإثبات وجوده إلى غيره.
الغيرية:ما يتعلق بوجود الإنسان كالجسد مثلا ،إذ لا يمكن إنكار الوجود الجسدي للإنسان، غير أن هذا الوجود يضل عرضي وهامشي،بمعنى أن وجوده مثل عدمه لا يؤثر في تحديد الانية.
التحديد الميتافيزيقي للانية:
*الانية بما هي وحدة النفس العاقلة:ابن سينا

تمثل" النفس العاقلة " حقيقة الإنسان أي مضمون "الإنساني" في الإنسان باعتبارها الوجود المطلق أي الوجود الوحيد الذي لا يمكن تصور عدمه إذ أن عدمه يعني انعدام وجود الإنسان ذاته؛ فالعقل هو جوهر الإنسان.إثبات وتحديد الإنساني في الإنسان يتعلق إذا بالمستوى الانطولوجي أي إثبات وجود العقل بما هو وجود مطلق يستمد علته من مبدأ مفارق في إطار تصور للوجود يقوم على أساس تراتبي يمثل" العقل الكلي" فيه المبدأ الأول للوجود.
إن إدراك حقيقة النفس واثبات وجودها يتعلق بتجربة ذاتية ،ترتبط بالتذكر ؛تذكر الذات لحقيقتها ،وهو ما يتحقق من خلال إدراك عقلي محض لا تحتاج فيه النفس إلى أية وسائط لتدرك حقيقتها وتثبت وجودها.
في مقابل جوهرية النفس العاقلة بما هي المحددة للإنساني في الإنسان يضل الجسد مجرد عرض أي، صفة وان تعلقت بالإنسان فان وجودها غير ضروري، إذ إن تصور انعدام وجود الجسد لا ينفي يقينية وجود العقل بما هو خاصية الإنسان الجوهرية.(مثال الرجل الطائر).
الجسد ،إذن،هو من ضمن الخارجات ؛أي ما ينتمي إلى مجال الغيرية ،فهو ما هو عرضي مقابل النفس التي وجودها وجودا كليا/كونيا معرفيا وانطولوجيا.


*الانية بما هي وعي متعال:ديكارت

- تتحدد الانية عند ديكارت في وعي الذات بذاتها،أي معرفة حقيقتها واثبات وجودها.خاصية الوعي هي التي تشكل الإنساني في الإنسان وتميزه بشكل مطلق عن الحيوان.
- هذا الوعي لا يتحقق إلا من خلال فاعلية الذات وجهدها الشخصي من خلال خوض تجربة الشك أي فحص ومراجعة كل ما تحمله الذات من معارف وعدم قبول أي معطى باعتباره يقيني ما لم يتصف بالبداهة:يتعلق الأمر إذن بالتحرر من الموروث الثقافي كما من الانطباعات العفوية حول حقيقة الذات.
- اليقين الوحيد الذي تمتلكه الذات هو يقينها في وجودها كذات مفكرة:التفكير هو ما يثبت وجود الذات:أنا أفكر أنا موجود.
- حقيقة الذات تكمن في التفكير فالإنسان هو "جوهر مفكر".
- الجسد وان كان في ذاته جوهر "جوهر ممتد" فهو بالنسبة للنفس مجرد عرض.
- ثنائية النفس والجسد عند ديكارت تقوم على أساس أفضلية وتعالي النفس على الجسد.
- مسلمات موقف ديكارت: ما يجعل من تحقق الوعي ممكنا هو توفر الإنسان على "العقل" ف"العقل أعدل قسمة توزعا بين البشر":حسن استعمال العقل هو الكفيل بجعلنا نبلغ اليقين.
- الضمنيات: الوجود الإنساني يختلف جذريا وبشكل مطلق على الوجود الحيواني بما أن الإنسان هو الكائن الذي ينفرد بميزة العقل.
- الاستتباعات: الأنا الديكارتي مكتف بذاته لا يحتاج لغيره في معرفة حقيقته واثبات وجوده وبذلك يرتبط الجسد والغير بمجال الغيرية أي ما هو عرضي وهامشي.
- المبررات: الحواس التي تحيل على الجسد لا تقدم لنا غير معرفة ظنية لا يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها لتأسيس اليقين" يجب أن لا نثق في من خدعنا مرة واحدة"

الانية بما هي مشروطة بالغيرية


الانفتاح على الغيرية:تحديد الإنساني يتجاوز التحديدات التي تربط الإنسان بمقومات جوهرية ثابتة ومطلقة :الإنساني يتحدد في إطار علاقات متشابكة تنفي عن الإنسان الوحدة والثبات من جهة والتعالي والانفصال عن العالم من جهة ثانية.:إدراك الإنساني يستوجب الانفتاح على الغيرية، الذي يستبعده التصور القائم على الانية والإقرار بان الوجود الإنساني لا يمكن مقاربته إلا من جهة الكثرة سواء تعلق الأمر بالتاريخ أو الجسد و الغرائز والرغبات أو الآخر.
*الانية بما هي وعي متجسد:مرلوبنتي

- يتحدد الإنساني في الإنسان بما هو وعي بالذات أي بقدرة الإنسان على معرفة ذاته واثبات وجوده
- تحقق هذا الوعي يستوجب الانفتاح على العالم ،أي إن الإنساني في الإنسان يتشكل من خلال المعيش اليومي المتمثل في مجموع العلاقات والتجارب التي يخوضها الإنسان داخل اليومي
- هذا الانفتاح الذي هو شرط تحقق الإنساني لا يمكن انجازه الا بتوسط الجسد. الجسد هو الذي يجعل من التواصل مع العالم ممكنا فعليا.
- المقصود بالجسد ليس" الجسد الموضوع"وإنما" الجسد الخاص"
- يمثل الجسد الخاص من جهة أولى ما به ندرك العالم ومن جهة ثانية ما يتمظهر من خلاله وعينا .
- ربط الإنساني بالانفتاح على العالم يستلزم الانفتاح على الغير في إطار علاقة بين ذاتية.
-المسلمات:الوجود الإنساني هو وجود داخل العالم يتحدد في إطار المعيش و بتوسط الجسد.
- الضمنيات: قصور التصور الديكارتي للإنسان القائم على تعالي واكتفاء الذات بذاتها على قول حقيقة الإنسان.
- الاستتباعات: تحقق الإنساني يفرض التواصل مع الآخر في إطار علاقة بين ذاتية تقوم على الانفتاح على الغير والاعتراف الايجابي بغيريته.

تاريخية الإنساني:ماركس

- حقيقة الإنسان تتحدد في إطار الوجود الواقعي ،أي ضمن الحياة الاجتماعية الفعلية التي يعيشها البشر ضمن علاقة الصراع والتناقض الطبقي.
- هذا الوجود الواقعي هو وجود تاريخي بمعنى أنه متطور وغير ثابت.القانون الذي يحكم هذا التطور هو قانون "المادية التاريخية" حيث أن كل تطور في وسائل الإنتاج يؤدي ضرورة إلى تطور في علاقات الإنتاج.
- إن الوعي البشري (البنية الفوقية)هو استتباع ضروري لمستوى تطور وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج(البنية التحتية)
- الوجود الإنساني هو وجود تاريخي: متطور وغير ثابت.
المسلمات:الواقع المادي يمثل الإطار الحقيقي للوجود الإنساني.
- الضمنيات: الوعي هو وعي اجتماعي يتشكل في علاقة بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي الفرد لها في لحظة تاريخية معينة.
- الاستتباعات: كل تفكير أو تحديد للإنساني خارج إطار التاريخ والمجتمع هو مجرد وهم وليس معرفة حقيقية.


تصدع الانية: فرويد.

- إدراك حقيقة الإنسان يستوجب التخلي عن مفهوم النفس والاستعاضة به بمفهوم الجهاز النفسي.
- يبرز الجهاز النفسي أن الحياة النفسية لا تقوم على الوحدة وإنما الكثرة.
- يتشكل الجهاز النفسي من ثلاثة منظومات:الهو والانا والانا الأعلى.
- تقوم العلاقة بين الهو والانا الأعلى على أساس الصراع نظرا لتناقض المبدأ الذي يوجه كل منهما فان كان المبدأ الموجه
للهو هو تحقيق اللذة فان ما يوجه الأنا الأعلى هو الخضوع لمبدأ الواقع.
- يعمد الأنا لكبت غرائزه تحت تأثير هذا الصراع لتحقيق توازنه النفسي.
-اللاوعي هو مجموع الرغبات المكتوبة.
- الجزء الأكبر من حياتنا يقع تحت تأثير اللاوعي دون أن نكون على وعي بذلك.
- المسلمات : تمثل الغرائز الجنسية المحرك الأساسي للوجود الإنساني.
- الضمنيات : ليس العقل هو ما يكون به الإنسان أنسانا وإنما الجسد.
- الاستتباعات : تحقيق السعادة غير ممكن بالنسبة للإنسان لأنه لا يمكن تحقيق التوافق بين الهو والانا الأعلى.
-الآخر هو الغير أي كل ما هو غير الأنا سواء كان إنسانا أو حيوانا أو شيئا من
الأشياء.الآخر الذي يثير مشكلا حقيقيا في علاقة بالانية هو الإنسان الآخر باعتباره في الوقت نفسه"المختلف"و"الشبيه".
-الشبيه: ما يجعل من علاقة الأنا معه ضرورة وحاجة ؛ فهو ما تشترك معه الأنا في مقومات الإنسانية فيكون التواصل معه ممكنا و ضروريا في نفس الوقت.
-المختلف:هو أنا آخر بمعطيات نفسية ومعرفية وقيمية وثقافية مختلفة وهو ما يجعل من حضوره مشكلابالنسبة للانا.
فما هو وجه ضرورة حضور الآخر؟
تلخيص مسألة الخصوصية والكونية

تندرج هذه المسألة في فضاء إشكالي عام هو مطلب الكوني باعتباره ما يوحّد الاختلافات الإنسانية على كثرتها وتعدّدها، يتعلق الأمر إذا بالنظر في إمكانية المصالحة بين الخصوصية التي تحدّد هوية الأفراد والمجتمعات والثقافات والكوني باعتباره مطمح إنساني في تحقيق الوحدة دون القضاء على الاختلاف وحق الاختلاف. فكيف يمكن إذا أن نتحدّث عن كوني إنساني في واقع اختلاف الأفراد واختلاف الثقافات؟ هل يمكن فعلا أن نحقّق هذا الكوني أم أن هذا الكوني يبقى مجرّد فكرة نظرية تفسد عندما يتحقّق؟ كيف يمكن أن نحقق هذا الكوني دون أن نقع في مشكل الانبتات؟ كيف نحافظ على الهوية دون الوقوع في الموقف الدغمائي الذي يؤدي إلى ادعاء خصوصية ما للكونية؟ كيف يمكن أن نحقق الكوني دون إدانة الخصوصية ودون الوقوع في فخّ الإقصاء وادعاء الكونية؟ وبالتالي كيف يمكن أن نستشرف أفق كوني يتحقّق فيه التواصل ضمن شروط ايتيقية ويراعي الخصوصية؟
إن الهوية تتحدّد عموما باعتبارها ما به يكون الشيء هو نفسه، وهذا التحديد للهوية ليس بعيدا عن معنى الإنية من حيث أنها تحيل إلى ما يميز الإنسان وما يعبّر به عن حقيقته من وجهة ميتافيزيقية. بيد أن السؤال عن الخصوصية يحيل إلى الهوية من جهة ما يميز الإنسان بما هو كائن ينتمي إلى مجموعة أو مجتمع معين. وهذا يعني أن إشكالية الخصوصية والكونية تجعلنا نغادر نهائيا حقل الفردية المنغلقة على ذاتها إلى مستوى أوسع من الانفتاح على الغيرية في مختلف أشكالها وأبعادها الثقافية والحضرية.
والهوية الشخصية، من جهة كونها تحيل إلى ما تختصّ به الذات من تفرّد ووحدة والتي تشمل الوعي بالذات وتمثل الفرد لهذا الوعي، ليست إلا بعد من أبعاد الهوية التي يجب أخذها بعين الاعتبار دون التوقف عندها فقط، لذلك كان تحديد "لوك" للهوية الشخصية مختلفا عن تحديده للهوية الإنسانية. فالهوية الشخصية عند "لوك" هي الهوية المنظور لها من الناحية الميتافيزيقية والأخلاقية، وهي نظرة الذات لذاتها، نظرة داخلية ومتفردة لا يمكن التواصل حولها. فحين يوحّد "لوك" بين الوعي والنفس يعزل الوعي عن بقية العالم ويميز راديكاليا بين الهوية بالوعي، والهوية بأيّ شيء آخر غير الوعي أو الشخص لأن الوعي عنده هو الذي يحدّد الشخص، والشخص لا الإنسان الذي تكون هويته مثل الكائنات الحية مدركة من الخارج فلا الجسد إذا ولا اعتراف الآخر يتدخل في تحديد الهوية عند "لوك" وهكذا فإن الهوية الشخصية عند "لوك" تتحدّد باعتبارها الإحساس اللامنقطع للشخص بأنه هو وبعينه.
غير أن إيدغار موران يتناول مشكل الهوية من جهة تعقد وتنوّع مستويات الهوية الإنسانية، إذ أنه يرى أنّ التنوع بين الأفراد والثقافات يبلغ حدّا كبيرا إلى درجة أننا نحسب القول بالوحدة الإنسانية ضربا من التجريد. ذلك أن "موران" يعتبر الهوية مركبة من هوية شخصية وهوية اجتماعية وهوية ثقافية أي كهوية تدرك من الداخل ولكن أيضا كهوية يمكن التعرف إليها من الخارج وتمثل الأساس الذي يستمدّ منه أيّ مجتمع أو ثقافة اختلافها وتميزها عن مجتمع آخر أو عن ثقافة أخرى، فكيف يمكن إذا أن نحافظ على الهوية دون أن يلحق ضيما بما هو كوني؟
إنّ "ادغار موران" يريد فهم جدلية الوحدة والتنوع بما هي الأساس التفسيري للإنساني والثقافة على حدّ سواء، إذ يجب حسب رأيه أن ننظر في الوحدة من جهة كونها تنتج التنوع لا من جهة كونها تولّد التجانس وتقضي على التنوع كما يجب أن ننظر للتنوّع من جهة كونه ينتج الوحدة لا التنوع الذي ينغلق على ذاته فيقضي على الوحدة، ذلك أن السؤال عن الهوية عند "ادغار موران" لا يخرج عن سؤال ما الإنسان؟ وبالتالي السؤال عما هو إنساني في الإنسان، خاصة وأن السؤال عن الهوية كثرت المطارحات حوله في الوقت الراهن حيث أصبحنا شهودا مذعورين من المشاهد الوحشية التي تقدّمها وسائل الإعلام يوميا، فنتساءل عن طبيعة هذا الكائن القادر على الخير كما الشر إلى أقصى حدّ. لذلك يرى "إدغار موران" أن الثلاثية الإنسانية المتمثلة في الفرد والمجتمع والنوع تضع الفرد الإنساني في وضعية تسمح له في ذات الوقت بتكوين تنوع غير محدود ووحدة خصوصية، والعلاقات بين هذه الحدود الثلاث ليست فقط متكاملة بل هي أيضا متضادة وتمثل إمكانات صراع بين خاصيات بيولوجية وخاصيات ثقافية في سيرورة متعاودة وفي تولّد مستمرّ، ولذلك يرى "موران" أن الهوية الإنسانية تحمل في ذاتها شكل الوضعية الإنسانية لا بطريقة منفصلة أو متعاقبة ولكن بطريقة متزامنة. فالإنسان وفي ذات الوقت كائن عارف وكائن صانع... والهوية المركبة بهذا المعنى لا تذوب لا في النوع ولا في المجتمع بما أن الإنسان كذات أو كفرد لا يتعين فقط في الحوار مع ذاته ولكن يتعين أيضا في الحوار مع الآخر.
لكن هذا التصور المثالي لهوية مركبة تسمح بلقاء الإنسان بالإنسان في إطار تواصل، لا يعكس واقع البشر في كلّ العصور إذ بينت التجربة أن لقاء الثقافات كثيرا ما يؤدي إلى مجموعة من ردود الأفعال المرتبطة بالأحكام المسبقة والكليشيات التي عبر عنها لويس ألتوسير بطقوس الاعتراف الايديولوجي بل وحتى الاثنية الثقافية، وإذا كان الانتماء إلى ثقافة ما يعني التواصل بطريقة خصوصية فإن الحوار بين الثقافات عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الغيرية وأن يخضع إلى مقتضيات خاصة إذ ما ادّعت ثقافة ما الكونية وهو ما يتجلى في العولمة.
ذلك أن العولمة هي عملية اقتصادية في مقام اوّل ثمّ سياسية ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية إذ هي عملية تحكّم وسيطرة تشغل إزاحة الأسوار والحواجز بين الدول، بل أنها تسعى إلى تحويل العالم إلى ما يشبه القرية حتى تسهل عملية السيطرة خاصة وأن العولمة من الناحية الاقتصادية تقوم على نشر الرأسمالية كنظام للتجارة وكنظام للإستهلاك وهي عملية يلعب فيها الإعلام دورا كبيرا خاصة وأن الإعلام والاتصال والمعلومات تمثل اليوم المكونات الأساسية في الاقتصاد العالمي، وفرض الرأسمالية على كل دول العالم تسبب في فقر الدول النامية وارتفاع مديونيتها مما أجبر هذه الدول على تقديم تنازلات سياسية واجتماعية. وهذا ما يضعنا أمام أهمّ الأسئلة على هامش علاقة العولمة بالهوية وهو سؤال يتعلق بالمكان فالمكان ضلّ على امتداد التركيبة السياسية التقليدية ممثلا في الدولة الوطنية، مكان مغلق على مجموعة من الفاعلين الحاضرين في علاقات تقوم وجها لوجه، هذا المكان أصبح اليوم مجالا كونيا مفتوحا لتفاعلات أبعد من نطاقه المحدّد، تفاعلات يدخل فيها أفراد غير موجودين بالمكان ذاته وأحداث لا تحدث بالمكان ذاته، مما يجعل التعايش بين العولمة والهوية أمرا محدودا للغاية ما دامت الهوية ترتكز على الخصوصية بينما تسعى العولمة إلى تجاوز هذه الخصوصية.
وهكذا يرى "سمير أمين" أن اندثار الحدود السياسية والثقافية والقانونية أمام العولمة المدعومة بوسائل حديثة للاتصال كالانترنات والفضاءات التلفزية... قد دمر آخر قلاع المقاومة للاكتساح الغربي والأمريكي بالأساس، إذ تتجاوز الهيمنة الأمريكية في العولمة الجانب الاقتصادي والسياسي لتشمل الجانب الثقافي أطلق عليه "سمير أمين" اسم ثقافة العولمة بما يعنيه ذلك من تعميم للقيم النفسية والعقائدية... الأمريكية على الأذواق والسلوكيات التي تشكّل المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لبقية شعوب العالم. والمدخل الأساسي لهذه الايديولوجيا الثقافية يتمثل في الإعلام الذي يتجاوز كلّ الأشكال التقليدية للتواصل والذي أنتج ثقافة جديدة، ثقافة ما بعد ما بعد المكتوب، ثقافة الصورة باعتبارها المفتاح السحري لثقافة العولمة. لذلك ينقد "سمير أمين" المثقفين العرب الذين تدور مناقشاتهم حول إشكاليات مفتعلة تتعلق بالحداثة والأصالة، لأن الثقافة بالنسبة لـ: سمير أمين، ليست منظومة صلبة وجامدة في الزمن والمسألة بالنسبة إليه يجب أن تطرح في إطار النسبية الثقافية أين تتحدد الثقافة باعتبارها مبدأ تكيف مع ظروف الحياة. وفي إطار هذه المنظومة للنسبية الثقافية يرى "سمير أمين" أنه بالإمكان تطوير ثقافة جديدة تجابه العولمة الثقافية وتحمي الهوية الثقافية من الهيمنة التي تفرضها أمريكا. المشكل إذا بالنسبة لـ"سمير أمين" لا يتعلق بالتهجم على الحداثة والكونية التي نظرت لها الحداثة مع "كانط" وإنما في مجابهة ثقافة العولمة.
ذلك أن كانط كان ينظر لإقامة سلم دائمة، كان يرى أنّ السلم بين الشعوب والثقافات والدول هو مشروع قابل للتحقيق لا بمعنى تغيير جذري في الإنسان ولكن بمعنى إنشاء الحق الذي سيكون خلاص سياسي للإنسان، فالسلم لا يكون إلا بتطبيق الحق ولا تكون شرعية إلا العلاقات سواء بين الأفراد أو الدول التي لا تقوم على العنف وإنما تقوم على الخضوع الحرّ لقانون مشترك. والكونية التي يتحدّث عنها "كانط" تتمثل في سنّ قانون سياسي كوني يحمي حق الغرباء، جعل كانط يدافع عن فكرة مواطنة عالمية بحيث يتمتع الفرد بحقوقه بطريقة مستقلة عن انتمائه الوطني والإقليمي. وهذا يعني أن الحق السياسي الكوني عند كانط هو إدانة لغطرسة الدول الاستعمارية وإدانة لكلّ أشكال التخوف من الغريب ولذلك فإن تأسيس حق سياسي كوني، يجعل من كل إنسان مواطنا للعالم لا مواطنا عالميا بمعنى تنكره لأصوله وثقافته، بحيث يكون الوعي بالمواطنة متسعا بحسب العالم كله. وذلك ممكن بالنسبة لكانط لانه يعتبر أن ما يجب على الإنسان فعله هو بالضبط ما يستطيع الإنسان فعله. ذلك هو معنى الحرّية الأخلاقية عنده، وذلك هو أيضا المطلب الإنساني الذي نظّرت له الحداثة مع كانط، وهو ايضا ما نظّر له هيغل في سياق مخالف تماما للكانطية عندما بين أن الفرد لا يتحرر من طبيعته المباشرة إلا عبر اغتراب الذات المشكلة، إذ بهذا الاغتراب يمكن للفرد أن يحقق اعتراف الآخرين به في بعده الإنساني النوعي ككائن ثقافي قادر على تحقيق كل أنواع الغايات.
ذلك أن الثقافة عند هيغل هي التحرر، إذ تمثل نقطة التحول المطلق نحو الروحاني السامي، والإرادة الفردية لا تتوصل إلى تحقيق الحرية إلا إذا تعالت على الرغبات و الدوافع الفردية، وهو ما يتحقق في سيرورة الثقافة باعتبارها سيرورة مشكلة للطبيعة الخارجية عبر العمل، و مشكلة في ذات الوقت للطبيعة المباشرة للإنسان. ودور الثقافة بالنسبة لـ "هيقل" باعتبارها كذلك، يتمثل في توسيع الخصوصي وتحقيق الكوني، وهكذا فإن الجدلية المركزية عند "هيقل" تتمثل في جدلية الجهوي كذات وجدلية الشامل كإجراء لا متناهي، ولذلك يرى "هيغل" أنه ليس هناك أي تعبير كوني ممكن للخصوصية كخصوصية. ومن هذا المنطلق الهيقلي يجب الاحتراس من الأطروحات الدارجة اليوم والتي تقرّ بأن وصفة الكونية تتمثل في احترام الخصوصيات لأن هذه الوحدة تقودنا إلى التمييز قبليا بين خصوصيات جيدة وخصوصيات رديئة، وتعتبر أن الخصوصية الجيدة هي الخصوصية التي تتضمن في ذاتها احترام الخصوصيات الأخرى وهو ما يعني أن الكوني عند "هيغل" لا يتقدّم كتقنين للخصوصي، أو للاختلافات ولكن كفرادة تملصت من المحمولات الهووية رغم كونها تشتغل في هذه الحمولات وبها.
لكنّ لا "كانط" ولا "هيغل" كروّاد للحداثة كان بإمكانهما أن يأخذا بعين الاعتبار أهمية العامل الاقتصادي في نشأة الحروب واندلاعها وهو ما تشهد عليه العولمة. ذلك هو المنطلق الذي جعل "بودريار" يعتبر أن الكوني كأطوبيا تغنت بالحداثة ونظّرت إليه يموت عندما يتحقق، لأن الكونية تفسد عندما تتحقق. ذلك أن العولمة حسب "بودريار" ليست شيء آخر غير الخصوصية المدعية للكونية، والثقافة الغربية التي كانت حبلى بالكوني، عندما جاءها المخاض ولدت العولمة فماتت بدورها. ولكن إذا كان موت الثقافات الأخرى موتا رحيما لأنها ماتت من فرط خصوصيتها، فإن موت الثقافة الغربية كان موتا شنيعا لأنها فقدت كلّ خصوصية عبر استئصال كلّ قيمها السمحه (الحرية، الديمقراطية، حقوق الانسان...) في إطار العولمة إذ أنّ الكوني "يهلك في العولمة. "
هذا يعني أن العولمة تسير في اتجاه القضاء على الاختلاف خاصة وأن الاختلاف يمثل بالنسبة لـ"كلود لفي ستروس" واقعا طبيعيا. إذ يلاحظ "كلود لفي ستروس" أن الحضارات والثقافات توجد في واقع الاختلاف إذ تتطوّر الإنسانية في ضروب متنوعة من المجتمعات والحضارات. والتنوع الثقافي يولّد بالضرورة تلاقحا بين الثقافات، فضرب وجود الثقافات يتمثل في وجودها معا، والالتقاء بين الثقافات إما أن يؤدّي إلى تصدّع وانهيار نموذج أحد المجتمعات وإما إلى تأليف أصيل بمعنى ولادة نموذج ثالث لا يمكن اختزاله في النموذجين السابقين. وهذا يعني أنه ليس هناك تلاقح حضاري دون مستفيد، والمستفيد الأول يسميه "ستراوس" بالحضارة العالمية التي لا تمثل في نظره حضارة متميزة عن الحضارات الأخرى ومتمتعة بنفس القدرة من الواقعية وإنما هي فكرة مجرّدة. والمشكل بالنسبة لـ"ستراوس" لا يتمثل في قدرة مجتمع ما على الانتفاع من نمط عيش جيرانه ولكن هو مشكل قدرة مجتمع ما على فهم ومعرفة جيرانه. ومن هذا المنطلق فإن الحضارة العالمية لا يمكن أن توجد إلا كفكرة من حيث هيّ "تحالف للثقافات التي تحتفظ كلّ واحدة منها بخصوصياتها. أما ما هو بصدد التحقق اليوم في ظلّ العولمة فليس إلا علامة تقهقر الإنساني والكوني، وإذا كانت الإنسانية تأبى أن تكون المستهلك العقيم للقيم التي أنتجتها في الماضي فإنه عليها أن تتعلم من جديد أن كلّ خلق حقيقي يتضمن رفضا ونفيا للقيم الأخرى، لأننا لا نستطيع أن نذوب في الآخر ونكون مختلفين في نفس الوقت لذلك ينقد لفي ستراوس فكرة التفوق الثقافي التي يعتبرها وليدة للحكم المسبق الذي تمثله المركزية الاثنية أي الميل إلى اعتبار ثقافتنا الخاصة نموذج للإنسان.
من هذا المنطلق ذاته سعى "غادامار" إلى تحديد شروط الحوار البناء بين الثقافات، و تتمثل هذه الشروط في النقاط التالية:
- اللامركزية: إذ علينا أن نقبل القيام بتجربة الأنت.
- قبول الدخول في لعبة اللغة التي تقتضي جملة من القواعد تتمثل أساسا في الدخول في لعب الآخر للقيام بتجربة الحوار.
- مراجعة نظرتنا للحوار: فالحوار حسب "غادامار" ليس حركة دائرية تحيل فيها الأجوبة إلى أسئلة مولّدة إلى أجوبة جديدة، إذ أن الحوار يشبه تجربة الفنّ الذي ينكشف إلينا كحدث مضيء والحقيقة التي تظهر لنا عندها بما هي حقيقة ممكنة تدفعنا إلى مراجعة منطلقاتنا إذ يتعلق الأمر بقبول التخلي عن الحقيقة النهائية و تحقيق تفاهم تأويلي يفتح على انفتاح المعنى و تعدده.
- اعتراف بدور العادات إذ علينا أن نتبين أن مواقفنا مبنية وفق العادة فنحن نعيش في مكان محدد و في فترة محددة و نتحرك في وسط معيّن و كل هذه العناصر تكون كياننا و الوعي التأويلي وحده ما يمكننا من الانفتاح على الحوار الحقيقي و النقد عبر التواصل.


مسألة التواصل و الأنظمة الرمزية

ما التواصل؟ هل هو معطى أم مطلب؟ ما هي وسائطه؟ هل هي فقط الأنظمة الرمزية أم أيضا وسائل الاتصال والتواصل التقنية؟و إذا كانت الأنظمة الرمزية مشكلة للإنساني وإذا كان الإنسان يتحقق في التواصل فكيف تبرز قدرة الأنظمة الرمزية على تحقيق تواصل إنساني؟ ما هو دورها في وعي الذات بذاتها وفي علاقة الذات بالآخر؟ ثم هل أن الأنظمة الرمزية وسائط شفافة ووفية تحقّق التواصل أم أنها تمارس إكراها بنيويا بحيث تعطل التواصل بين الذوات؟
I - في دلالة التواصل و الأنظمة الرمزية:
يتحدّد التواصل عموما باعتباره الاشتراك في شيء ما، ويفيد التفاهم والفهم المتبادل لذلك يقتضي التواصل وسائط تتراوح بين أنظمة رمزية و وسائل تقنية. ذلك أن التواصل لا يمكن أن يتحقق بشكل مباشر وإنما يقتضي دائما وسيطا. والأنظمة الرمزية عند كاسيرار لا تعبر بطريقة سلبية على الحضور المحض للظواهر كعامل سلبي للرسائل التي يتمّ تبادلها، إذ يرى كاسيرار أن هذه الأنظمة لها استقلالية وهو ما يصدق على الفن كما يصدق على الأسطورة والدين وحتى المعرفة العلمية. وهذا يعني أن عالم الصورة الذي تتواجد فيه هذه الأنظمة الرمزية ليس مجرّد انعكاس لمعطى خبري بل هو على عكس ذلك مولّد من قبل الوظيفة الرمزية المناسبة بحسب مبدأ أصيل. فكلّ هذه الوظائف تنتج تشكلاتها الرمزية المختلفة عن رموز الذهن، وكلّ واحدة تحيل على زاوية نظر معينة وبالتالي فإن كلّ منظومة رمزية تمثل مظهرا خاصا للواقع. فلا يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع في ذاته للعقل، بل هي طرق مختلفة يتبعها العقل للتموضع أي طرقا يتبعها العقل في تمظهره لذاته. فالأنظمة الرمزية من هذا المنطلق تتقدّم كمحاولات لتحويل العالم السلبي للتمثل البسيط إذ تمثل سيرورات ديناميكية للترميز.
لذلك فإن الإنسان على خلاف الحيوان الذي يعيش مباشرة من الطبيعة ويكتفي من المعطى الطبيعي الخام، يقحم الإنسان وسائطا بينه وبين محيطه. وهي وساطة تتمثل في العمل كنشاط يدوي وذهني والمحيط التقني الذي يمكّن الإنسان من الفعل في الطبيعة ومن هذا المنطلق فإن العلاقة مع الآخر يمكن أن تكون مباشرة مثل ما يتحقق ذلك في تبادل النظرات أو حتى الكلمات دون توسط حد ثالث، لكن الحياة الاجتماعية تقتضي وتنشأ وساطات من أجل حياة اجتماعية دائمة بل لتكون هناك فعلا حياة اجتماعية. ومن هذا المنطلق فإن الأنظمة الرمزية تمثل وسائط تجعل التواصل مع الذات ومع العالم ومع الآخر ممكنا، ويمكن القول أن الأنظمة الرمزية تضطلع بوظائف روحية تشكل الإنساني.
التواصل إذا مطلب إنساني من جهة أنه ما به يكون الإنسان إنسانا ذلك أن الأنظمة الرمزية كوسائط هي التي تجعل التواصل ممكنا والمقدّس الديني ذاته هو قبل كلّ شيء تجربة تنحو إلى أن تتواصل في تمثلات وصور، وتجربة المقدّس عند "مايير" هي ضرب روحاني من المعانقة للعالم إنها حدس مؤسس لنوع من الحضور الغامض لشيء يتجاوز الحدود المعتادة للتجربة الإنسانية. وهذا الشيء المغاير تماما للدنيوي يفلت من ظروف التجربة المدنسة رغم كون ما فيه وما به يتمظهر المقدس هو المدنس أو الدنيوي. والمقدّس كرمز يسمح بالانفتاح على العالم المطلق، ذلك أن طقس ما يمكّن الإنسان من اكتشاف هذا العالم المطلق الذي يفلت بالماهية من كلّ لغة، خاصة وأن الدين هو نسق يعبّر عن ذاته بواسطة طقوس تشغل الرمز والأسطورة.
وفي هذا المنظور، تكون الأسطورة لغة التعالي، و"غارودي" لا يتحدث عن التعالي باعتباره خارجيا أو قوة، فليس هو تعالي لرب فوقي ولا هو تعالي لمعطى تحتي، وهو ما يجعل من الأسطورة فعل خلق جماعي، لحظة عمل. فالأسطورة ليست مجرّد مشاركة في العالم بل هي لحظة عمل تميز الإنسان لذلك يرى "غارودي" أننا لا نستطيع أن ننعت بالأسطورة ما هو مجرّد أثر باقي من الماضي، كما لا نستطيع أن نعتبر الأسطورة مجرّد إعادة إنتاج أو مجرّد محافظة على الحاضر باعتبارها معيارا للسلوك بل إن غارودي يقول بأن النماذج الاجتماعية المضاعفة بالدعاية والإشهار والتي تقدّم المشاهير باعتبارهم أساطير هي وهم واغتراب. وهذا يعني أن الأسطورة ليست من الماضي بل أن هناك أساطير ينتجها الإنسان اليوم. فالأسطورة لا ترتبط فقط بالعقلية البدائية بما أنها تتجاوز المعطى المباشر وتتجاوز طبيعة الإنسان الخاصة. وهذا يعني أن ما يميز الأسطورة كانفتاح على التعالي ليس الخروج على الزمن بفعل تأبدها، ولكن تحكمها في الزمن. فالزمن الأول للأسطورة يمكن الإنسان من أن يعيش من جديد لحظة الخلق، إذ يمكن الإنسان في أن لا يرى في ذاته مجرد جزء من هذا الكون وسجينا له، ولكنه يجعله ينظر إلى ذاته كقادر على التعالي على الكون وعلى التدخل فيه كخالق. فالأسطورة عند غارودي ليست وسيلة للخروج من التاريخ بل هي تذكير بفعل المبادرة الإنسانية. والبطل الأسطوري هو الذي يعي بمشكل يعترض الإنسان في وضعية تاريخية، وهو من يكتشف ويكشف المعنى الإنساني المتجاوز لهذه الوضعية، وما نصر البطل أو فشله إلاّ علامة توقظ الإنسان على حلّ مشاكل زمانه.


II علاقة الانظمة الرمزية بما هو انساني:
1 - قدرة الانظمة الرمزية على تحقيق تواصل انساني:
تتحدّد الأنظمة الرمزية باعتبارها وسائط بين الإنسان والعالم وبين الإنسان والآخر، وسيطا يمكن الإنسان من تحقيق التواصل وتحقيق إنسانيته التي تشترط الفعل التواصلي. ومن هذا المنطلق فإن اللغة كنظام رمزي تستخدم العلامة، و تمثل بالنسبة لغوسدوف طريقا للدخول في الواقع الإنساني، وهذا يعني أن الطفل بعد أن يقطع صمت الحياة العضوية، بفضل التحكم المتدرّج في اللغة، يتحدّد كذات ويتمكن من التواصل مع بني جنسه. وهذا يعني أن اللغة تأسس عالما رمزيا متميزا يستحضر العالم ولكن لا يشبهه، لأن الكلمات ليست الأشياء، ولذلك كانت اللغة نظاما رمزيا. والوظيفة الرمزية للغة تتمظهر في القدرة على استعمال العلامات كرموز تمكننا من تمثل شيء آخر رغم غيابه. وبالتالي فإن اللغة كنسق من العلامات ليست لها علاقة مادية بما تعنيه هذه العلامات. وهذا الاختلاف عن الواقع يعطي اللغة نوعا من الاستقلالية عما هو كائن، وتسمح بالتالي للإنسان من الارتباط بالعالم و بالارتحال عنه. وهذه الاستقلالية والتسيير الذاتي للغة جعل "غوسدورف" يعتبرها الوسيلة الجوهرية التي تمكّن الفرد من تمثل ثقافة المجموعة التي ينتمي إليها. فاللغة هي التي تمكن الإنسان من تجاوز كينونته البيولوجية. وهو ما يعني أن الوظيفة الأولى للغة هي التواصل بين الناس، فأن نتكلّم هو أن نتواصل، وفعل الكلام هو فعل تمرير المعلومات، لذلك فإن اللغة هي قبل كلّ شيء رابط اجتماعي، إذ هي منظومة اجتماعية تكون الإنسان ذاته كشبكة للتبادل والمشاركة والتواصل بما هي حوار يقتضي إفساح المجال أمام الناس للتعارف المتبادل كمقدّمة للفهم والتفاهم. لذلك يمثل الآخر طرفا أساسيا في فعل التواصل اللغوي، ففي هذا التواصل اللغوي، يحضر الآخر حتى عند غيابه، وحوار الذات مع ذاتها هو أبسط أشكال حضور هذا الآخر. وهذا يعني أن وعي الذات بذاتها يتحقّق عبر اللغة كنظام رمزي.
والاعتراف المتبادل يقتضي بدوره كلّ الأنظمة الرمزية الأخرى، فالأسطورة كقول أي كنظام دلالي له قواعده ومقاصده لا تختلف في أداء وظيفتها التعبيرية عن اللغة وعن كلّ أشكال التواصل كالدعاية والإشهار والصحافة والصورة، فهي كلها نظما دالة، خاصة وأن ما يميز مجتمعاتنا اليوم هو تنوع وكثرة الأنظمة التواصلية، فالصحف والراديو والأشرطة المرسومة كلها أشكال تعبيرية غير لسانية وتمثل الحامل الأسطوري للتواصل المعاصر. ولكن إذا كان الحوار لكي يكون كونيا لابدّ أن يبنى على معياري الحقيقة والحرية، فهل يمكن القول، في إطار التأثير الكبير للأنظمة الرمزية على الإنسان كوسائط لا غنا عنها، بأننا إزاء إكراه بنيوي للذات داخل الأنظمة الرمزية ذاتها؟ هل تتعطل قنوات التواصل بين الذوات بفعل تعدّد الأنظمة الرمزية أم أن الوعي بحدود هذه الأنظمة يمثل في حدّ ذاته سبيلا لتحرّر الذات من الإكراه البنيوي الذي تمارسه عليها الأنظمة الرمزية؟
2 - تنسيب قدرة الأنظمة الرمزية على تحقيق تواصل إنساني:
يلاحظ أدونو و هوركايمر أن السيطرة على الطبيعة مرتبطة ارتباطا وثيقا بتحوّل النوع الإنساني، لكن هذه الحركة الأولى لسيادة الذات عبر السيطرة على الطبيعة كمشروع للحداثة جعلت من وجود الذات وسيلة للهيمنة على مجموع العالم ووسّعت من هذه الهيمنة لتشمل الإنسان أيضا. ويقرّ"أدورنو" و"هوركايرم" أن نتائج هذه السيادة تتمثل في كون النسق الثقافي الذي محوره البضاعة، أدى إلى استعباد الإنسان. وهكذا فإن علاقات الاتصال اضطربت كثيرا من فرط التقدّم التقني، ذلك أن العنف الرمزي في الحضارة صناعية دائم الحضور ويشكل بعمق كلّ أصناف الهيمنة، فما يتواصل حوله الناس اليوم في إطار غزو الوسائل التكنولوجية لكلّ فضاء إنساني هو الخطاب الكاذب الذي تتناقله وسائل الإعلام، هذا الخطاب الذي لا يؤدي إلاّ إلى اغتراب الإنسان عن مشاكله الأصيلة وقضاياه الوجودية عبر تحويل موضوع التواصل إلى بضائع يتم تقديمها بشكل يغري الناس من أجل تحقيق الربح. وهكذا يبدو أن تعدد وسائل الاتصال وتقدمها وعوض أن يساهم في تفعيل الحوار بين الناس أدى إلى عكس ذلك إلى شلّ التواصل، والعدالة الوحيدة التي تحققت في الحضارة الصناعية ليست عدالة اجتماعية ولا عدالة سياسية بل هي عدالة تساوي كلّ الناس وتماثلهم في وضعية العزلة التي أنتجتها وسائل الاتصال.
و يجب أن نلاحظ أن اللغة أيضا يمكن أن تكون خطرا عندما تكون الكلمة وسيلة للفعل في الآخر وذلك ما يكشف عنه "رولان بارت" عندما أقرّ بأن "اللغة وسيلة تشريعية اللسان قانونها"، بحيث تمارس اللغة إكراها بنيويا يصعب معه التمييز، في عملية التواصل، بين المحتوى والشكل، خاصة وأن كلّ وسيلة تقنية للتواصل لها فعل ارتدادي على الرسالة التي تمرّرها، بل يبدو حسب "ماك لوهان" أن "الرسالة الحقيقية هي الوسيط ذاته". لذلك فإن تجديد وسائل الاتصال بدءا بالكتابة إلى شبكة الانترنات يؤثر نسقيا في الثقافة والفكر ولذلك تحاول الميديولوجيا اليوم تحليل الوظائف الاجتماعية العليا (الدين/ الفن/ السياسة/ اللغة) في علاقاتها بوسائل النقل والتنقل (وسائل الاتصال) وما تحمله من أفكار تخص مجتمعا من المجتمعات. خاصة وأنّ نمط الحياة المعاصر يتسم بالتكالب على المصالح وبتقديس التقنية ومنتجاتها في غير اكتراث بالبعد الثقافي والروحي للوجود الإنساني. والفعل الذي تولّده هذه الوسائط على الثقافة بصورة عامة، جعل ميشال هنري يقرّ بأن الأمر لا يتعلق بانحطاط القيم الأخلاقية والدينية والثقافية تحت تأثير وسائل الإعلام التي تنشر خطابا رديئا، بل إن الأمر يتعلق بسيرورة تحطيم الإنساني، إذ نشهد تراجعا للإنساني في كل المستويات. للأنظمة الرمزية، إذن، سلطة. إنها تمارس عنفا رمزيا، يولّد حسب بورديو تبعية لا ترى، تبعية تشغل انتظارات جماعية واعتقادات اجتماعية أنتجتها ورسّختها وسائل الاتصال. وفي هذا العنف الرمزي، تتجلى السلطة الرمزية باعتبارها سلطة تكوين المعطى بمجرّد التصريح به، سلطة الفعل في العالم عبر الفعل في تمثل العالم. وتتحقّق في علاقة تنتج الاعتقاد في شرعية كلمات أو شرعية الأشخاص الذين ينطقونها وهذه العقيدة العملية هي حق الدخول الذي تفرضه بطريقة خفية كلّ الحقول الاجتماعية.
IIIأزمة تواصل أم أزمة وسائط:
إذا لم تكن الأنظمة الرمزية وسائط شفافة ووفية بل إنها كوسائط تمارس سلطة، نوعا من الاكراه البنيوي على الذات يعيق التواصل ويستحيل فيها التواصل إلى علامات عبودية، علاقات متسلط بمتسلط عليه، فما هي إذا الشروط التي يجب أن تتوفر من أجل أن يكون التواصل أساس الإنساني أو على الأقل حتى تعي الذات بحدود الأنظمة الرمزية فتتعامل تعاملا نقديا مع هذه الأنظمة أملا في تحقيق تواصل حقيقي بين الناس؟
يرى هابرماس أنه لا يمكن أن نختزل العلاقات التواصلية في تبادل المعلومات، ذلك أنّ الفعل التواصلي ليس مجرّد تبادل لمعطيات بل هو تأويل لما يحدث، إنه تأسيس لقواعد العيش في كنف المجتمع، إنه مساهمة في تركيب العالم الاجتماعي المعيش. وهذا يعني أن التواصل عند هابرماس يشكل الإنساني والبحث في شروط نجاح أو فشل التواصل يمثل لحظة جوهرية في كلّ تفكير في المجتمع وفي العلاقات الاجتماعية. وصلاحية التواصل بالنسبة لهابرماس تقتضي مجموعة من الشروط:
- المصداقية: إذ تمكنني من أن أفترض حسن نية المتكلّم.
- الحقيقة: بما هي قيمة معرفية تمكنني من افتراض غاية الآخر كغاية لا نفعية.
- الحرية: الذي تمكنني من افتراض أن كل قول يقوم على الإقناع والحجة العقلية، بحيث يكون المحاور قادرا على الإقناع بحقيقة القضايا المقدمة.
- الاعتراف بتطابق الأفعال المقترحة مع المعايير السلمية.
لكي تتحقق علاقات تواصلية ايجابية من الضروري أن يكون المخاطب قادرا على التثبت من مختلف نماذج الصلاحية الأنفة الذكر، إذ يجب أن يوجد دائما افتراضا قبليا لهذه الشروط كعناصر حاضرة واقعيا، أو على الأقل افتراضيا إذ نفترض أن هناك إمكانية للمحاججة وهنالك إمكانية للقبول أو الرفض لأنه في غياب هذه الشروط لن يكون هناك فعلا تواصليا. وهابرماس يعترف أنّ كلّ المجتمعات لا تخلو اليوم من ضغط المصالح الذي يولّد العنف والغش تحت تأثير العقل ألأداتي المعرفي، أي مجموع الأنشطة التي تهدف إلى تقوية سيطرة الإنسان على المحيط وتلبية الحاجيات التي يصوّرها في هذا الإطار. ذلك أن المجتمع لا يستطيع أن يستمرّ دون مستوى أدنى من النشاط ألأداتي، وهي نشاطات تولّد مشاكل عندما تكون الخلفية الورائية للمحاور التواصلية، واستراتيجية هذه العقلانية الأداتية تتمثل في التعامل مع الآخر لا كمتقبل فعلي ومحاور ولكن كوسيلة للفعل. وهذا يعني أن هابرماس ينتهي إلى اعتبار الإنتاج مجرّد نشاط ضروري، بل هو أدنى مرتبة وتابع للتواصل بما هو جوهري للإنسان، ولكن العقل ألأداتي ضخّم هذا النشاط الإنتاجي وسوّق له باعتباره الأساسي في الإنسان ممّا حطّ التواصل إلى أدنى مستوياته.
وسيطرة العقل الأداتي تجلت في سيطرة الصورة اليوم كنظام رمزي، فالصورة تتحدّد في معناها الأصلي باعتبارها إعادة إنتاج طبق الأصل، والفلسفة كانت تستبعد الصورة بناءا على التقليد الأفلاطوني الذي يستبعد العالم الحسي ذلك أن الصورة والمفهوم يتقابلان راديكاليا فالصورة في معناها الدقيق تمثل الشكل المحسوس لشيء خاص والمفهوم هو الفكرة الكونية والعامة ولذلك ارتبطت الصورة بالعجائبي والمقدس دوما. أما الوظيفة الترفيهية للصورة فهي وظيفة حديثة، ويجب أن نلاحظ أن هذا التمييز الراديكالي بين المفهوم والصورة راجعته الفلسفة الحديثة وأصبحت الصورة تتقدّم كركيزة ضرورية مثلا لكل فكر علمي، وبهذا المعنى ترافق الصورة الفكر، وبالتالي تمثل رمزا بما أنها لا تؤخذ في ظاهرها بل تحمل على ما تشكله. ففي الذهن لا تمثل صورة ولكن إشارة إلى واقع. ومن هذا المنطلق فإن الصورة ليست انعكاسا بسيطا للواقع تتم قراءتها بشكل مباشر بل إنها عكس ذلك غير مستوعبة مباشرة إذ تفترض جهدا إدراكيا وتأويلا يجعل من الصورة بالفعل واقعا مدركا. وهذا يعني أن الصورة تؤخذ كإشارة إي كأداة تكمن وظيفتها في نقل رسالة ولذلك تعتبر الصورة نظاما رمزيا قائم الذات.
ويلاحظ رولون بارط أن ما يميز مجتمعاتنا المعاصرة هو تنوع أنظمة التواصل وكلها تمثل حوامل أسطورية للتواصل المعاصر. والجمع بين الأنظمة التواصلية يفسح بالنسبة إلى رولون بارط المجال لكشف القدرة التأثيرية للأشكال التواصلية، إذ هي أشكال لها وظائف دالة ضمن نطاق الوضعية التي ترتبط بها، فالعلامات تجمع بين مفهوم وصورة أو بين شكل ومعنى. وكلّ هذه الوسائط تمثل حسب جون بودريار وسائل تخضع المشاهد للإكراه و القصر. فالإنسان المعاصر محكوم بنظم وعلامات تمثل بدائل على الواقع، والتراكم الهائل للصور كبضاعة للاستهلاك جعل غي ديبور يتحدث عن المجتمعات المعاصرة باعتبارها مجتمعات الفرجة، و تمثل الفرجة، عنده، رؤية كلية للحياة، وهي أساسا ترسانة من الصور المؤثرة على المشاهد، مما جعل ديبور يتحدث عما سماه بالاستبعاد المعمم الذي يمثل وجها من وجوه الاغتراب. وهذا الاغتراب له قدرة تأثيرية بالغة تستمدّ من الاساس الاقتصادي بحيث تطوّع الصورة والكلمة لتشكيل الوعي الزائف. إنه تأثير يغري الجموع صنعه مخطط الاقتصاد الليبرالي للتحكم في صفوف الناس وإبعادهم عن مشاغلهم الحقيقية عبر التشبه بسلوك المشاهير والنجوم الذين يتصدرون الفرجات الاشهارية. وبقدر ما تعتمد الفرجة أنواعا من الصور الباهرة وأشكال الترفيه المغرية، يتحول الإنسان المستهلك للسلع إلى مستهلك للأوهام، والصورة التي كانت في الأصل تبلغ الدلالة وتحدث التواصل تحوّلت إلى عنصر تأثير مفسد للتواصل الحقيقي ومعطّل للحوار بين الذوات. يتعلق الأمر إذن بقوة خاصة، بوظيفة تعطي للصورة قدرة فعلية على توليد فعل منعكس شرطي. وهذه السلطة التي للصورة جعلت ريجيس دي براي يقسّم تاريخ الحضارات إلى ثلاث عصور محكومة بنظم سلطوية متناسبة مع شكل الذي تتخذه الصورة في كلّ عصر:
- عصر الخطاب، رمزه أفلاطون، وشكل صورته هو الصنم الذي يتطلب الرهبة، والنظام السياسي الذي يقابله الثيوقراطية (حكم ديني).
- عصر الأشكال، رمزه ديكارت، وشكل صورته الفن الذي يتطلّب الحياة، والنظام السياسي الذي يقابله يسميه دي براي: الايديوقراطية (سلطة الفكر)..
- عصر الشاشة رموزه "الكهنة الجدد" الذين يمثلهم المشاهير، وشكل صورته هو الصورة البصرية التي ترتبط بالمصلحة، أما النظام السياسي الذي يقابله فهو الفيديوقراطية (سلطة الصورة).
وهذا يعني أن كلّ نظام سلطة تنتج صورة هي مجال وسائطي، يشكل وعيا زائفا، ذلك أن كلّ نظام سلطة ي
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 44
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى