الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

مفهوم المجتمع المدني وراهنيته

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مفهوم المجتمع المدني وراهنيته

مُساهمة  احمد حرشاني في 3rd يونيو 2011, 02:36

مفهوم المجتمع المدني وراهنيته



المفاهيم أسماء العالم ومفاتيح معرفته، يحمل كل منها ، فضلاً عن دلالته اللغوية والاصطلاحية، تاريخه الخاص، مشفوعاً بشحنة أيديولوجية مصدرها الأنساق والخطابات التي اندرج فيها، واكتسب من كل نسق أو خطاب دلالة خاصة غلبت عليه في حين من الأحيان أو في كثير منها، فلا يكاد يعرف إلا بها. لذلك تقتضي الموضوعية تحرير المفهوم من شباك الأيديولوجية، وإعادته إلى ميدان التاريخ. ففي هذا الميدان فقط يفصح عن طابعه الواقعي وقيمته المعيارية، وعن دلالاته المعرفية والنفسية والأخلاقية. ويبدو أن الذين يزيِّنون المفاهيم أو يقبِّحونها إنما ينطلقون من رؤية ذاتية وسكونية، لا من رؤية واقعية وتاريخية[1]. وليس بوسعنا أن نحكم على هذا المفهوم أو ذاك إلا في نطاق النسق أو الخطاب الذي يندرج فيه، أي في نطاق شبكة العلاقات التي ينتظم فيها فيؤدي وظيفة خاصة لدى متكلم معيَّن، في شروط وملابسات معينة. هكذا هي الأمور دوماً. وهذه الشبكة، بما تنطوي عليه من علاقات ضرورية ومن مواضعات العقل العملي وتسوياته وتواطؤاته ومحايلاته أحياناً، إن لم يكن في معظم الأحيان، هي التي تحدد دلالاته ودواعي استعماله، وتعيِّن وظائفه الإجرائية والمعرفية والنفسية والسياسية والأخلاقية[2]. ولما كان كل خطاب هو بنية عقلية / روحية، أو ذهنية / نفسية، وعلائقية، بات من الضروري تمييز العلاقات الضرورية التي تحدد دلالة المفهوم في كل نسق على حدة، كيما يمكن استعمالة في نسق جديد ورؤية جديدة، وإلا كنا في النسخ والمحاكاة والتقليد الأعمى.

وما من شك في أن تظاهرات المجتمع المدني أو تعيُّناته المعروفة في التاريخ كثيرة ومتنوعة، تحمل كل منها خصائص الشعب الذي أنتجها، وخصائص المكان والزمان اللذين نتجت فيهما؛ ولكن العناصر المشتركة فيما بينها جميعاً هي عناصر العقل الكوني التي يعيد البشر إنتاجها في أماكن مختلفة وأزمان مختلفة، ويطبعها كل شعب بطابعه الخاص. وليس هذا الطابع الخاص سوى هوية الشعب المعني أو المجتمع المعني؛ وهوية مجتمع ما هي ما ينتجه على الصعيدين المادي والروحي. وهذه العناصر المشتركة، بإجمال القول، هي الإنسية أو الإنسانوية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية، المؤسسة جميعها على حرية الفرد وحقوق الإنسان، وأفرادية الواقع ومعقولية العالم، وواقعية التنوع والاختلاف والمغايرة التي تضع الفروق والحدود والتعارضات الملازمة، تحكمها جميعاً جدلية الحرية والقانون، وعلى مبدأ المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون الذي يتوافقون أو يتعاقدون عليه ويرتضونه لأنفسهم على أنه ماهيتهم متعينة في نظام عام، أي في نظام سياسي. والقانون هو ماهية النظام السياسي وحقيقته.

يحيل مفهوم المجتمع المدني على كينونة اجتماعية متعيِّنة في العالم وفي التاريخ. وهي كينونة لا تُستنفَد في صفتي الاجتماع والمدنية اللتين يمكن أن تغدوا علامتين، بعد استحضار جميع الخصائص والتعيينات المعروفة، ولا سيما تلك المتعلقة بالشغل البشري، والإنتاج الاجتماعي، وأشكال الملكية، ونمط تقسيم العمل وتوزيع الثروة وعوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، فضلاً عن التحديدات الذاتية، الثقافية منها والسياسية. فلا يمكن فصل مفهوم المجتمع المدني، بصفته مفهوماً مركزياً في النسق الذي نقترحه، عن حزمة من المفاهيم الحافة والمحيطية التي من دونها يبدو خارج بيته وبيئته، كالأنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والحقوق المدنية وأفرادية الواقع ومشروعية الاختلاف والمواطنة وحرية الفرد وحقوق الإنسان وسيادة القانون وسيادة الشعب والدولة القومية ومنظومة الحريات الأساسية وغيرها.

كما أن المجتمع الذي يقبع الشغل البشري في أساسه عاملاً رئيساً من عوامل نشوئه وارتقائه لا يستنفد في ما هو عليه، بل ينفتح على ما يمكن أن يكونه، وما يعمل هو نفسه على أن يكونه، بفضل "المعرفة والمراكمة والنموذج الثقافي"، بحسب ما يرى ألان تورين[3]. وما دام الشغل، أو العمل الاجتماعي هو أساس المجتمع، فلا يجوز رد الاجتماع البشري إلى مبدأ غير اجتماعي، ولا يجوز من ثم فصل العمل عن المعرفة والأخلاق عن السياسة. المجتمع ينتج ذاته ويعيد إنتاجها، وبوسعه أن يحول علاقاته مع بيئته وأن يشكِّل وسطه، في ضوء علاقاته الداخلية، الضرورية منها والإرادية، وفي ضوء ما ينتجه من رموز وما يشكله من قيم ومعان ومعايير وأعراف وعادات وتقاليد ومؤسسات وتنظيمات وانتظامات ومنظومات حرة ومتغيرة وشرائع وقوانين وأنماط سلوك توصِّف الأفراد وتوجه سلوكهم بصفتها أناهم الأعلى. فلا يقوم المجتمع على شيء فيما عدا العمل الاجتماعي؛ ولا ضمانة للنظام الاجتماعي خارج النطاق الاجتماعي، أي إن ضمانة التظام الاجتماعي تكمن في المجتمع ذاته، في شغله ووجهته التي هي محصلة اتجاهات فئاته وطبقاته المختلفة والمتباينة والمتعارضة، بالمعنى الذي حدده كارل ماركس.[4]. وكل مجتمع هو نتيجة قراراته التي تحيل على المصالح والنقاشات والصراعات والمساومات التي تنجم عنها تغيرات متتالية، على نحو مؤقت وغير مستقر؛ وهذه التغيرات تفضي إلى تنوع أكبر ومرونة متزايدة وتراخ في المعايير والمنظومات الرمزية وصنوف القيود الاجتماعية. وليس المجتمع جملة علاقات ومبادلات داخلية فحسب، بل هو قبل ذلك عامل إنتاج لذاته وخلق لاتجاهات العنل الاجتماعي انطلاقاً من الممارسة ومن وعي إنتاج الشغل.[5] إن مبدأ الشغل هو ذاته مبدأ المعرفة والعمل بوصفهما وجهين لحقيقة واحدة هي الإنسان أو الروح الإنساني؛ وإذا كانت المعرفة ميدان عمل العقل، فإن العمل الاجتماعي هو ميدان الأخلاق، الذاتية منها والموضوعية. والسياسة هي مركب المعرفة والعمل، العقل والأخلاق، لذلك يرتبط المجتمع المدني بالمجتمع السياسي ارتباط المضمون بالشكل والحرية بالقانون[6]. فليس بوسعنا الحديث عن السياسة بمعزل عن العلاقات الاجتماعية بوجه عام وعلاقات الإنتاج بوجه خاص، أو بمعزل عن شكل الملكية وتقسيم العمل وتوزيع عوامل الإنتاج بين مختلف الفئات الاجتماعية، فهذه مجتمعة هي التي تعيِّن مدى عقلانية السياسة، ونمط العلاقة بين المنتجين ومنتجات عملهم في سائر الميادين. وإذا استعملنا مصطلح المنظومات يمكن القول: إن المجتمع المدني هو منظومة ذاتية الاشتغال.

يحيل مفهوم المجتمع المدني إذاً على حالة اجتماعية سياسية وثقافية اصطناعية أي من صنع البشر أنفسهم، من شغلهم وإنتاجهم؛ فشغل البشر كله صناعة واصطناع، بدءاً بصناعة الأدوات والآلات واصطناعها؛ حالة مؤسسة على الإرادة البشرية التي قوامها العقل، أي مؤسسة على العقل، أو على قوانين الطبيعة التي هي قوانين العقل، وقائمة على التعاقد والتوافق والتواثق والتعاون والاعتماد المتبادل، وكلها من صور العقل والمعقولية، بقدر ما تضمر من الاختلاف والتعارض، أو تنطوي عليهما؛ ولنقل إنها قائمة على الاحتياج المتبادل بين أفراد كل منهم محتاج إلى "الآخر"، الشريك والمواطن والمنافس والمنازع، ويعي هذا الاحتياج. ذلكم هو المبدأ والأساس. وجميع أشكال الاجتماع البشري التي عرفها التاريخ تنويعات على المبدأ الأساس.

الرؤية التاريخية، الواقعية أوالجدلية، وهي ثلاثة أسماء لمسمى واحد، تكشف، كما أرى، عن التلازم الضروري، المنطقي والتاريخي، بين المجتمع المدني والدولة الوطنية / القومية، دولة الحق والقانون؛ وعن العلاقة الضرورية، المنطقية والتاريخية، بين المجتمع المدني والديمقراطية بوصفها حقيقة أي نظام من أنظمة الحكم، لا يبلغ درجة الاستبداد، أي لا يبلغ درجة الاستلاب الناجز للشعب. وفي اعتقادي أن مفهوم المجتمع المدني يندرج اليوم في الخطاب المناهض للعولمة الاقتصادية المتوحشة، ودكتاتورية السوق، وفي الخطاب المناهض للاستبداد، كما تجلى في الأنظمة الشمولية والتسلُّطية، على السواء. وليس ذلك من قبيل المصادفة أو تواقت الظروف. فهو من ثم من أهم مفاهيم علم الاجتماع السياسي الحديث والمعاصر. ولعل الفارق بين مناهضة دكتاتورية السوق ومناهضة الاستبداد المقرون بالتأخر التاريخي هو ما يعيِّن طابعه غير السياسي ظاهراً، في الحالة الأولى، وطابعه السياسي الذي يكاد يكون صريحاً ومباشراً، في الحالة الثانية؛ إذ يندرج في مشروع استنارة وتحديث وإصلاح وفي عمل تاريخي، أو مشروع نهضوي. وأظن أن مفهوم المجتمع المدني والمفاهيم الحافَّة به التي تربطها به علاقات ضرورية لم تندرج بعدُ، ولا بد لها أن تندرج، في نسق مقاومة الاستبداد ومقاومة الاحتلال، في التجربة العربية؛ ولذلك لم يقدر كثير من المفكرين قيمة هذا المفهوم وضرورته وراهنيته، فتوهم عزمي بشارة، مثلاً، أن المجتمع المدني يلعب خارج أوربة "دوراً مشبوهاً، دور القابلة المتسترة على عملية إجهاض سياسية، عملية لاتسييس؛ أو دور العميل المزدوج الذي يعادي السياسة باسم الديمقراطية، ثم يدير ظهره للديمقراطية باسم كونها معركة سياسية،"[7]. ولعل السيد عزمي بشارة يضع السجال الأيديولوجي في منزلة الفكر النظري. فهو يعمم حالة فلسطينية مخصوصة وجزئية جداً، في فلسطين المحتلة نفسها[8]، على "المجتمع المدني خارج أوروبا"[9]، كأن مفهوم المجتمع المدني مفهوم تاريخي في أوربة، وسكوني "خارج أوروبا"، وكأن أوربة و"خارج أوروبا" لا ينتميان إلى عالم مشترك وإلى تاريخ مشترك. وأدعى إلى العجب ألا يميز الفكر النظري عندنا مفهوم المجتمع المدني من شبكات الجمعيات غير الحكومية التي تعنى بحماية البيئة أو بحقوق الإنسان أو بغيرها، أو مما يسميه بعضهم "العولمة الاجتماعية، لا سيما أن هذا النوع من الجمعيات لا يعنى بالسياسة المباشرة، كما يفهمها بعضنا، فلا تنحاز الجمعيات غير الحكومية إلى أي من الأيديولوجيات المعروفة التي يثوي في قاع كل منها ملمح اجتماعي ( قومي أو طبقي) ما؛ وذلك على الأرجح بحكم كلية موضوعها وعالميته (الإنسان والبيئة وما في منزلتهما). فليس ثمة من وجهة نظر الفكر أو من وجهة نظر الوعي التاريخي أي التباس بين المجتمع المدني و"الجمعيات غير الحكومية" ذات الطابع العالمي. وقد غدا من الشائع عندنا للأسف أن يتصدى المنافحون عن الاستبداد من مثقفي الدولة الشمولية والأحزاب الشمولية للمجتمع المدني على أنه ذلك "العميل المزدوج"، فيختزلونه، بل يمسخونه إلى مجرد "جمعيات غير حكومية" مشبوهة وممولة من "الخارج". وما هذه الحرب الكلامية التي لا ترقى إلى مستوى علم الكلام سوى مظهر من مظاهر الحرب التي ما فتئت السلطات الشمولية تشنها على مجتمعاتها وشعوبها. وهي حرب يتبادل فيها مثقف السلطة أو مثقف الحزب، والجلاد الأدوار والمواقع، فيغدو مثقف السلطة أو مثقف الحزب الثوري جلاداً والجلاد مشرعاً للثقافة يفتي في ما يجوز وما لا يجوز.

وإلى جانب صوت عزمي بشارة، "ارتفعت مؤخراً أصوات عربية تنتقد تقليعة المجتمع المدني الجديدة هذه من منطلقات متنورة وديمقراطية، وليس من مجرد رفض للأفكار المستوردة[10]، لأن الديمقراطية العربية المتعثرة في مرحلتها الراهنة في أمس الحاجة إلى مفهوم المجتمع السياسي الديمقراطي، وليس إلى الانتقال إلى مفهوم غامض يسترخي خارج السياسة، في أسوأ الحالات، وتتيح كثرة معانية وغموضه أن يتم تطويعه في خدمة عدة أنواع من السياسات في أفضلها"[11]؛ لذلك تجب دراسة هذه "الأصوات"، أي الخطابات، للوقوف على درجة اقترابها من الديمقراطية أو ابتعادها عنها. علماً بأن الاستنارة ليست ديمقراطية بالضرورة. ولعل مثل هذه الدراسة لخطاب المجتمع المدني بين دعاته ومنتقديه وخصومه تجلو حقيقة هذه الخطابات، وتعين مواقف أصحابها من قضية الديمقراطية "المتعثرة"، وتلقي بعض الضوء على أسباب تعثرها (وتعثيرها، بالمعى الشعبي الدارج). ويبدو لي أن مفهوم "المجتمع السياسي"، وإن وصف بالديمقراطي، لا يعني شيئاً من دون مفهوم المجتمع المدني، وإلا كنا خارج الواقع والتاريخ وخارج علاقات التسبب والنتوج. المجتمع ينتج شكل وجوده السياسي، ومن ثم فالمجتمع المدني ينتج المجتمع السياسي، وينتج الدولة السياسية تحديده الذاتي. ولكم يشعر المرء بالأسى أن تخطر في ذهن مفكر مرموق كعزمي بشارة فكرة مجتمع سياسي ديمقراطي بلا مجتمع مدني، أو فكرة دولة وطنية بلا مجتمع مدني. ولو سلمنا جدلاً بهذه المفارقة، فإن ديمقراطية هذا "المجتمع السياسي" تغدو تحت السؤال، وكذلك ديمقراطية منتقدي "تقليعة المجتمع المدني" من مواقع مستنيرة وديمقراطية. ولعل هؤلاء من دعاة الديمقراطية الشعبية سيئة الصيت، ومن حماتها.

بخلاف ما ذهب إليه عزمي بشارة وآخرون، يقوم هذا البحث على فرضية تقول: إن المجتمع المدني شرط ضروري لتحقيق مبدأ المواطنة وقيام دولة الحق والقانون، وتحقيق مبدأ مساواة المواطنين كافة أمام القانون، بل شرط لقيام القانون الوضعي بصفته تعبيراً عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين، وجميع الفئات الاجتماعية والسياسية، وتوفيقاً أو توليفاً عبقرياً بين مصالح متعارضة عمياء، لو تركت كل منها لشأنها لانتكست البشرية إلى حالة الافتراس. والشرط هنا، أي المجتمع المدني هو المشروط بمبدأ المواطنة ومساواة المواطنين أمام القانون، وبالقانون الوضعي وبالدولة الوطنية، من جملة الشروط الضرورية. المجتمع المدني شكل اجتماعي مشروط بمضمونه، أي بالوجود الاجتماعي المباشر، في جميع تعيُّناته. ومن ثم فإن المجتمع المدني شرط لازم للديمقراطية السياسية والاجتماعية لزوم المضمون للشكل، ولزوم العام للخاص. فما لم يفطن إليه عزمي بشارة وآخرون ممن ينتقدون "تقليعة المجتمع المدني" أن الدولة، أو المجتمع السياسي، حقل عام بصفتها تعبيراً عن كلية المجتمع المدني، أو بوصفها دولة جميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، أو بوصفها تجريد العمومية؛ ولكنها، في الوقت ذاته، حقل خاص بصفتها شكلاً سياسياً للمجتمع المدني، وتحديداً ذاتياً من تحديداته. الدولة تجريد للعمومية، أجل، ولكنها لا تستنفد العمومية.

وبخلاف ما ذهب إليه عزمي بشارة وآخرون، من أن المجتمع المدني "عاد إلى الظهور في النظرية السياسية الغربية بعد غياب طويل، لتأطير معطيات تمرد المجتمع (المدني) ضد الدولة الاشتراكية"[12]؛ أعتقد أن مفهوم المجتمع المدني عاد إلى الظهور في النظرية السياسية الغربية، لتأطير "تمرد المجتمع" على النظام الشمولي الذي كانته "الدولة الاشتراكية"، في البلدان التي وصفت نفسها، ووصفناها، بالاشتراكية، لا على الاشتراكية ولا على الدولة الاشتراكية؛ ولتأطير الحركة المناهضة للعولمة المتوحشة ودكتاتورية السوق، في البلدان الرأسمالية، ولتأطير الحركة المناهضة للتسلط والاستبداد في بلادنا. ومن اللافت للنظر أن خلف معظم "الأصوات" الناقدة "لتقليعة" المجتمع المدني، كما يسميها عزمي بشارة، تقبع إما رؤية "يسارية" ستالينية وإما رؤية اشتراكية قومية متطرفة وكلتاهما تذكران بالنازية والفاشية اللتين أممتا المجتمع، كما فعلت الستالينية و"الاشتراكية العربية" الثورانية. ومن الغريب أن يدرك السيد عزمي بشارة أن "المواطنة تتناقض مع الصهيونية"، ولا يدرك أنها، أي المواطنة، تتناقض مع الاستبداد، ومع الاحتكار، احتكار الثروة والسلطة والقوة، واحتكار الحقيقة واحتكار الوطنية، وما شاكلها من الاحتكارات الأخرى. ولذلك لا نشاطر أياً من الذين يدَّعون أن المجتمع المدني يقوم بمعارضة الدولة الوطنية ومناهضتها هذا الرأي، بل نعتقد أن الصواب هو معارضة المجتمع المدني للنظام الشمولي والنمط التسلطي ومناهضتهما، ولا سيما في الاتحاد السوفيتي السابق وأوربة الشرقية. بل أميل إلى القول: إن معارضة الشمولية والتسلط بالمجتمع المدني هي الصيغة السلبية لعلاقة التلازم الضروري بين المجتمع المدني والديمقراطية. ولعل جرحاً نرجسياً في "الذات القومية" أو "الاشتركية" دفع السيد عزمي بشارة إلى القول: "وقد تحول افتراض لوك وغيره لمجتمع خارج الدولة (لاحظوا جيداً) في النظرية الليبرالية إلى السوق. وبعد أن كان المجتمع المستند إلى العلاقات المتبادلة بين الأفراد في السوق هو ما ينتج مجتمعاً مدنياً خارج الدولة أصبح السوق هو نموذج المجتمع، ولم تعد هنالك حاجة لمصطلح المجتمع المدني".[13]لا ندري كيف تماهى المجتمع و السوق لدى السيد بشارة، وكيف استقام عنده قيامهما "خارج الدولة"؛ مع أن ما يسمى السوق العالمية، إذا كان هذا هو المقصود، لا تزال سوقاً دولية ودولتية إلى حد كبير، ولا تزال السوق موسومة بسمات قومية هي ذاتها سمات الدولة التي تنتمي إليها. وما كان للرأسمالية بوصفها نمط إنتاج حديثاً أن تغدو نظاماً عالمياً إلا بعد أن ترسملت الدولة القومية وتقومنت السوق الرأسمالية، من دون أن ننفي سيرورة نمو العالمية؛ وهي سيرورة لم تسر ولا تسير اليوم في خط مستقيم، بل لعل ما يطلق عليه اسم العولمة اليوم هو انتكاس في سيرورة نمو العالمية، ولا سيما أنه يقوم على الاحتكار الفعال وعدم التوازن الفعال في النظام الرأسمالي العالمي.

إن اختزال المجتمع المدني إلى سوق، وافتراض أن السوق يمكن أن تقوم خارج الدولة، إي في استقلال عنها، ينمان على رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي إلى سلع وخدمات يتبادلها الناس ويتداولونها في السوق، فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية غير الاقتصادية مجرد هوامش للسوق أو زوائد ملحقة بها، ولا يبعد أن تكون نافلة يمكن الاستغناء عنها؛ وتعيدان، من ثم، إنتاج فكرة آدم سميث عن "اليد الخفية" التي تنظم السوق وتضمن توازنها وتصحح اختلالاتها، فتلغيان فكرة الدولة بوصفها شكلاً سياسياً للوجود الاجتماعي وتحديداً ذاتياً للشعب، وتلقيان مسؤولية النظام العام على عاتق السوق وقانونها، وتختزلان الحرية من ثم إلى "حرية السوق" والقانون إلى "قانون السوق". وبكلمة، إن اختزال المجتمع المدني إلى سوق وافتراض قيام السوق "خارج الدولة" هما من أبرز سمات الليبرالية الجديدة، ليبرالية اليمين الجديد

مع أن عزمي بشارة نفسه يؤكد أن "مفهوم المجتمع المدني، في حلقته الأولى، عند توماس هوبز، لم يكن منفصلاً عن الدولة، بل كان مجرد تعبير عن انتقال مبدأ السيادة من السماء (الحكم بموجب الحق الإلهي) إلى الأرض (الحكم على أساس العقد الاجتماعي والقانون الوضعي الذي يعبر عنه)، وإن كان تصور الحكم الذي رافقه دكتاتورياً مطلقاً، وإن لم ينفصل المجتمع المدني في هذه البداية عن المجتمع السياسي"[14]. مع ذلك، يذهب عزمي بشارة إلى فصل المجتمع المدني عن الدولة الوطنية / القومية، وعن المجتمع السياسي؛ في حين لم ينفصل المجتمع المدني في أي حقبة من تاريخه، وليس بوسعه أن ينفصل، عن الدولة أو عن المجتمع السياسي. ولا أعتقد أن جون لوك كان يتخيل وجود مجتمع مدني بلا دولة، وأن هذا التخيل أو الافتراض هو الذي يبنى عليه المجتمع المدني "في حلقته الثانية، كمجتمع مدني قائم بذاته، أي بانفصال عن الدولة"، كما يدعي عزمي بشارة. وسوف أتناول موقف جون لوك ورؤيته بالتفصيل، فيما يأتي من فصول الكتاب.

قبل مفهوم المجتمع المدني وفي أساسه ثمة مفهوم المجتمع، مفهوم الاجتماع البشري المؤسس وجودياً (انطولوجيا) على الفرد، الكائن الطبيعي المحتاج والمفطور على النقص في علمه وعمله، وهذا ما يجعله قابلاً للتحسن، ويولد لديه نزوعاً إلى الكمال؛ وأم الحاجات هي الحاجة إلى الاجتماع، حتى كأن الاجتماع صفة ملازمة لكينونته، ولعل هذا ما جعل أرسطو يصفه بالحيوان الاجتماعي. وهي حاجة تلبيها الأسرة جزئياً من دون أن تتجاوز الحد الطبيعي.

والحاجة، كما هو معلوم، تقع في دائرة الذاتية، وتتحول في الأسرة إلى واقع موضوعي وعلاقات موضوعية: الحضانة والإرضاع والتغذية والعناية والتربية والتعليم والإعداد والتأهيل والحماية وما إلى ذلك، وهذه وغيرها تتحول إلى وظائف اجتماعية يستأنفها المجتمع والدولة ويقيمان لها شتى أنواع المؤسسات. ذلك لأن الحاجة التي تلازم الفرد تلازم العائلة أو الأسرة بالضرورة، فما أن تتكون الأسرة حتى تغدو شخصية مستقلة تدفعها الحاجة الملازمة إلى التعاون مع غيرها من الأسر أو العائلات محولة حاجاتها الذاتية إلى علاقات ومؤسسات موضوعية وإلى أعراف وتقاليد وتمثيلات ثقافية أهمها العبادة التي تنشأ من الحاجة إلى رابطة جماعية يتعذر الفكاك منها من دون الخروج على الجماعة. والتقديس هو الذي يهب العبادة قوتها وسلطانها ويضمن شمولها وديمومتها، حتى ليبدو أن اللغة والدين شرطان ضروريان لقيام الاجتماع البشري؛ ولكونه مختلفا نوعياً وجذرياً عن سائر صنوف الاجتماع الطبيعية الأخرى. على أن تحول الحاجة الذاتية إلى علاقات ومؤسسات وبنى موضوعية مشروط دوماً بالعمل البشري أو بتوسط العمل البشري بوصفه وحدة الذات والموضوع، وحدة الإنسان والطبيعة ووحدة الروح والمادة. فالعمل هو وحدة خصائص الإنسان النوعية وقواه الذهنية والنفسية والبدنية وعناصر الطبيعة وموادها، فضلا عن العمل الذهني الخالص. وإذا كانت العائلة، بما هي الحضن الطبيعي للفرد، مؤسسة طبيعية مع عنصر صنعي جنيني، فإن المجتمع مؤسسة صنعية خالصة، مع عنصر طبيعي ملازم لكل فرد على حدة، في نطاق فرديته الخالصة؛ مؤسسة من صنع الإنسان العامل / العاقل بالتلازم الضروري، ولذلك كان البشر الذين أنتجوا المجتمعات شكلاً لوجودهم المادي قادرين على تحسينها أو تغييرها جذرياً. فتاريخ النوع البشري هو تنويعة على أشكال الاجتماع، سمفونية متموجة على لحن الاجتماع. المجتمع هو أول اختراع بشري وأعظم اختراع بشري إلى يومنا؛ لأنه تجسيد عياني لماهية الإنسان الحامل جميع الاختراعات الأخرى، ما كان منها وما سيكون، إلى ما لا نهاية. وهذه الاختراعات ذاتها ليست في الحقيقة سوى تنويعة على أشكال العمل الإنساني، أشكال غير متناهية لتموضع هذا الكائن العظيم اللامتناهي نوعاً، في العالم وفي التاريخ. ولولا هذا التموضع لم يكن ممكناً أن يغدو العالم عالم الإنسان بصورة قطعية ونهائية

الاجتماع البشري، من هذه الزاوية، هو توقيع أو وقعنة الصفة الجوهرية للإنسان، أعني العمل الواعي والهادف، الصفة الجوهرية أو الماهوية للروح الإنساني الذي سيظل مغترباً عن عالمه وعن ذاته حتى تتسق العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية والأخلاقية مع هذه الصفة الجوهرية ويتمكن البشر من ثم من السيطرة على نتائج أعمالهم؛ لذلك كانت جميع أشكال الاجتماع مفتوحة على التطور والتغير. انتقال البشر إلى العيش جماعات ثم مجتمعات هو انتقال من الحالة الطبيعية، حالة الفطرة، إلى الحالة الاجتماعية، حالة وعي الذات. ومن العشوائية والاعتباط والانسياق بسائق الضرورة العمياء وبسائق الرغبة والهوى والدوافع والحاجات الفطرية إلى الانتظام ووعي الضرورة والاختيار، أي إلى الحرية. على أن ما حققه البشر من الحرية حتى يومنا كان ولا يزال متناسباً مع وعي الذات ووعي الضرورة، ولا سيما في ميدان المجتمع والدولة، فالضرورة في هذا الميدان أكثر غموضاً وخفاء منها في ميدان الطبيعة.

على أن حالة الفطرة البسيطة تلك، الحالة البدئية أو البدوية، ستظل قائمة وملازمة للحياة البشرية تعبر عنها الحاجات الطبيعية للفرد، ويعيد الروح الإنساني إنتاجها بأشكال تتناسب مع درجة استقلاله عن الطبيعة وقدرته على السيطرة عليها. فهي كعناصر الطبيعة ذاتها قابلة للتشكل أشكالاً لا حصر لها، إنها كالصفر حامل اللانهاية لا يمكن الاستغناء عنه وإلا انهارت العمارة الرياضية كلها. التعارض الجدلي بين الفطرة والقانون هو الذي يقنن أو يقونن هذه الحاجات ويجعل من القانون بنية تستجيب لها وتوفر الشروط الإنسانية لإشباعها. التعارض بين الحالة الطبيعية والحالة الاجتماعية المدنية هو مظهر من مظاهر التعارض بين الإنسان والطبيعة وهو تعارض مزدوج: تعارض بين الإنسان والطبيعة الخارجية بما هي بيته وعالمه الطبيعي، وتعارض بين الإنسان الاجتماعي وطبيعته الفردية الخاصة، الداخلية أو الجوانية، وإذا كان الأول يحل بالعمل فإن الثاني يحل بمجاهدة النفس الجهاد الأكبر، مجاهدة النفس الأمارة بالسوء. وإذا كانت المعرفة سلاحاً ضرورياً للعمل في سبيل تغيير أشكال الطبيعة فإن معرفة الذات سلاح ضروري أيضا لرياضة النفس وتوجيهها نحو العدالة والاعتدال والفضيلة والخير والحق والجمال.

لم يكن بوسع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة وعلى طبيعته الخاصة ويعمل على أنسنتهما بموضعة فاعليته الحية موضوعات مادية في الطبيعة وبتوقيع ماهيته أو صفاته الجوهرية علاقاتٍ اجتماعيةً سياسية وثقافية وأخلاقية في الوقت ذاته؛ لم يكن بوسع الإنسان أن يفعل ذلك لولا انفصاله عن الطبيعة وتعرفه قوانينها، فالموضوعات المادية والعلاقات الاجتماعية السياسية والثقافية والأخلاقية بعدان من أبعاد الكينونة الإنسانية: بعد في المكان، وبعد في الزمان، البعد المكاني مادة والبعد الزماني شكل، والصيرورة الاجتماعية مادة وشكلاً هي صيرورة العالم عالم الإنسان نفسه، فلم يعد للطبيعة تاريخ مستقل عن تاريخ الإنسان .

استناداً إلى هذه المعطيات يكون المجتمع، أو النظام الاجتماعي شكلاً اجتماعياً للوجود البشري، وما أن يتشكل الوجود البشري حتى يغدو موضوعياً، إنه نوع من تحديد ذاتي للوجود، وجود هذا الكائن العظيم الذي ينتج جميع تحديداته الذاتية، ولاسيما المجتمع والدولة.

في نطاق المجتمع، بما هو كينونة اجتماعية مادية في العالم وفي التاريخ، المضون هو الشكل، والشكل هو المضمون. المجتمع المدني هو وحدة الشكل والمضمون، ولكن هذه الوحدة لا تزال وحدة مادية مباشرة، غير موسَّطة؛ تحتاج، لكي تغدو وحدة فعلية إلى شكل جديد، هذا الشكل الجديد هو الثقافة، أي الطريقة التي ينتج بها المجتمع وجوده المادي، والطريقة التي يعبر بها عن هذا الوجود المشروط بشروط الزمان والمكان. الثقافة، بهذا المعنى، هي شكل التوسط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، ولا سيما الدولة الوطنية. الثقافة تحديد ذاتي للمجتمع وشكل من أشكال وجوده؛ شكل لا نكاد نلحظ فيه تعارضات الوجود المادي إلا بإعمال الذهن وكده، ذلك لأن المجال الثقافي المجتمعي هو الوحدة الجدلية لسائر التعارضات الملازمة للكينونة الاجتماعية. وليس بوسع المجتمع أن ينتج شكل وجوده السياسي إلا بتوسط الثقافة. وحين ينتج المجتمع شكل وجوده السياسي بإنتاج الدولة يكون قد أنجز مشروع وحدته التناقضية، الجدلية؛ ولذلك قيل إن الدولة هي تجريد العمومية وتعبير عن الكلية الاجتماعية. والمدخل الثقافي لفهم مجتمع ما لا يقل أهمية عن المدخل المادي، ولكنه لا يغني عنه ولا يكتمل إلا به. المجال الثقافي، بخلاف المجال السياسي، هو وحدة المجتمع غي المنجزة. في المجال السياسي ينجز المجتمع وحدته الجدلية؛ وبصيرورة هذا المجال ديمقراطياً يوماً بعد يوم ومرة تلو مرة يغدو الشكل السياسي مطابقاً للوجود الاجتماعي، فيصير الوجود الاجتماعي سياسياً والشكل السياسي اجتماعياً ومجتمعياً منفتحاً على الكلية الكونية. ولذلك قيل إن النظام الديمقراطي الذي يتعيَّن في الدولة الديمقراطية هو وحدة الشكل والمضمون. الدولة الديمقراطية إذن هي وحدة الشكل والمضمون، وحدة جدلية فعلية ناجزة مغتنية بثروة التطور الذي أحرزه المجتمع المعني في جميع مراحل نموه. في هذا السياق يمكن ان نفهم وصف كارل ماركس للدولة الديمقراطية بأنها دولة مادية، بخلاف الدولة السياسية التي هي شكل سياسي غير مطابق بعد لمضمونه. ولكنها، أي الدولة السياسية، شرط ضروري تاريخياً ومنطقياً للدولة المادية. الدولة السياسية هي دولة الحق والقانون المطابقة لمفهوم المجتمع المدني وماهيته بوصفه مجتمع الحاجات والميدان الحقيقي للتاريخ.

ليس في المجتمع وليس في الدولة وليس في عالم الإنسان شيء ليس موجوداً في الإنسان ذاته الذي أنتج المجتمع والدولة بإنتاجه نفسه في التاريخ وفي العالم. حتى الشر الذي يتظاهر في صور شتى في المجتمع والدولة ما كان ممكناً أن يوجد لو لم يكن مغروساً في الإنسان ومتأصلا فيه، وكذلك الخير والحق والجمال فالمجتمع جملة علائقية حية يتعين بها الكائن الإنساني أو تتعين فيها على نحو أو آخر ماهيته وصفاته الجوهرية وخصائص فاعليته الحية الواعية والهادفة التي تضمنها العمل البشري والفكر البشري بالتلازم. فليس ثمة فكر بلا عمل ولا عمل بشري بلا فكر.

ولذلك ليس ثمة عمل بشري ممكن إلا في نطاق الجماعة والمجتمع وهذا ما جعل العمل البشري إنتاجاً اجتماعياً، بكل ما تنطوي عليه كلمة الإنتاج من معان. وكان الإنتاج الاجتماعي، من ثم، يعين الوعي الاجتماعي وشكل الوجود الاجتماعي بالتلازم. على أن الصفة الفردية للعمل أو الطابع الفردي للعمل الذي لا يمكن إهماله في عملية الإنتاج الاجتماعي هو ما يجعل هذه العملية ذاتها مفتوحة على الاختلاف والتنوع والتعارض ومن ثم على النمو والتقدم بقدر ما يمكن أن تنشأ عن الصفات الفردية من تشكّلات أو من مجموعات تشكّلية حرة.

بتحول الخصائص أو الصفات الجوهرية المشتركة بين الأفراد المختلفين إلى علاقات اجتماعية ضرورية وإرادية يتحول الفرد الطبيعي تدريجياً إلى كائن اجتماعي وتتعمق فيه هذه الصفة حتى لا نكاد نلمح الأصل الطبيعي الثاوي في قاعها، ويغدو وعيه بذاته ومعرفته بعالمه محكومين بهذه الصفة الاجتماعية أو الجمعية. فالفرد الاجتماعي لم يعد هو ذاته الفرد الطبيعي لأن استلابه المضاعف في الطبيعة وفي المجتمع يجعل نتاجات عمله من جهة، وتجلي ماهيته في العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، في صورة أعراف وأنظمة وقوانين وقيم أخلاقية، يقفان إزاءه معارضين. إن فاعليته وخصائصه النوعية تغدو خارجه وتتحول إلى موضوع لفكره أو لعقله. وبقدر ما يستطيع الفرد أن يتكيف مع عالمه الطبيعي والاجتماعي يتمكن من استبطان عالمه وامتلاكه ويتحول إلى عضو في الجماعة يكون حضوره فيها تعبيراً واقعياً عن حضورها فيه وتحولها إلى نوع من وجدان أو ضمير فردي. الضمير الفردي الذي هو مصدر الشعور بالواجب الأخلاقي ليس سوى حضور الجماعة المعرفي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي في وجدان الفرد. وبهذا نكون إزاء عمليتين متجادلتين: استبطان العالم أو اجتيافه استهلاكاً، وتملكه إنتاجاً. الإنتاج والاستهلاك هما وجهان متلازمان لفاعلية الإنسان المميزة الحية الواعية والهادفة. واندماج الفرد في الجماعة واندماج الجماعة في الفرد هما أيضا وجهان متلازمان لهذه الفاعلية الجدلية فاعلية الإنتاج والاستهلاك، فمثلما تحول فاعليته المبدعة الفكر إلى واقع والواقع إلى فكر تحول الحياة الاجتماعية إلى حياة ثقافية وسياسية وإلى قوانين وشرائع وقيم أخلاقية، فضلًا عن العادات والتقاليد والأعراف والرموز. وإلى مؤسسات وبنى هي تحديدات ذاتية متباينة تباين الاتجاهات التي تنتظم الأفراد. فأفكار الفرد وقيمه ليست سوى أفكار وقيم جمعية محمولة على اختلاف الأفراد وتعارض مصالحهم.

ما دام الإنسان ينتج نفسه في التاريخ وفي العالم فإن لأفكاره وقيمه طابعاً تاريخياً نابعاً من العلاقة الأولية البسيطة والدائمة، علاقة الذات بالموضوع التي بمقتضاها تكون الكينونة الاجتماعية لحظة من لحظات الديالكتيك، أي لحظة من لحظات الصيرورة التاريخية التي لا تعرف لها بداية ولا نهاية. ففي كل لحظة تاريخية على الإطلاق نحن إزاء علاقة الذات بالموضوع الذي يكف تباعاً عن كونه موضوعاً طبيعياً خالصاً؛ لأنه بات نتاجاً للعمل البشري يستمد قيمته من الذات المتموضعة فيه. أي إنه يستمد قيمته من الإنسان فقط. وبهذا يغدو الموضوع ذاتاً وحياة، وتغدو المعقولية التي هي نسيج العالم والطبيعة معقولية الفكر ذاتها. أي إن الموضوع يغدو جملة حية أو واقعا مؤنسناً، وتتحقق فيه صفة الإنسان الجوهرية، بما هو طبيعة تعي ذاتها. وهذا معنى قول ماركس: إن العالم هو عالم الإنسان وإن ما فيه من جوهري وجذري هو الإنسان ذاته. إن مقولات الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والتبادل عند ماركس ليست فقط مقولات اقتصادية بالمعنى الوضعي للكلمة، أي ليست فقط من مصطلح علم الاقتصاد، بل هي من أسس علم الاقتصاد السياسي، ومن أسس علم التاريخ في الوقت ذاته، لأنها مؤسسة على فاعلية الإنسان الحية وكينونته الاجتماعية، أي على عملية ( سيرورة ) إنتاج الإنسان ذاته في العالم وفي التاريخ.. إن أخطر ما أصاب الماركسية من تشويه هو اختزالها إلى علم اقتصاد "اشتراكي" وضعي ينأى عن لب الماركسية وأساسها وعن العنصر العقلي فيها أعني الديالكتيك المنطلق في كل مرة من العلاقة الأولية البسيطة: علاقة الذات بالموضوع، علاقة الفكر بالواقع والوعي بالوجود والإنسان بالعالم .

هذا الأساس يجعل علم الاقتصاد السياسي فرعاً من علم التاريخ ومن علم الاجتماع السياسي وعلم النفس والأنتروبولوجيا، ومن المهم أن يعي جزئيته ووضعيته، أي أن يعي نفسه بوصفه فرعاً من فروع العلم، لا العلم كله كما تظنه ماركسية مبتذلة.

تحدد أشكال الاجتماع البشري بإنتاج البشر وجودهم الاجتماعي وبإنتاجهم الخيرات المادية والثروة الروحية، ولنقل إنها تتحدد بعملية الإنتاج الاجتماعي التي تحدد إشكال الملكية في ضوء جدلها الداخلي. لذلك كان من باب الاختزال والتبسيط التحدث عن المجتمع بمعزل عن عملية الإنتاج الاجتماعي. ولكن ما دمنا في نطاق المفاهيم الأولية لابد من الإشارة إلى الأهمية الحاسمة للغة في الاجتماع البشري فهي شرطه الأولي الضروري الذي لا يقوم الاجتماع إلا به، فضلاً عن كونها وعاء الثقافة ومادتها وفضلاً عن كونها شكل الفكر الذي هو شكل العالم وشكل الواقع. ولابد من الإشارة إلى العلاقة النوعية بين المرأة والرجل التي هي، أيضاً. شرط ضروري لإنتاج البشر أنفسهم، ومن ثم فإن اللغة والزواج شرطان أوليان للاجتماع البشري والإنتاج الاجتماعي بالتلازم الضروري. والأسطورة والدين والفلسفة والأدب والفن، مأخوذة في سياقها التاريخي وتعالقها الجدلي، هي محاور الحياة الفكرية والثقافية التي تعكس أنماطاً مختلفة للاجتماع يحددها العمل: فالالتقاط والصيد وتدجين الحيوان والرعي تحدد أشكال الاجتماع البدائية، والعمل الزراعي بشقيه النباتي والحيواني يحدد المجتمعات الزراعية وصولاً إلى الإقطاعية ومروراً بالعبودية والرق. والعمل الصناعي يحدد المجتمع المدني الحديث والمعاصر، وهذه الأشكال مأخوذة أيضاً في سياق تطورها التاريخي وتعالقها الجدلي الديالكتيكي. ومثلما ينجم التوزيع والتبادل عن الإنتاج والاستهلاك تنجم الحرب والتجارة عن سائر أشكال العمل وتلازم سائر أشكال الاجتماع، فلا نستطيع وهذه هي الحال أن نتحدث عن مجتمعات محاربة أو مجتمعات تجارية. إن أعظم ثلاث ثورات في تاريخ البشر هي، على التوالي، ظهور الاجتماع البشري والثورة النيوليتية، أي الثورة الزراعية من تدجين الحيوان وتكثيره إلى زراعة المحاصيل والاستقرار في الأرض وبناء القرى والمدن، ثم الثورة الصناعية الحديثة والمعاصرة. إن نمو العمل البشري وانبساط الروح الإنساني في العالم والتاريخ هما خير محددين للتحقيب التاريخي. ثمة تاريخ للعالم، تاريخ اجتماعي اقتصادي ومن ثم سياسي، وثمة تاريخ لنمو الروح البشري في العالم وفي كل مجتمع على حدة، هذا التاريخ متصل بنمو العمل البشري وتحوله وارتقائه. تعيينات هذا النمو هي التزايد المطرد لأفراد النوع البشري إثر الثورة النيوليتية وانطلاق عملية إعمار الأرض واستعمارها وقيام القرى الأولى أو المستقرات الأولى ثم الحواضر والمدن، وظهور الأساطير والديانات الأولى والفنون البدائية، ثم نشوء المدن – الدول وانطلاق سيرورة تحضر الإنسان وتحسنه. مع الثورة الزراعية النيوليتية، وظهور القرى الأولى في فلسطين وسورية والعراق وإيران وبرقة والمكسيك وغيرها، نما النوع البشري، ونما أكثر بكثير مع قيام الحضارات النهرية الكبرى: عصر البرونز والمدن الدول و"النمط الآسيوي للإنتاج" والاستبداد الشرقي، ثم عصر الحديد: اليونان وروما والمحراث الحديدي والعربة. ارتفع عدد البشر إلى 60 مليوناً ثم إلى مئة ثم إلى مئتين ووصل إلى 500 مليون مطلع الأزمنة الحديثة. هذا النمو الديموغرافي تابع لتعمق الثورة الزراعية. الإمبراطوريات الحمراء والسوداء ،(أمريكة وأفريقية ) عرفت العبودية الشغل العبودي والأضاحي البشرية وحققت إنجازات تقنية وعلمية وحضارة وثقافة. مع الثورة الصناعية ارتفع العدد إلى مليار في غضون أربعمئة سنة؛ ثم إلى نحو مليارين ونصف في خمسينات القرن العشرين؛ وإلى أكثر من خمسة مليارات في أيامنا. (عن موريس لانجيه، العبودية، ترجمة الياس مرقص، من مقدمة المترجم ص 54) الاجتماع لغة وثقافة ودين وقيم مشتركة تنجم جميعها من عملية الإنتاج الاجتماعي، جملة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية المتغيرة توصِّف الأفراد وتعيِّن موقع كل منهم ووظيفته في الحياة الاجتماعية وتحدد مواقع الفئات الاجتماعية على سلم الإنتاج ونصيب كل منها في الثروة الاجتماعية وفي ناتج العمل الاجتماعي، ولا يمكن أن تجد الحياة الفردية اكتمالها وتمامها إلا بها، ولا تبلغ الحرية تحققها إلا في رحابها.

المجتمع المدني مؤسس على مبدأ الاجتماع وجدله الداخلي الناجم عن تعارضاته الملازمة وانبساطه في العالم وفي التاريخ، ومؤسس أيضا على وحدة الأنا والآخر الجدلية، أي إنه مؤسس على مبدأ الإنسان، على الروح الإنساني الصائر موضوعياً إلى طريق آلام طويلة، في سيرورة / سيرورات معقدة فيها عنصر من دراما وماساة. وقد سبقت الإشارة إلى أن جميع العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية وجميع علاقات الإنتاج وجميع البنى والمؤسسات ليست، في نهاية التحليل، سوى الشكل الموضوعي للروح الإنساني، أي ليست سوى الإنسان مموضعاً أو ليست سوى الإنسان وقد غدا موضوعياً، لكي يمكنه حقاً أن يستعيد موضوعية العالم في ذاته. فليس بوسع الذات أن تدرك موضوعها ما لم تشاركه في الموضوعية، وفي هذا تتجلى أهمية العمل البشري وعظمته، أعني عمل الرأس واليدين. وما دام المجتمع المدني مؤسساً على مبدأ الإنسان فإنه مؤسس على التعدد والاختلاف والتعارض، وهذه ناجمة في الأصل عن الفروق الطبيعية ولا سيما البيولوجيية منها. وما دام هذا الثالوث مركوزاً في الطبيعة وفي العالم الواقعي فإن تجاهله أو محاولة القفز من فوقه مجافاة للطبيعة والواقع ومن ثم مجافاة للعقل، فالحياة الاجتماعية والسياسية المتسقة مع مطالب العقل هي التي تعترف بجذرها الطبيعي وكينونتها الواقعية. في ضوء هذه التحديدات الأساسية تبدو جميع التحديدات اللاحقة تابعة، على الرغم من أهميتها وضرورتها. ولعل أهم هذه التحديدات هي الآتية:

المجتمع المدني، Civil Society مجتمع غير إكليركي، أي إن المؤسسة الدينية فيه واحدة من مؤسساته المهمة تناط بها وظائف اجتماعية وأخلاقية، ولكنها مؤسسة غير حاكمة بجميع المعاني، أي إنه مجتمع علماني تنمو فيه الأديان والمذاهب والأيديولوجيات بحسب قوانينها الخاصة. ودولته السياسية محايدة حياداً تاماً إزاء جميع الأديان والمذاهب والمعتقدات والأيديولوجيات، بما فيها الأيديولوجيات العلمانية ذاتها. فمفهوم المجتمع المدني الحديث يستبعد دولة الأقلية الأوليغارشية أو دولة الطغمة ودولة العشيرة ودولة الحزب الواحد بقدر ما يستبعد الدولة الدينية. آية ذلك أن الحياة الاجتماعية في هذا الطور المتقدم من أطوار نمو الروح الإنساني لم تعد تجربة دينية خالصة، بل لم تعد تجربة دينية أساساً؛ لأن الدين نفسه قد تموضع في العلاقات والمؤسسات والبنى الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والسياسية أيضاً، واندرج في جدلها الداخلي، لذلك كان نقد الدين، في صيغته الدنيوية المتحققة، أي في صيغته الوضعية، مدخلا لنقد السياسة، كما قال ماركس، وسيأتي بيان ذلك في مكانه من البحث في هذا الكتاب.

بيد أن المجتمع المدني لا يعارض الدين بأي وجه من الوجوه، بل يعارض، بالأحرى، سلطة المؤسسة الدينية الرسمية التي تدعي لنفسها العصمة والحق في القوامة على شؤون الدولة والمجتمع وعلى حياة الناس. فإن قيام سلطة دينية معينة إنما يتعارض مع واقع التعدد الديني والمذهبي في المجتمع الذي يفترض أن تكون الدولة تعبيراً عن كليته وتحديداً ذاتياً لوجوده .

2- يقوم المجتمع المدني على مبدأ المجموعات التشكلية الحرة التي تحدد انتماء الفرد إلى أي منها جملة من العلاقات والروابط الضرورية والإرادية، وهذه المجموعات هي بالأحرى مجموعات حديثة، كالفئات والطبقات الاجتماعية والنقابات والأحزاب والجمعيات وما إليها. ولعل أهم مضامين حداثتها أنها لا تقوم على "الروابط الأولية"، روابط القرابة التقليدية ولا على عناصر الهوية ما قبل القومية، من دون أن تنفي تلك العناصر، إلا بالمعنى الجدلي. العلاقات والروابط التي تحدد انتماء الفرد إلى واحدة أو أكثر من هذه المجموعات، بالمعنى الرياضي للكلمة، هي العلاقات التي يقررها العمل وعملية الإنتاج الاجتماعي وتقررها المنفعة أو المصلحة مفهومة فهما صحيحاً، فضلا عن العلاقات الإرادية كانتساب الفرد إلى هذا الحزب أو ذاك أو زواجه من هذه المرأة أو تلك على سبيل المثال. أي إن العلاقات الضرورية تحددها عملية الإنتاج الاجتماعي بما تنطوي عليه من إنتاج واستهلاك وتوزيع وتبادل ومن تقسيم معين للعمل وشكل محدد للملكية، فالمجتمع المدني من هذه الزاوية هو ميدان الضرورة، والحرية في نطاقه هي وعي هذه الضرورة وتعريتها من المعتقدات الشعبية السائدة ومن الأقنعة الأيديولوجية والثقافية التي تسوغها، وذلك بردها إلى أصلها، أي إلى العمل البشري، عمل الرأس واليدين. وبهذا فقط يصبح البشر قادرين على تحسينها أو تغييرها. والصفة الملازمة للمجموعات التشكلية التي يطلق عليها اسم مؤسسات المجتمع المدني هي الحرية، فمن دون الحرية ينتفي الطابع المدني لهذه المؤسسات ونعني بالحرية حرية الفرد الاجتماعي بصورة أساسية. فالمجموعة الحرة بالتعبير الرياضي، وهو التعبير الأكثر لصوقاً بالواقع، هي التي تكون جميع عناصرها حرة، وإن تقييد أحد عناصرها يجعل المجموعة كلها مقيدة. وهذا يعني أن الجملة الاجتماعية لا تكون حرة إلا إذا كان جميع أعضائها أحراراً. فإذا انتقصت حرية بعضهم انتقصت حرية الجميع، مهما كان عدد هؤلاء الذين انتقصت حريتهم ضئيلاً. إن مفهوم المجتمع المدني الحديث يتحدد أولاً بهذه الحيثية، إذ يرى كل فرد فيه حريته في حرية الآخرين، وهذا معنى أن حريتي هي حرية الآخر أولاً.المجموعات الحرة فقط هي المؤسسة للمجتمع المدني ومن ثم للدولة الديموقراطية. إن أي فرد في المجتمع المدني هو مواطني أنا والظلم أو الحيف الذي يقع عليه يقع علي. المواطنية هي العلاقة الأساسية أو المحورية في المجتمع المدني؛ لأنني يمكن أن أنتخب شخصاً يمثلني في المؤسسة التشريعية لا تربطني به سوى هذه العلاقة، وقد لا أكون على معرفة شخصية به، فالمعرفة الشخصية والروابط الأولية التقليدية ما قبل القومية تكف عن كونها روابط سياسية.

3- المجتمع المدني هو الحالة الاجتماعية التي تحقق للأفراد اندماجاً أعمق في وسطهم الطبيعي والاجتماعي، إذ تجمع بينهم في العمل، في صيغته الجديدة، بصورة وثيقة، وهو جمع تقتضيه الضرورة التي أشرنا إليها، فرب العمل لا يستغني عن العامل والمنتج لا يستغني عن المستهلك وبالعكس مما يمنح الأفراد قيمة فعلية هي أساس مساواتهم أمام القانون، في حين يقيم بينهم شكل الملكية فروقاً وحواجز وتعارضات لا تني تتعمق طرداً مع تركز الثروة والقوة والسلطة في أيدي فئة اجتماعية تتمايز مصالحها وتستقل تدريجياً عن المصلحة العامةً الوطنية / القومية وهو استقلال لايمليه جشع هذه الفئة وسوء طويتها، بل يمليه في الواقع كونها جزءاً من المجتمع والجزء لا يستطيع أن يحدد الكل. إن اندماج الأفراد في وسطهم الطبيعي والاجتماعي هو الذي يولد فيهم النزوع إلى الكلية ويظهر لهم الفروق والتعارضات الملازمة على حقيقتها، ويولد لديهم من ثم وعياً بشرطهم الاجتماعي. هذا الاندماج نتيجة منطقية لتحلل البنى والتشكيلات ما قبل القومية وتعارض العلاقات التقليدية مع العلاقات الاجتماعية الحديثة الناشئة، فتحرر الفرد من أسر الروابط الأولية هو في الوقت ذاته اندماج في واحدة أو أكثر من البنى الحديثة مقدمةً لازمةً لاندماجه في الكل الاجتماعي ومن ثم في الدولة المعبرة عنه. ولهذا يبدو ضرباً من المستحيل
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 43
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مفهوم المجتمع المدني وراهنيته1

مُساهمة  احمد حرشاني في 3rd يونيو 2011, 02:41




الأسس الليبرالية


بزغت فكرة المجتمع المدني، في أوسط القرن السابع عشر، على أساس أن المجتمعات البشرية هي من إنتاج البشر أنفسهم، وأن السلطات السياسية من أصل مجتمعي دنيوي؛ ومن ثم، فإن المجتمعات البشرية والسلطات السياسية هي بنت التاريخ، لا بنت الطبيعة، كـ "مجتمعات الحيوان"، وما دامت كذلك، فهي ليست حالة طبيعية ولا تجلياً لروح كوني، لاهوتي. الاجتماع البشري ابن التاريخ، واجتماع الحيوان ابن الطبيعة. هذا التمييز الحاسم مؤسس على النظر إلى الإنسان بصفته كائناً نوعياً، يمتاز من سائر الكائنات الطبيعية بالعقل والوعي والإرادة، وبقدرته على إنتاج ذاته في العالم وفي التاريخ. هذه الرؤية كانت ولا تزال تعارض الرؤية الطبيعية من جهة، والرؤية اللاهوتية من جهة أخرى. الرؤية الطبيعية والرؤية اللاهوتية تتقاطعان في نفي إرادة البشر وحريتهم. مما يدفع إلى القول: إن فكرة المجتمع المدني مؤسسة على فكرة الحرية، في معارضة الحتمية الطبيعية والقدرية اللاهوتية على السواء، أولاً. وعلى فكرة الدنيوية (العلمانية) التي تقيم فكرة المجتمع والدولة على فكرة العقل، ثانياً وعلى فكرة التاريخ، بوصفه حركة انبثاق الأشياء والظاهرات من القوة (الإمكان) إلى الفعل (الواقع)، وتوقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، ثالثاً[15]. ونكاد لا نجد في تلك البداية الباكرة فروقاً تذكر بين مفاهيم المجتمع المدني والمجتمع السياسي والجسم السياسي؛ ومنذ ذلك الحين ارتبطت فكرة المجتمع المدني بفكرة الدولة الدنيوية، العلمانية التي لا تعدو كونها "إنساناً صنعياً" كالمجتمع الذي ينتجها. ولما كان كل تقدم ينطوي على عودة إلى بدء ما، فليس من الممكن فهم مقولة المجتمع المدني في النسق أو النظام المعرفي الذي تندرج فيه اليوم من دون العودة إلى هذه البداية التي تضع المجتمع المدني في معارضة "المجتمع" الطبيعي من جهة، والمجتمع الإكليركي، البطريركي، اللاهوتي، التراتبي (الهيرارشي)، من جهة ثانية. وعندنا، تقوم اليوم دعوة المجتمع المدني في معارضة المجتمع التقليدي، أو ما يسميه بعضهم "المجتمع الأهلي".

قد يستهجن الدارسون اليوم تزامن فكرة المجتمع المدني والدولة الدنيوية، العلمانية، في الغرب، مع الدعوة إلى الحكم المطلق، الدعوة إلى الملكية المطلقة التي نادى بها مؤسسون تركوا أثراً واضحاً في الفكر السياسي العالمي: ماكيافل وبودان وهوبز وبوسويه وغيرهم؛ قد يستهجن الدارسون هذا التزامن إذا لم توضع المسألة في إطار الانتقال من العصور الوسطى الإقطاعية إلى العصر الحديث، أو في إطار الخروج من الانحطاط إلى النهضة. ففكرة المجتمع المدني والدولة العلمانية، وهما وجهان لعملة واحدة أو مدخلان نظريان وواقعيان، تاريخيان، يفضي كل منهما إلى الآخر بالضرورة، مرتبطة أوثق ارتباط بفكرة النهضة التي قامت على مبدأ الإنسان بصفته معياراً لجميع الأشياء وجميع القيم. عملية الانتقال تلك كانت بالأحرى انتقالاً من التشظي إلى الوحدة، مع الدول الكبرى التي ستغدو دولاً قومية (فرنسا وإنكلترة وإسبانيا خاصة). وفي هذا الأساس تكمن العلاقة بين المجتمع المدني والدولة القومية، إذ ستغدو فكرة المجتمع المدني معادلاً واقعياً لفكرة الأمة الحديثة. الإطلاقية نقيض الإقطاعية وتعبير مكثف عن الحاجة إلى المركزة والتوحيد، إنها نقيض التفتت الإقطاعي، ولكنها لا تعني الاستبداد والطغيان.[16]وإذا كانت الإطلاقية نتيجة لأزمات عاصفة اقتصادية وسياسية ودينية مهدت لتغيرات عميقة في الحياة الأوربية، فإنها في الوقت ذاته نتيجة سيادة الرأسمالية المركنتيلية التي ازدهرت في القرن السابع عشر، وأفضت إلى الرأسمالية الصناعية الحديثة. فبموجب المذهب التجاري أو العقيدة المركنتيلية، كان يجب مراكمة الذهب والفضة المجلوبين من ما وراء البحار، وتنمية الإنتاج القومي إلى أقصى حد ممكن. وحماية الصناعات الحديثة من المنافسة الخارجية، وتشجيع قيام الشركات التجارية الكبرى، كالشركة الهولندية للهند الكبرى، والشركة الإنكليزية للهند والشركة الفرنسية للهند الغربية وللهند الشرقية. ولذلك التقت مصالح التجار ومجهزي السفن مع مصالح الدولة المتجهة نحو المركزية ونحو بسط سلطانها على إقليمها وسكانه. ويرى كثير من الباحثين أن القرن السابع عشر كان حقبة ثورة علمية؛ فقد كان عصر فرنسيس بيكون وكيبلر وغاليلي وديكارت وباسكال وريسلي وهارفي ونيوتن، وفي هذه الحقبة تأسست الجمعية الملكية البريطانية (1660) وأكاديمية العلوم (1666)، وأخذ العلماء يتراسلون فيما بينهم من بلد إلى بلد.[17]

وإلى ذلك تضاف رؤية حقوقية جديدة قائمة على مفهوم الحق الطبيعي، مع هوغو غروتيوس (1583-1645) "واضع مبدأ الحق الطبيعي" كما يصفه برهييه، ولا سيما في كتابه "قانون الحرب والسلم" (1625)؛ فقد رأى أن بوسعه وضع قواعد كلية وعامة وملزمة للناس قاطبة في علاقات العنف القائمة فيما بينهم؛ فالبت في ما إذا كانت الحرب عادلة أو ظالمة، وفي ما إذا كان يحق للعاهل أن يفرض على رعاياه ديانة بعينها، وأين تبدأ مشروعية سلطته وأين تنتهي لا يكون من وجهة نظر أفراد معينين بل من وجهة نظر العقل اللاشخصي، وباسمه. والعقل اللاشخصي يتوافق مع القانون الطبيعي بصفته نظام العقل، يأمر بعمل وينهى عن آخر تبعاً لاتفاق هذا العمل أو ذاك أو عدم اتفاقه مع طبيعة الموجود العاقل. وهذه قاعدة لا اعتساف فيها، وليس بالمستطاع تغييرها.[18] القانون الطبيعي، في نظر غروسيوس أو غروتيوس هو "قرار عقل سليم ينظر في أمر من الأمور فيحكم عليه بحسب مناسبته أو مخالفته للطبيعة العاقلة المؤانسة، هل هو فاسد أخلاقياً أم غير فاسد، وبالتالي هل هذا العمل هو واجب أو مخلوق من قبل الله خالق هذه الطبيعة".[19] فالمعقول والاجتماعي معياران حاكمان على كل فكر وعمل. ولا بد من الإشارة هنا إلى تقدم العلوم الذي أسهم في نشوء تصور علماني للطبيعة، وتصور عقلاني للحقوق.

والنهضة الفكرية التي مهدت لذلك الانتقال كانت حركة فكرية تحريرية بدأت في أواخر القرن الخامس عشر، وتفتحت في الربع الأول من القرن السادس عشر، وراحت تقوِّض تدريجياً الأسس المادية والفكرية والروحية للعصر الوسيط والنظام الإقطاعي، متخذة من العالم الكلاسيكي اليوناني والروماني الباكر أنموذجاً ومثالاً، في صيغة اكتشاف الأسس والمبادئ والأفكار والمناهج والقيم، وإعادة إنتاجها، لا في صيغة محاكاة أوتقليد أعمى، بل في صيغة نقد وإعادة بناء. فلم تكن النهضة انبعاثاً أو بعثاً لماض كان، أو لعصر ذهبي من عصور الماضي، بل كانت ولادة لشيء جديد لم يعرف من قبل، وأهم انقلاب متدرج عرفه العالم حتى ذلك الحين. بل إن النهضة أكثر من ذلك بكثير، إنها رفض السلطة المزدوجة لكل من البابا، في ما هو روحي، والإمبراطور في ما هو زمني، أي رفض وجود سلطتين متعارضتين: روحية وزمنية، وحصر السياسة بما هي تدبير شؤون المجتمع والدولة في الثانية.

لديكارت الذي وضع مبدأ "أنا افكر إذن أنا موجود" بصفته الحجر الأول لفلسفة جديدة، أسلاف، من عصر النهضة، هم أكثر من أسلاف، "مومولوج فاوست نفسه لا يمكن تصوره بدون حركة النهضة؛ إنها تعيش في العنصر البروميثيئي الذي استعاه غوته؛ لقد سمحت للإنسانوي سكاليجر أن يرى في برميثيوس "الإله الآخر" الذي ينقض إلى السماء ليأتينا بالنار وليؤسس بشرية جديدة، وهو تصور يعارض عموماً التصور المؤيد في العصر القديم والذي لم يكن يرى في بروميثيوس سوى سارق. فاوست وبروميثيوس هما وجها الصدارة في سفينة النهضة ولا يمكن أن يفصلا عن صورتها. إن عصر ما قبل ديكارت هو عصر الـ تيليزيو Telesio، باتريشي Patricci، بومبونازي pomponazzi، جوردانو برونو الذروة ثم عصر كامبانيلا Campanella. إنه في ألمانية عصر باراسلس paracelse، وياكوب بوهم jacob Boehme ، في إنكلترة عصر فرنسيس بيكون الذي أنجب العلوم الطبيعية الرياضية المشتقة من الفلسفة، من تصور جديد لفبثاغور؛ وها هم غاليليه Galilee ، كيبلر Kepler ، نيوتن Newton ؛ وها هو الحق الطبيعي البورجوازي، أيديولوجية التحرير البورجوازي العظيمة، في حين أن مذهب العقد الاجتماعي لـ ألتوسيوس Althusius وغروتيوس Grotius سيكون أداة فعالة في يد رجال الثورة الفرنسية؛ التيار المضاد – المفيد والدال يبرز مع ماكيافل machiavel وبودان Bodin وهوبز Hobbes أخيراً يجمع مذهب العقد الاجتماعي لمستوحى من الحق الطبيعي مع نزعة واقعية عفيفة وزاهدة"[20].

أوربة الناهضة من رماد الإمبراطورية الرومانية، ومن ظلام العصور الوسطى وظلمها تزرع في أذهان أبنائها وقلوبهم بذور البحث والاكتشاف والمغامرة والنقد والفحص والفكر الحر. المفكرون والعلماء والفلاسفة والأدباء والفنانون يحطمون أوثان الدوغما، ويضعون الإنسان في مركز العالم سيداً لنفسه ومصيره، وحاكماً على التاريخ برمته، يمارس سلطته الخاصة على طبيعته التي غدت مقطوعة عن أي جذور دينية أو عادات وثنية. وتفتتح عصر العقل ودمج العلم بالعمل، عصر التكنولوجيا، والكشوف الكبرى: كشف أمريكة، وكشف الهند من طريق رأس الرجاء الصالح، وكشف الطباعة، وما سيليها من كشوف. أوربة الناهضة تشرع في التكور على ذاتها لتصنع تاريخها الداخلي وتفرضه على العالم الذي سيتسم بسمة قيض لها أن تكون أوربية، أعني نمط الإنتاج الرأسمالي الملازم تاريخياً ومفهومياً للمجتمع المدني الحديث والدولة القومية الحديثة. وفضلاً عن ذلك يعود إنسان الإصلاح الديني إلى العالم. الفردوس الضائع لملتون ينتهي كما يقول ويبر بدعوة إلى العمل في العالم، خلافاً لروح الكوميديا الإلهية.[21] فقد أسهم الإصلاح الديني في بناء تصور أخلاقي جديد ملائم للرأسمالية، تحت مقولة "العمل عبادة". هذا التصور هو عنصر في تصور أشمل، تصور عقلاني للعالم يدمج الإنسان في الطبيعة، وينبذ جميع أشكال ثنائية الجسد والنفس، العالم الإنساني والتعالي.[22] ميز لوثر اللاهوت من الفلسفة، بل فصل ما هو من العقل وما هو من الإيمان، هذا الفصل الذي سيعزز حرية الضمير، كان مفتوحاً على اتجاهين متناقضين، التاريخ وليس لوثر أو سواه حكم لمصلحة الأنسنة والعلمنة والعقلنة، لمصلحة "حرية الاختيار"، التي نادى بها إراسم قبل ذلك. مع أن التعارض سيظل قائماًً بين جملة الميول والآليات الدافعة نحو العقلنة وميل مضاد وعنيد نحو الذاتية المتجهة نحو الألوهية، سواء بالمحبة أو بتملك العالم بالمعرفة والعمل.

قبل ذلك كان ماكيافل قد حقق إنجازاً، على صعيد السياسة، لا يقل عن إنجاز كوبرنيكوس، على صعيد المعرفة؛ الأول، ماكيافل حرر السياسة من اللاهوت، والثاني، كوبرنيكوس، حرر العلم من اللاهوت، بعد أن كانت العلوم "عذراء منذورة للآلهة". كتاب "الأمير" ( 1512) كان أول كتاب إيطالي، بل أوربي، يعالج السياسة على أنها شأن بشري خالص تحتاج إلى "قوة الأسد ومكر الثعلب". وإلى "قوانين جيدة وأسلحة جيدة"، و "القوات القومية" المؤلفة من مواطني الأمير هي وحدها الأسلحة الجيدة، فـ "كم يستحقون اللوم الأمراء الذين ليس عندهم جيش قومي"، كما قال ماكيافل. وما من شك في أن القوة والغلبة، أو الشوكة والعصبية، بتعبير ابن خلدون، كانتا ولا تزالان مبدأ السياسة، والأساس الذي قامت عليه الدول والممالك. "فجميع الأنبياء المسلحين انتصروا، وغير المسلحين أهلكوا أنفسهم". وليس غريباً، وهذه هي الحال، أن يقوم علم السياسة على فن استعمال القوة لإدارة الدولة والمجتمع، أو لإدارة البشر والأشياء. لكن القوات القومية ليست كل شيء، فلا بد من مؤسسات قومية حديثة تعبر عن الطابع المجتمعي الكلي للدولة. وهذه المؤسسات هي ميدان التعارض والصراع بين أنصار القديم وأنصار الجديد.

الدول، في نظر ماكيافل، تبنى وتشاد، والحكم يورث ويكتسب ويضيع؛ وثمة أساليب أربعة للسيطرة على الحكم توافقها أساليب للمحافظة عليه أو لتضييعه؛ فالأمير يحصل على الحكم بالحظ virtu وبأسلحته الخاصة، أو بالحظ وبأسلحة الآخرين، أو بالوغدنة، أو بموافقة مواطنيه. والإمارة إما أن تكون استبدادية أو أرستقراطية أو جمهورية (شعبية أو ديمقراطية). ولئن كان ماكيافل ميالاً إلى النمط الأول فلأنه كان يعتقد أن الحرية قد عجزت عن توحيد إيطاليا، فلعل السلطة المطلقة للأمير تفلح في ذلك. فإن "سر ماكيافل الأعلى، سر قلبه وعقله" كان توحيد إيطاليا وتخليصها "من البرابرة". وكتاب الأمير غدا عَلَماً على السياسة الوضعية العارية من أي عنصر قيمي أو أخلاقي، والقائمة على مبدأ قوة الأسد ومكر الثعلب، وعلى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، عَلَماً على سياسة تستمد جميع مقوماتها من واقع البشر المفطورين على الحاجة والرغبة والخوف، والساعين إلى تلبية حاجاتهم وإشباع رغباتهم في ظل الأمن والاستقرار والسلام. هدم ماكيافل بضربة واحدة فكرة الحق الإلهي والتفويض الإلهي، وفكرة السلطة المزدوجة، وأقام السياسة على أسس دنيوية خالصة وموضوعية صرفة.

الأيديولوجية العامة للعالم الوسطوي تترنح تحت طغيان الكنيسة وكثرة "البدع" و "الهرطقات" ذات الطابع الاحتجاجي، ثم تأخذ بالانهيار بفعل حركة الإصلاح الديني. تضافر تحرير العلم والسياسة من اللاهوت مع تحرير الإنسان، أي تحرير الوجدان الفردي وتحرير المجتمع والدولة (عالم الإنسان) من طغيان الكنيسة المركزية. "مارتن لوثر (1483-1546) راهب أوغسطيني واستاذ لاهوت في عصر النضج والثورة والهداية، تقواه الحامية والقلقة تثور أمام مشهد بيع صكوك الغفران: الكنيسة حاملة مفاتيح السماء فتحت بنكاً هنا (تحت)، خليفة بطرس الرسول (البابا) يريد أن يبني له كنيسة في الدنيا الفانية تليق بدار البقاء ... لوثر يعلن على الملأ أن الغفرانات معاكسة للكتاب (1517)، يلقى عليه الحرم ويطرد خارج الكنيسة، سفينة نوح التي لا نجاه خارجها (1520)، لوثر يضع مذهبه: الإنجيل هو القانون الوحيد، الخلاص يأتي بالإيمان لا بالأعمال – الممارسات الخارجية (الشعائر والعبادات)، ثلاثة أسرار (مقدسات): عمادة ومناولة أو مشاركة وتوبة، بدلاً من سبعة في الكاثوليكية (عمادة، تثبيت، مناولة، توبة، مسحة ما قبل الوفاة، رهبنة، زواج). الطقس العبادي يبسَّط، الصلوات تتلى بلغة أهل البلد، لا باللاتينية، الصور تحذف من الكنائس، ووزراء العبادة (الكهنة أو خادمو العبادة) يمكن أن يتزوجوا. لوثر يترجم الكتاب المقدس إلى الألمانية، "يطهر اسطبلات اللغة الألمانية عدا عن تطهيره اسطبلات الكنيسة" (إنغلز)، يؤسس اللغة الشعبية – الأدبية القومية لجميع الألمان، وهذا عمل من صميم النهضة في مختلف البلدان، يطور الموسيقا الدينية، يضع "النشيد" المعروف باسمه، الكورال اللوثري، ولا سيما أناشيد: ربنا حصن آمين، الله ونفسي، الله مات (الله نفسه مات: المسيح). إلى هذا الخط سوف يكون باخ وهيغل، الموسيقى الكلاسيكية الألمانية في أساسها (ولا بيتهوفن بلا باخ) والفلسفة الألمانية في ذروتها وخاتمتها. الرسم يموت في ألمانية، لكنه يبلغ ذروته في هولندة (ق 17).

لوثر قام بعملية تذويت قطعية. هذا جوهره. الغى الكاهن الخارجي. دخل الكاهن جوانياً، جعل كل إنسان كاهناً او رتهباً (وهذا أمر مرعب)، رقيباً إلى نفسه. وكل موقفه ضد الأعمال – الممارسات الخارجية وحساب الأعمال الكاثةليكي في الميزان، وضد الصور في الكنائس مرتبط بهذا الموقف الجوهري: الجوانية، بهذه البذرة، النواة الذاهبة ضد جماعية و"جمعية" وقطيعية "الجماعة" البذرة التي هي أيضاً موقف المسيحية الأولى: روما الأخيرة، أفول الرق، عالم الإمبراطورية وأفوله، انبساط الاقتصاد السلعي "البورجوازي"، الرواقية ، أوغسطين، البذرة التي لا غنى عنها لإقامة مجتمع مدني هو مرحلة ضرورية في التاريخ الكوني – بسط الإنسان. ولوثر أجرى تطويراص مهماً إلى مفهوم الدعوةن "النداء"، حسب رأيه: ليس الكهنوت – الرهبنة – خدمة العبادة هي أو هي وحدها "دعوة"، بل العمل، المهنة، الحرفة، إذن الشغل مأخوذاً بوصفه حياة فرد في مجتمع اعمال – مهن. (العمل عبادة)[23].

الإصلاح الديني، اللوثرية والكالفينية، والإصلاح الكاثوليكي المضاد الذي اضطلع به مجمع ترانت (1545-1563) ورهبنة اليسوعيين التي تأسست عام 1534 ، الإصلاح الديني كان تمهيداً لتحرير الدولة من الدين، وتحرير الدين من الدولة، وبفضله قامت الكنائس الوطنية التي عززت مبدأ الدولة الوطنية / القومية. اللغة القومية لكل أمة غدت هي لغة الدين والثقافة بوجه عام، وتموضع الدين في المجتمع المدني تحت مظلة الدولة القومية، ولا يزال الأمر كذلك حتى يومنا.

"الفاعلية هي الشعار الجديد، الإنسان الجديد يعمل، لم يعد يخجل من العمل. الحرم الذي كانت طبقة النبلاء قد ألقته على الشغل المعتبر مذلاً ومشيناً يرفع؛ نشهد ميلاد "الإنسان الصانع" الذي، بدون أن يعي تماماً التغير الحاصل، يحول العالم بنشاطه. إن اقتصاد بدايات الراسمالية يفرض تفسه بحزم، وبورجوازية المدن المتحالفة مع الملكية السائرة نحو الحكم المطلق تضع حداً للإقطاعية الفروسية" ... من إيطاليا انطلقت حركة النهضة. لقد حملت واقعتين جديدتين: وعي الفرد كما نما وتطور ذهاباً من الاقتصاد الراسمالي الفردي في مواجهة السوق المغلقة لطوائف الحرف؛ انطباع الاتساع واللامحدودية الذي حل محل صورة العالم المصطنع والمغلق للمجتمع الإقطاعي واللاهوتي"[24].

بعد ماكيافل، وضده، وبخلاف كلبيته، يكتب بودان، سلف مونتسكيو،عام 1576، كتاب "الجمهورية" ويصف الجمهورية، أي الدولة، في مطلع الفصل الأول من الكتاب بأنها "حكومة حق، حكومة قويمة droit gouvernement لعدد من المنازل ( الأسر)، ولما هو مشترك بينها، مع سلطة سيدة" يميز فيه على نحو واضح الدولة من السلطة ويؤسس مبدأ السيادة، منطلقاً من كون الإنسان أساس الدولة، لا مادتها أو موضوعها فحسب. والجمهورية (الدولة) عند بودان تعني الشيء العام، والاشتراك السياسي، لا مجرد نظام حكم يعارض المونارشية، الملكية أو الإمبراطورية، أو الاستبدادية أو الأرستقراطية، والاشتراك السياسي مؤسس على مبدأ ملازم هو الشرعية، أي مطابقة الحكم للقيم الأخلاقية من عقل وعدل ونظام بالمعنى الأرفع.

ربما كان الفارق النوعي بين بودان وماكيافل هو أن بودان عني بمضمون الحكم، في حين كان هم ماكيافل منصرفاً إلى الشكل فحسب. تقصى ماكيافل جميع أنواع الإمارات في التاريخ، وأسباب نشوئها وزوالها، وأساليب السيطرة على الحكم والاحتفاظ به أو تضييعه، في حين صرف بودان همه إلى أصل الدولة، وإلى الشروط التي تجعل منها دولة قويمة متسقة مع مطالب العقل. ولذلك اختلف مفهوم القوة لدى كل منهما. مبدأ ماكيافل هو سيادة القوة، ومبدأ بودان هو قوة السيادة. السيادة عند بودان هي "قوة تلاحم الجماعة السياسية واتحادها، بدون هذه القوة تتفكك الجماعة وتنهار؛ وقوام السيادة هو تبادل الأمر والطاعة الذي تفرضه طبيعة الأشياء على كل مجموعة بشرية تريد أن تعيش. السيادة هي القدرة المطلقة والدائمة لجمهورية من الجمهوريات. وديمومة السيادة هي البقاء الطبيعي لشكلها الاجتماعي. لكن ماكيافل وبودان حسما قضية المجتمع المدني، كل بطريقته، مع فارق أن الأول جعله موضوعاً لإرادة الأمير، والثاني جعله ذاتاً وموضوعاً في آن معاً. والفرق بين الرؤيتين يعبر عن فارق تاريخي بين أوضاع إيطاليا في زمن ماكيافل وأوضاع فرنسا في زمن بودان. الفكر هو فكر الواقع وشكله المجرد.

مفهوم السيادة المطلقة عند بودان هو بالأحرى مفهوم دنيوي، علماني؛ "السمة الأولى للأمير السيد هي القدرة على إعطاء القانون للجميع بوجه عام، ولكل واحد بوجه خاص .. بدون موافقة أعلى أو مثيل أو أقل من الذات" وإلا فإنه تابع حقيقي. و "القانون يستطيع كسر الأعراف، والعرف لا يستطيع مخالفة القانون". السيادة، بحسب بودان، يمكن أن تقوم، نظرياً، في الكثرة (ديمقراطية) أو في أقلية (أرستقراطية أو أوليغارشية) أو في رجل واحد (مونارشية، ملكية)[25]، وهي في جميع الأحوال في مصلحة توحيد فرنسا وبلورة كيانها القومي ودولتها المركزية. السيد بالتعريف هو من لا يستمد سيادته من غيره، من البابا أو من سواه. سيد بودان وأمير ماكيافل علمانيان مبدئياً ونهائياً. أحدهما هو الواقع (ماكيافل) والثاني هو الممكن (بودان).

بودان وماكيافل كانا يذهبان، من طريقين مختلفين، إلى تقويض أسس الإقطاعية: تسلسل السيادات والولاءات والروابط الرئاسية الشخصية، وانقسام السلطة العامة إلى ما لا نهاية، وخلط السلطات العامة والسلطات الخاصة، وازدواجية السلطة الدينية والسلطة الزمنية.. إلخ؛ فضلاً عن المحلوية ولا مركزية السيادة، وفضلاً عن الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار. ويمكن تلخيص رؤيتيهما بعقلنة السياسة وعلمنتها. والرؤيتان كلتاهما، على ما بينهما من تعارض، تعبران عن تحولات اجتماعية جذرية، مع صعود الرأسمالية الميركانتيلية، التجارية، وعبادة المعدن الثمين، الذهب والفضة، وبروز فكرة الاستقلال القومي. وتجدر الإشارة إلى أن المونارشية أو الملكية المطلقة التي ينشدها بودان ليست مونارشية طغيانية، بل نظام حكم عقلاني متسق مع "قوانين الطبيعة" التي هي قوانين العقل الإلهي، ويحترم حرية الرعايا ويصون حقوقهم، ولا سيما حق الملكية. هذه المونارشية الملكية أو الشرعية رعاياها "يطيعون المونارش، والمونارش يطيع قوانين الطبيعة، وتبقى الحرية الطبيعية وملكية الأملاك للرعايا".

التوتر الذي يقبع في أساس الرؤية النهضوية هو التوتر والتعارض بين الحرية والنظام، بين الحرية والقانون، بين العشوائية والانتظام، بين تشظي السيادة أو ازدواجها من جهة، ووحدتها ومركزيتها من الجهة المقابلة.

هوبز، في اللوياثان 1651، يحسم دنيوية الدولة أو علمانيتها، وانبثاقها من المجتمع المدني بالتعاقد والتوافق والتواثق، بعد أن حسمها التاريخ على هذا النحو. الدولة إنسان موضوعي صنعه الإنسان. وهذا الإنسان الصانع هو المجتمع المدني، وهي أشبه بكائن أسطوري، لوياثان، أو تنين، "يدعى شيئاً عاماً chose puplique أو Etat دولة commonivealth، ثروة مشتركة، باللاتينية civitas الذي ليس شيئاً آخر سوى إنسان صنعي، وإن كان ذا قامة أعلى بكثير وقوة أكبر بكثير مما للإنسان الطبيعي وقد صنع من أجل حماية الإنسان الطبيعي والدفاع عنه. السيادة فيه نفس مصنوعة، مصطنعة، ما دامت تعطي الحياة والحركة للجسد بأسره، .. الثواب والعقاب أعصابه، رفاهية جميع الأفراد وثرواتهم قوته، خلاص الشعب وظيفته، العدل والقوانين عقله وإرادته الصنعيان، الوفاق صحته والفتنة مرضه، والحرب الأهلية موته، وأخيراً، المواثيق والتعاقدات التي رأست في الأصل تأسيس هذا الجسم السياسي وتجميع أجزائه وتوحيدها تشبه الـ fiat أو faisons I homme "لنصنع الإنسان" التي لفظها الله عند الخلق".[26]

فكرة الإنسان الصنعي سنجدها عند كارل ماركس في المخطوطات الفلسفية والاقتصادية لعام 1844 على نحو يجعل من المجتمع المدني إنساناً مموضعاً ومن الدولة شكله السياسي وتحديده الذاتي. مادة هذا الإنسان الصنعي وصانعه هما الإنسان ذاته. الإنسان، الفرد الطبيعي، الواقعي، هو أساس الدولة. لكن الانتقال من الإنسان الطبيعي إلى الإنسان الصنعي لا يمكن أن يكون من غير توسط أو وساطة ما سيطلق عليه اسم "العقد الاجتماعي". لننقل عن شفالييه، مع بعض التصرف: "في بداية كل شيء هناك الحركة؛ الإنسان آلية. (لنلاحظ هذا المنحى الوضعي الصارم والجاف) من الحركة يولد الإحساس اشتهاء أو رغبة، نفوراً أو كرهاً، هذا بداية صغيرة لحركة أو جهد نحو شيء ما أو ابتعاد عن شيء ما. موضوع الاشتهاء أو الرغبة هو الخير، موضوع النفور أو الكره هو الشر. لا شيء جيد أو سيئ، خير أو شر بذاته، هذه النعوت ليس لها معنى إلا عند من يستعملها. اللذة هي إحساس الجيد، عكسها هو إحساس السيئ. الشر الأعلى هو الموت. الألم الذي تسببه مصيبة شخص آخر هو الشفقة؛ الرحمة مصدرها تصورنا أن مصيبة كهذه يمكن أن تصيبنا. الإرادة هي فعل أن أريد، إن لم تكن الاشتهاء الأخير في المناقشة: الاشتهاء الأخير أو النفور الأخير الذي وضع حداً للمناقشة وأفضى مباشرة إلى الفعل أو عدم الفعل. ما يدعى السعادة موجود حين تتحقق رغباتنا بنجاح ثابت. والقدرة هي شرط هذه السعادة، الشرط الذي بدونه لا وجود للسعادة. الثروات والعلم والشرف ليست سوى أشكال القدرة. ثمة في الإنسان شهوة مستمرة للقدرة لا تنقطع إلا عند الموت.

الإنسان يمتاز من الحيوانات الأخرى بعقله الذي ليس سوى حساب عواقب، (جمع وطرح عواقب)، بالفضول أو الرغبة في معرفة لماذا وكيف؟ بالدين الذي يأتي ليس فقط من هذه الرغبة في معرفة الأسباب (إذاً سبب الأسباب، السبب الأول الأزلي .. الله)، بل أيضاً من القلق على المستقبل والخوف من اللامرئي.

تلك هي، مكشوفةً بالاستبطان (اقرأ في نفسك) طبيعة الإنسان، كما يقول هوبز. ماكيافل الإمبريقي تماماً لم يعرِّها إلى هذا الحد، ديدرو، وقد قرأ اللوياثان، بل محاولة سابقة كتبها هوبز بعنوان "في الطبيعة البشرية" سيعجب بهذا الفن البصير والقاسي في إعادة كل حركات الكائن، مع رفض كل تحويل نوراني، إلى حسابات الأنانية والخشية.

عند كل إنسان، الآخر منافس، نهم مثله للقدرة بجميع أشكالها، والحال، إذا نظرنا إلى الأمور في جملتها، كل إنسان مساوٍ لغيره؛ إذا كنا مثلاً بصدد القوة البدنية فإن الأضعف له منها ما يكفي ليقتل الأقوى، إما بالحيلة وإما بالتحالف مع آخرين يهددهم الخطر نفسه الذي يهدده. تساوٍ في القابلية يعطي كل واحد أملاً مساوياً في الوصول إلى غاياته، ويدفع كل واحد إلى السعي لتدمير الآخر أو إخضاعه. تنافس وحذر متبادل وجشع للمجد أو الشهرة .. هذا كله يستتبع الحرب الدائمة من كل واحد على كل واحد، من الجميع على الجميع. الحرب ليست واقعة القتال الفعلية الراهنة فقط، بل إرادة القتال المؤكدة والواضحة: ما دامت هذه الإرادة موجودة ثمة حرب، لا سلم، والإنسان ذئب للإنسان.

إن حرباً كهذه لتمنع كل صناعة وكل زراعة وكل ملاحة وكل علم أو أدب، كل مجتمع أو كل عمران، والأسوأ من هذا كله الخوف الدائم والخطر الدائم من موت عنيف. الحياة منعزلة فقيرة فظة بلهاء وقصيرة. في مثل هذه الحرب لا شيء مجحف ولا شيء عادل، ولا يمكن أن يكون. "حيث لا توجد قدرة مشتركة، قوة مشتركة، لا يوجد قانون؛ وحيث لا يوجد قانون لا يوجد إجحاف أو ظلم. القوة والخدعة هما الفضيلتان الرئيستان في الحرب".

في هذه الحرب لا توجد ملكية خاصة، "بل فقط، ملك لكل واحد ما يستطيع أخذه، ما دام بمقدوره أن يحتفظ به". تلكم هي الحال البائسة التي عليها الطبيعة البسيطة، الطبيعة الطبيعية فحسب.

تحت طائلة دمار النوع البشري، على الإنسان أن يخرج من هذه الحالة؛ وفي هذا يقوم واقعياً خلاصه ونجاته. إمكانية الخروج بيد الإنسان، وهي قائمة جزئياً في أهوائه وجزئياً في عقله. بعض أهوائه تجعله يميل إلى السلام، أولها الخوف من الموت. العقل الذي ليس إلا حساباً يوحي له ببنود سلام مناسبة يستطيع الاتفاق عليها مع البشر الآخرين. هذه البنود أو الأحكام العقلية يدعوها هوبز "قوانين الطبيعة" ويعرفها بأنها نتائج خاتمة، أو نظريات رياضية تتصل بما يقود إلى حفظ أنفسنا وحمايتها. منها قوله: لا تفعل للغير ما لا تريد أن يفعله الغير لك. واتفقوا من ثم على التخلي عن هذا الحق المطلق على كل الأشياء الذي يملكه كل واحد منكم بالتساوي مع كل واحد، في حالة الطبيعة، ولتكن عندكم إرادة المحافظة على هذا الاتفاق. الخروج من الحالة الطبيعية يفرض المجتمع المدني القائم على التعاقد والتوافق وعلى الأحكام العقلية التي هي هي "قوانين الطبيعة".

وعلى الرغم من الخوف، ومن أحكام العقل، فمن الصعب أن يحافظ الناس، بحكم طبيعتهم، على هذا الاتفاق أو العقد ما لم تقم قدرة لا تقاوم، مرئية وملموسة ومسلحة بالعقاب، بإرغام البشر الخائفين؛ فالمواثيق بدون السيف sord ما هي إلا كلمات words، وهذه القدرة هي الدولة أو الشيء العام، أو "الإنسان الصنعي" الذي ينتجه البشر بميثاق إرادي يعقدونه فيما بينهم من أجل حمايتهم، ومن أجل الخروج، بلا خشية من الانتكاس، من الحالة الطبيعية المفزعة إلى الحالة المدنية التي تضمن لهم الأمن والاستقرار والسلام. الدولة، الإنسان الصنعي هي ضمانة المجتمع المدني، وهي ضمانة من داخله لا من خارجه، لأنها نتيجة ميثاق إرادي.

وعلى أساس هذا العقد يقيم هوبز سيادة مطلقة غير قابلة للقسمة تضع حداً نهائياً لثنائية السلطة الروحية والزمنية.

وبخلاف أرسطو الذي كان يرى أن الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وحيوان سياسي، وأن المجتمع والمجتمع السياسي واقعتان طبيعيتان؛ رأى هوبز أن الطبيعة لم تضع في الإنسان غريزة الاجتماع؛ فالإنسان في نظره لا يبحث عن رفاق إلا بحكم المصلحة، أي بدافع الحاجة، المجتمع من ثم ثمرة مصطنعة لميثاق إرادي وحساب نفعي. وبموجب هذا الميثاق أو العقد الاجتماعي بين كل واحد وكل واحد يُنقل إلى ثالث الحقُ الطبيعيُّ المطلق الذي يملكه كل واحد على كل شيء. وهذه هي الحيلة artifice التي ستشكل البشر الطبيعيين في مجتمع مدني أو مجتمع سياسي (وهما هنا بمعنى واحد). إرادة هذا الثالث الذي يمكن أن يكون رجلاً أو جمعية، ستحل محل إرادة الجميع وستمثلهم جميعاً.[27] هذا اللوياثان هو الإله الفاني الذي نحن مدينون له، بعون الإله الخالد بسلامتنا وحمايتنا، إذ يحوز، مسلحاً بحق تمثيل جميع أعضاء الكومونولث، ( الـ civilas ، الدولة) ، من القدرة والقوة ما يمكنه، بفضل الرعب الذي يوحي به، من قيادة إرادات الجميع نحو السلام في الداخل والعون المتبادل ضد أعداء الخارج. (انتهى)

هوبز يؤكد فكرة السيادة المطلقة التي قال بها بودان، ويؤسسها على العقد الاجتماعي أو الميثاق السياسي الذي يتخلى بموجبه المواطنون عن جميع الحقوق والحريات التي من شأنها الإساءة إلى النظام العام، أو تهديد الأمن والسلام. ومع تفضيله المونارشية والسيادة المطلقة، يعيد هوبز، على وضعيته الصارمة، بناء العلاقة بين السياسة والمثل الأعلى الأخلاقي؛ إذ يفترض تطابق مصلحة العاهل الشخصية مع المصلحة العامة؛ "مصلحة الملك السيد والمصلحة العامة واحد، بحسب هوبز، ثروات وقدرة وشرف عاهل لا يمكن أن تأتي إلا من ثروات وقوة وسمعة رعاياه. ما من ملك يستطيع أن يكون غنياً مجيداً في أمان إذا كان رعاياه فقراء أو محتقرين أو ضعفاء".

بنى هوبز دفاعه عن المونارشية والسيادة المطلقة على منطق صارم، استمده من حقيقة المونارشية ذاتها، أعني المجتمع في عصره وزمانه، المجتمع الذي كان في طور الانتقال من التشظي إلى الوحدة، من الملة إلى الأمة، ومن الفوضى إلى الانتظام، مع تفتح مفهوم الوطن والمواطنة. ما دام كل فرد قد تخلى عن حقه المطلق على كل شيء، فليس لهذا التخلي أن يكون إلا مطلقاً. ويمكن القول إنه بنى دفاعه عن الملكية المطلقة على ديمقراطية ما زالت في طور الإمكان. ذلك أن نقطة انطلاقه كانت الفرد الطبيعي الواقعي الأناني المسوق بسائق الحاجات والرغبات وبسائق الخوف، ومن ثم، المجتمع المدني، بوصفه منظومة الحاجات، كما سيعرفه هيغل، وبوصفه ميدان التاريخ، كما سيعرفه ماركس. ومن فكرة المصلحة العامة التي تقاس بها شرعية الملك أو عدم شرعيته.

وضع هوبز أساساً واقعياً ومنطقياً لدولة حق وقانون قابلة أن تصير دولة ديمقراطية. صاحب السيادة المطلقة هو السلطة التشريعية الوحيدة، شخصاً كانت أم جمعية عمومية، برلمان. وليس ثمة قانون إلا من أمره الصريح. ولنتذكر قوله: حيث لا توجد قوة مشتركة لا يوجد قانون. السلطة التشريعية تضع القوانين وتبطلها، وهي غير ملزمة بشيء سوى بوظيفتها بوصفها تجريد العمومية، وبالقوانين التي وضعتها بنفسها ما لم تبطلها. فإن من لم ليس ملزماً إلا لنفسه ليس مقيداً. والسلطة المطلقة هنا ليست عسفية إلا بقدر ما تكف عن كونها تجريد العمومية وتعبيراً عن العقد الاجتماعي. إن ما تستطيع أن تفعله هو وضع القوانين وإبطالها، ولكن ما يجب عليها أن تفعله هو احترام القوانين التي تضعها وإحقاق حقوق رعاياها وتوفير الشروط التي تضمن "الحرية البريئة" التي لا تؤذي السلام. الفرد حر أن يفعل جميع الأفعال التي لا يمنعها القانون. والقانون ينهى ولا يأمر، أي إنه يحدد مجال الحقوق، لا مجال الواجبات. ومن ثم فليس هناك قوانين جيدة وخيرة سوى القوانين الضرورية لخير الشعب. ومن واجبات العاهل، عند هوبز، أن يضمن لرعاياه المساواة أمام القانون، وفي الوظائف العامة، وأن يضمن لهم التعليم والتربية والازدهار المادي، وأن يضع العاجزين عن العمل في عيالة الدولة بدلاً من تركهم للإحسان الخاص. وعليه أن يصون حرمة الملكيات الخاصة الكافية ويحول دون الاحتكار.

الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الاجتماع المدني، ومعادله الواقعي الانتقال من الحالة الإقطاعية إلى المجتمع الحديث، هو انتقال من وضعية "الإنسان ذئب الإنسان" إلى وضعية "الإنسان إله الإنسان".

وصف ميشيله Michelet الحياة السياسية في فرنسا في عهد لويس الرابع عشر بقوله: "حصل آنذاك أتم ظفر للملكية، أكمل اتفاق لشعب في رجل، وجد في يوم من الأيام؛ ريشيليو كان قد حطم الكبار والبروتستانت، حركة المقلاع كانت قد أهلكت البرلمان بجعله معروفاً. لم يبق واقفاً على أرض فرنسا سوى شعب وملك. الأول عاش في الثاني"[28]. الأسقف بوسويه، مؤدب ولي عهد لويس الرابع عشر، ينظِّر هذا الوضع، في كتاب السياسة الذي وضعه لتعليم ولي عهد فرنسا، بين عامي1689 و 1709، ويؤسس دفاعه عن الموناشية على تأويل عقلاني للكتاب المقدس، منطلقاً من مقولة أرسطو، "الإنسان اجتماعي بطبعه" لينتهي إلى هوبز من طريق الخطيئة الأصلية والبشر الذين حرفتهم الأهواء والمصالح الأنانية، وانفصلوا عن ملكوت الله وباتوا غير قابلين للاجتماع ما لم يخضعوا جميعاً لحكومة واحدة يتخلى لها كل فرد عن "حق الطبيعة البدائي" في امتلاك ما يناسبه بالقوة. فحيث "كلٌ يستطيع أن يفعل ما يريد، لا أحد يفعل ما يريد؛ وحيث لا سيد كل واحد سيد؛ وحيث كل واحد سيد كل واحد عبد" هكذا هي الفوضى. حالة الطبيعة هي حالة الفوضى؛ الحرية المطلقة عبودية مطلقة، حين يكون لكل واحد الحق المطلق في أن يملك كل شيء، لا أحد يملك شيئاً. الملكية المطلقة نزع ملكية مطلق. المساواة في الحق المطلق عدم مساواة مطلقة، والحق المطلق عدم حق، حالة الفوضى والحرب هذه هي حالة اللاعقل. للانتقال من حالة الطبيعة الساقطة منذ خطيئة آدم، إلى حالة المجتمع المدني تقتضي مصلحة البشر العقلاء أن يقيموا لأنفسهم سيداً له سلطة مطلقة عليهم جميعاً، وغير قابلة للانقسام، ليعيشوا في سلام. عند بوسويه تتحد السلطة الدينية والسلطة الزمنية في هوية واحدة في شخص الملك، ولكن هذه السلطة ليست دينية، فالله لم يمل شيئاً على النوع البشري، وعلى كل شعب أن يتبع حكومة بلده بوصفها "نظاماً إلهياً". النظام العقلاني والنظام الإلهي شيء واحد، والقوانين الطبيعية هي عقل إلهي.

المونارشية عند بوسويه مقدسة، "الأمراء يفعلون بوصفهم وزراء الله ونوابه على الأرض؛ والاعتداء عليهم انتهاك للمقدسات؛ أشخاصهم مقدسة لأن أعباءهم مقدسة، .. وفي إطاعتهم إلزام وجدان. السلطة القائمة تأتي دوماً من الله، ولكن بقناة الشعب، لا بقناة الكنيسة. تماهي السلطة الروحية ولسلطة الزمنية في شخص الملك هو التسويغ النهائي لظهور الكنائس القومية واستقلالها وخضوعها للسلطة الزمنية. السياسة، بحكم موضوعها وغرضها البيداغوجي أو التربوي، ليست ولا يمكن أن تكون عرضاً لحذلقات لاهوتية. والكتاب المقدس يعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يخدم سيدين. والملوك يخضعون كالآخرين لعدالة القوانين، لمحتواها من عدل وحق طبيعي. ولكنهم يخضعون للقوانين لا من حيث قوتها القسرية، بل من حيث قوتها التوجيهية. ومن ثم فالمونارشية لا تعادل العسف والاستبداد. الأب هو المقابل الأخلاقي للملك. والأب هو المقابل الدنيوي للإله. ولعل أهم خصائص المونارشية عند بوسويه هي كونها خاضعة للعقل، "الحكومة عمل من عقل وذكاء".

ربما كان بوسويه آخر المدافعين عن المونارشية بهذه الحرارة، فقد بلغت المونارشية ذروتها واكتمالها، مع لويس الرابع عشر، ولم يبق أمامها سوى الانحدار. في فرنسا "معظم الفرنسيين كانوا يفكرون مثل بوسويه، فجأة صاروا يفكرون مثل فولتير، إنها ثورة"، كما قال بول هازار. اللافت هنا هو إجماع مختلف التيارات الفكرية على ضرورة المجتمع المدني والدولة المركزية. مفهوم الأمة الحديثة والدولة القومية باتا في الأفق القريب؛ الرأسمالية المركنتيلية (التجارية) هي الرافعة الاجتماعية والاقتصادية، والطبقة الثالثة تنمو وتتقدم وتنتج ثقافتها الكونية.

أسس كانط (1724-1804) وحدة الأخلاق والسياسة على وحدة المعرفة والعمل، بوجه عام، ووحدة العلم والعمل بوجه خاص؛ فالعلم مجال المعرفة والعمل مجال الأخلاق. نحن عرب اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذا التأسيس، لأن السلطات القائمة في بلادنا سلطات بلا عقل ولا قلب ولا ضمير، والسياسة انفصلت عن الأخلاق منذ ستينات القرن العشرين. وقد تأثر كانط بمونتسكيو وروسو خاصة؛ فعن الأول أخذ فكرة فصل السلطات، وعن الثاني فكرة العقد الاجتماعي. وقد غدت فكرة العقد الاجتماعي لدى كانط قاعدة الشرعية للسلطة العامة. جميع السلطات العامة تستمد شرعيتها من العقد الاجتماعي الذي سيغدو تجسيد العقل في العالم وفي التاريخ.





avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 43
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

المجتمع المدني وراهنيته2

مُساهمة  احمد حرشاني في 3rd يونيو 2011, 02:42



بادرات الديمقراطية


أجمع أعلام الفكر السياسي، في عصر النهضة، على أن السيادة المطلقة هي للسلطة التشريعية، رجلاً كانت هذه السلطة أم جمعية. المدافعون عن المونارشية وضعوها في الملك، رأس الدولة، ورمز وحدتها، لكنها آلت إلى سلطة تعسفية، فضلاً الضعف، لا سيما بعد إلغاء مرسوم نانت عام 1685 واضطهاد البروتستانت في فرنسا، ومجاهرة جيمس الثاني، ملك إنكلترة، بكاثوليكيته متحدياً مشاعر غالبية الشعب. فكان من البديهي أن ينشب الصراع في إنكلترة أولاً بين الملك والبرلمان، بين سيادة العاهل وسيادة الشعب. ومنذ ذلك الحين انقسم الإنكليز إلى محافظين يدافعون عن الملك وأحرار يدافعون عن البرلمان.

في خضم هذا الصراع المركب كتب جون لوك كتابه الشهير "محاولة عن الحكومة المدنية" عام 1690 وقفه على مناهضة الحكم المطلق ومعارضته بالسلطة المقيدة بموافقة الشعب وبالحق الطبيعي، بغية استبعاد خطر الاستبداد.

انطلقت محاولة لوك، على غرار هوبز، من حالة الطبيعة، ومن العقد الأصلي الذي ولد المجتمع السياسي، أو الحكومة المدنية، ولكنه ميز بصورة قاطعة السلطة التشريعية التي تعبر تعبيراً فعلياً عن كلية الدولة وعموميتها ومشاركة جميع المواطنين في الحياة السياسية، من السلطة التنفيذية الخاضعة للسلطة التشريعية التي تمثل الشعب، مؤكداً طابع الدولة الأرضي تماماً والبشري تماماً، وحق المواطنين في الثورة على الحاكم الفاسد. ولكنه، بخلاف هوبز ينظر إلى حالة الطبيعة على أنها حالة حرية ومساواة، لا حالة إباحة، والفرق شاسع بين الحرية والإباحة. الحرية مشروطة بالمعرقة والوعي اللذين يميزانها من الإباحة أو من الاندفاعات الغريزية العمياء. إذاً الحرية هي الأصل، ولكنها حرية يضبطها العقل الذي يضبط الحالة الطبيعية برمتها. ومن ثم فإن وجود الحقوق الطبيعية للأفراد هو الذي يحمي هؤلاء من تجاوزات السلطة وعسفها؛ فالأفراد لم يتخلوا عن حقوقهم وحريتهم تخلياً تاماً، بموجب العقد الأصلي، بل إنهم لم يتخلوا عن جميع حقوقهم، ولا سيما حق الملكية، وعن حريتهم إلا بقدر ما تتعارض مع ضرورات الاجتماع والعيش المشترك، أو مع ما سيغدو مصلحة المجتمع. لعل أم الحقوق التي أخذ الناس يتشبثون بها ويدافعون عنها هو حق الملكية الخاصة التي تتجلى فيها الحرية بصيغتها الفعلية، في معارضة تجاوزات النبلاء والملوك وتجاوزات الكنيسة أيضا، في وقت كانت الأرض وما عليها ومن عليها ملكاً للحاكم، على اختلاف مراتب الحكم.

بخلاف "جهنم هوبز" الحالة الطبيعية في نظر لوك حالة حرية ومساواة واستقلال، "لذا لا يمكن إخراج أحد من هذه الحالة وإخضاعه لسلطة سياسية بدون قبوله وموافقته؛ فالتوافق والتعاقد هما أساس الاجتماع، أساس الجماعة السياسية التي تحفظ أمن جميع أفرادها وتصون حقوقهم، وتوفر لهم الطمأنينة والرفاهية، وتصون الملكية الخاصة لكل منهم. وعلى الرغم من تناقض أطروحتى لوك وهوبز فإنهما تتقاطعان في دنيوية السياسة وأصلها الاجتماعي، المجتمعي، وفي عدم إمكانية قيام دولة بدون تعاقد الأفراد وتوافقهم على تفويض من يمثلهم ممارسة سلطة سيدة تستمد سيادتها من هذين التفويض والتمثيل وفق قانون عام يسري على الجميع. لكن لوك يدحض شرعية الحكومة المطلقة التي لا تقوم بموافقة الشعب، ولا يحد سلطتها قانون موضوع، إذ لا يعقل أن يتفق الجميع على الخضوع للقانون عدا واحد يحتفظ بكل حرية حالة الطبيعة مضافاً إليها قوة السلطة.

المجتمع وريث الأفراد الأحرار في حالة الطبيعة يحوز سلطتين جوهريتين: إحداهما السلطة التشريعية التي تضبط استخدام قوة الدولة لتتمكن من حفظ المجتمع وأفراده؛ والثانية تنفيذية تقوم بتنقيذ القوانين التي تضعها الأولى، في الداخل. ويجب أن تكون هاتان السلطتان في أيد مختلفة. الحريات والحقوق التي كان يتمتع بها هؤلاء الأفراد الأحرار في حالة الطبيعة لا تختفي في الاجتماع المدني، بل تبقى لتحد من السلطة الاجتماعية ولتؤسس الحرية؛ وإلا كانت سلطة المؤسسة التشريعية المقدسة عند لوك مطلقة كسلطة العاهل. هذا إرهاص بالتعارض الجدلي المقيم بين الفرد والمجتمع وبين المجتمع والدولة، التعارض الذي يفتح إمكانية تطور المجتمع والدولة معاً، وإمكانية صيرورة الفرد الطبيعي مواطناً.

لوك الذي لا يرى في سيادة الدولة سوى سيادة الشعب يتوج محاولته بتسويغ حق الشعب في الثورة على الملك الجائر أو الفاسد أو الفاجر، "حق الاستنجاد بالسماء". الشعب هو الذي يقيم السلطة وبيده أمر تغييرها. ذلك أن "كل سلطة الحكم المدني لا صلة لها إلا بالمصالح المدنية، وتقتصر على أمور هذا العالم، ولا شأن لها مع العالم الآتي". بهذا ناهض لوك الحكم المطلق ونقضه، ووضع أسس الديمقراطية الليبرالية ذات الجوهر الفردي، والتي سينجم عنها إعلانات حقوق طبيعية ومدنية وسياسية غير قابلة للإبطال.

صاغ لوك تصوراً واضحاً لكائن إنساني يسعى في سبيل التصالح مع ذاته ومع العالم، وذلك بإحلال معرفة قوانين الطبيعة محل تعسف الأخلاق الدينية. إنه "ينبذ الثنائية الديكارتية، ومن ثم فكرة الجوهر، والتصور الديكارتي للأفكار الفطرية، وعلى نحو أدق المكان المركزي الذي أولاه هذا التصور فكرة الله. إن وعي الذات لا يختلف عن وعي الأشياء، والإنسان نفس وجسد معاً في تجربة وحدته. والفهم لا يمنح الأشياء شكلاً، إنه تفكير يرتكز هو نفسه على الإحساس .."[29] هذه النزعة العقلانية التي تماثل بين قوانين الطبيعة وقوانين العقل عبرت عن حركة نقد جذرية زلزلت أسس التنظيمات الوسطوية، ولم تعين بدائلها إلا على نحو سلبي. فالطبيعة لم تكن تعني آنذاك مجال الوجود الفيزيائي أو الواقع المادي الذي يجب تمييزه من الواقع الفكري أو الروحي فقطـ بل إنها كلمة لا تختص بكينونة الأشياء وإنما بأصل الحقائق وأساسها. " إن لمفهوم الطبيعة هذا، شأنه شأن مفهوم العقل، وظيفة رئيسية هي أن يوحد بين الإنسان والعالم، كما كانت تفعل فكرة الخليقة المقترنة في الغالب بفكرة الطبيعة أكثر مما هي معارضة لها. بيد أن هذا المفهوم يسمح للفكر والعمل الإنسانيين أن يؤثرا في هذه الطبيعة بمعرفة قوانينها، ومراعاة هذه القوانين دون اللجود إلى الوحي أو إلى تعليم الكنائس".[30] اللجوء إلى الطبيعة على هذا النحو ليس مجرد موقف معارض للدين، بل تعبير عن رؤية جديدة أو قل حديثة تريد أن تمنح الخير والشر وأمثالهما أساساً اجتماعياً فحسب، لا دينياً ولا بسيكولوجياً. فالمجتمع، وفق هذه الرؤية هو مصدر جميع القيم فالخير هو ما ينفع المجتمع والشر هو ما يضر تكامله وفعاليته.[31] المجتمع يحل محل الله مبدأً للحكم الأخلاقي، ومبدأ لتفسير السلوك وتقويمه، يولد العلم الاجتماعي كعلم سياسي.[32] ومن ثم فإن النظام الاجتماعي لا يجب أن يناط بشيء إلا بالقرار الإنساني الحر الذي يجعل منه لوك مبدأ الخير والشر، لا الممثل لنظام أقامه الله أو أقامته الطبيعة. لكن القرار الإنساني ليس قرار الفرد، بل هو "الإرادة العامة". فقد كتب ديدرو وهو يعرف الحق الطبيعي في الموسوعة: "الإنسان الذي لا يصغي إلا إلى إرادته الخاصة عدو الجنس البشري .. وإن الإرادة العامة هي إذاً في كل فرد عمل الفهم الخالص الذي يحاكم في صمت الأهواء، ما يمكن للإنسان أن يطلبه من أمثاله وما لأمثاله من الحق في أن يطلبوه منه""[33] والإرادة العامة عند روسو ليست إرادة الأكثرية أو إرادة الطبقة الثالثة، بل هي إرادة المجتمع كله حين يتعلق الأمر بمشكلاته العامة، أي حين يتعلق الأمر بوجود المجتمع ذاته، وهي تطابق هنا معنى العقل بوصفه الأساس الوحيد الذي يمكن أن يتوفر على مثل هذه العمومية. وهذه العمومية هي أساس فكرة العقد الاجتماعي الذي يغدو معه المجتمع المدني ونظام العقل شيئاً واحداً.

لوك وهوبز كانا على طرفي نقيض من الحالة الطبيعية، ومن الاجتماع السياسي المؤسس على هذا الافتراض النظري (الحالة الطبيعية)، وعلى طرفي نقيض من المونارشسة والحكم المطللق. المعادل الواقعي للحالة الطبيعية لدى كل منهما حالة الفوضى والحرب والخراب التي اجتاحت أوربة في العصور الوسطى الإقطاعية، وعلاقات التبعية والولاء التي وسمت تلك المرحلة، واستطالاتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتماهي الحق والقوة في هوية واحدة. القرن الثامن عشر يحمل الثورة الفرنسية والثورة الصناعية وصعود الطبقة الوسطى. مومنتسكيو يعبر عن روح القرن الثامن عشر في "روح القوانين"، منطلقاً من أن "الخير السياسي كالخير الأخلاقي موجود دائماً بين حدين". الفضيلة السياسية، كالفضيلة الأخلاقية، وسط بين رذيلتين: الحكومة الاستبدادية والحكومة الشعبية، أو استبداد الأقلية واستبداد الأكثرية.

عنوان مؤلف مونتسكيو الشهير "روح القوانين" الذي أنجزه عام 1748 بعد نحو عشرين عاماً من البحث والتنقيب، يمكن أن نغامر اليوم بتسميته "قوانين الروح"، روح أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، أو قوانين الروح الإنساني العامة كما تتجلى لدى هذه الأمة أو تلك. روح الأمة هي المبادئ العملية والأخلاقية والروحية والأسس المادية التي تقيم عليها الأمة اجتماعها المدني والسياسي. هذه المبادئ العامة هي عوامل قوتها وازدهارها أو ضعفها وانحطاطها. يقول مونتسكيو: "هناك أسباب عامة، إما معنوية وإما مادية، تفعل في كل مونارشية، ترفعها وتبقيها أو تدحرجها، وكل الحوادث خاضعة لهده الأسباب". "هذه الأسباب العامة هي "هيئة السير الرئيسية تجر معها كل الحوادث الخصوصية". القوانين هي "العلاقات الضرورية المشتقة من طبيعة الأشياء"" وهي لحمة النسيج الاجتماعي وماهية الدولة، جودة القوانين أو سوؤها يتعلقان بمدى تطابقها أو عدم تطابقها مع العلاقات الضرورية في جميع مجالات الحياة الاجتماعية. المجتمع ميدان التاريخ، ومملكة الممكنات؛ الحالة الطبيعية والحالة المجتمعية على السواء لا توضعان في إحدى خانتي الخير أو الشر، الحرب أو السلام. تاريخ مجتمع من المجتمعات أو أمة من الأمم هو "توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، كما يقول الياس مرقص. " قبل أن تكون هناك قوانين معمولة كانت هناك علاقات عدل ممكنة. القول إنه لا يوجد شيء عادل إلا ما تأمر به أو تنهى عنه القوانين الوضعية هو كالقول إنه قبل أن يرسموا دائرة لم تكن الأشعة متساوية" العدل والظلم ممكنان في الحالة الطبيعية وفي المجتمع المدني على السواء.

الدول عند مونتسكسو ديمقراطية وأرستوقراطية واستبدادية، ولكل من هذه الدول طبيعة يدل عليها اسمها ويدركها أقل الناس تعلماً. ولكل منها مبدؤها، والقوانين يجب أن تكون متناسبة مع طبيعة الدولة ومع مبدئها؛ فإن "فساد الحكومات يبدأ دائماً تقريباً بفساد المبادئ: ما أن تفسد مبادئ الحكومة حتى تصير أفضل القوانين رديئة، وتتحول ضد الدولة؛ أما حين تكون المبادئ سليمة فإن للقوانين الرديئة مفعول القوانين الجيدة، قوة المبدأ تحمل وتجر كل شيء"[34].

الجمهورية الديمقراطية، هي ذي طبيعتها، أي ما يجعلها ما هي عليه في طبيعتها الخاصة: الشعب، مجموع المواطنين الأحرار. الشعب يظهر في هذه الدولة تحت وجهين متعارضين: حاكم (مونارك) ومحكوم (رعية)؛ حاكم، لأنه هو الذي يضع القوانين بوساطة ممثليه الذين يعرف كيف ينتخبهم؛ ومحكوم لأنه يطيع القوانين. الشعب هو السيد، و"إرادة السيد هي السيد نفسه؛ إذاً السيد يجب أن يعمل بنفسه كل ما يستطيع عمله فعلاً، وما لا يستطيع فعله يعمله بوساطة وزراء أو حكام يختارهم بنفسه".

المجتمع يعمل كل ما يستطيع عمله، وما لا يستطيع عمله بنفسه تعمله الدولة بتفويض منه. هكذا يضع مونتسكيو حداً لسلطة الدولة التي وإن كانت منبثقة من الشعب لا ينبغي لها تجاوز الوظائف التي يحددها لها. المجتمع ميدان الحرية، الدولة ميدان الضرورة؛ كلما نما طابعها الديمقراطي تغدو أكثر فأكثر ميدان الحرية، من دون أن تكف عن كونها مملكة القوانين.

أما مبدؤها، فهو الفضيلة السياسية فحسب، وفساد هذا المبدأ شر لا يصلح قط. " السياسيون الإغريق الذين كانوا يعيشون في الحكومة الشعبية كانوا لا يعترفون بقوة أخرى تستطيع مساندتها غير قوة الفضيلة. حين تنقطع هذه الفضيلة يدخل الطموح في القلوب التي تستطيع استقباله، والبخل يدخل في الجميع. الرغبات تغير موضوعها؛ ما كانوا يحبونه لا يعودون يحبونه، كانوا أحراراً مع القوانين، يريدون أن يكونوا أحراراً ضدها. كل مواطن هو مثل عبد أفلت من بيت سيده، ما كان حكمة يدعونه صرامة، وما كان قاعدة يدعونه إزعاجاً، ما كان انتباهاً يدعونه خوفاً .. سابقاً كان مال الأفراد يصنع الخزينة العامة، أما الآن فقد أصبحت الخزينة العامة ملك الأفراد؛ الجمهورية أشلاء وأسلاب؛ وقوتها لم نعد سوى سلطة بعض المواطنين وإباحية الجميع"[35]. لذا فإن ثمة حاجة في الحكومة الديمقراطية إلى القدرة الكلية للتربية؛ كي يطبع عند الأولاد هذا التخلي عن الذات، وهو أمر شاق دوماً، هذا الحب للقوانين وللوطن الذي يطلب تفضيلاً دائماً للمصلحة العامة على مصلحة الذات. الحكومة مثل كل الأمور في العالم، لكي تصان يجب أن تحب.

الفضيلة وسط بين رذيلتين؛ والفضيلة السياسية وسط بين تطرفين؛ الإفراط أو التطرف في المساواة مثل عدم المساواة؛ حين يصير روح المساواة متطرفاً يكف عن كونه فضيلة. الناس متساوون في الحكم الجمهوري لأنهم كل شيء، وفي النظام الاستبدادي لأنهم لا شيء.

المونارشية نظام حكم معتدل بين الجمهورية الديمقراطية والاستبداد؛ ما يجعلها كذلك التزام الملك القوانين الموضوعة، والسلطات الوسيطة التي تحقق نوعاً من توازن داخلي يحول دون انزلاق المونارشية إلى استبدادية، وإيداع القوانين لدى برلمان يحافظ عليها ويذكر بها. مبدأ هذه الدولة هو الشرف. "الغوا في مونارشية امتيازات الأشراف والإكليروس والنبلاء والمدن، سرعان ما يكون لديكم دولة شعبية أو دولة استبدادية"

أما الاستبداد، فهو " إهانة للطبيعة البشرية، هذه الأخيرة التي تستثار وتتعالى بالفضيلة الجممهورية، والتي تجد، عبر شوائب كثيرة، حسابها في الشرف المونارشي، تذل وتنحط تحت حكومة معمولة لبهائم أكثر منها لبشر" الفضيلة ليس لها ما تعمله في نظام كهذا، والشرف خطر فيه. مبدأ هذا النظام هو الخوف، هدفه الهدوء والسكينة، أو ما كان لوك يدعوه سلام المقابر. نصيب البشر "كالحيوانات" هو الغريزة والطاعة والعقاب. قوانين التربية فيه زرع الخوف في النفوس والقلوب، وتخفيضه إلى مستوى عبدي، وطبع بعض مبادئ من دين بسيط جداً في الروح، إنها عدم. المعرفة خطرة جداً في هذا النظام؛ لأن الطاعة القصوى تفترض الجهل في الذي يطيع، بل في الذي يأمر أيضاً.

فكرة الاستبداد تقوم على الآتي: " حين يريد متوحشو لويزيانا الحصول على ثمار، فإنهم يقطعون الشجرة عند قدميها، ويقطفون الثمرة، هذا هو الحكم الاستبدادي"[36].

لكن ما يميز الاستبداد من غيره من أنظمة الحكم أن العاهل لا يقيده قانون ولا سلطات وسيطة ولا برلمان ولا مؤسسة دينية، بل لعله حكم النزوة والهوى والمصلحة الشخصية الخالصة المنفلتة من أي عقل أو عقال. أمير ماكيافل ليس هكذا. ثمة فارق جوهري بين الحكم المطلق والحكم الاستبدادي. الدولة الاستبدادية هي أي شيء سوى الدولة السياسية. الدولة الاستبدادية هي لا شيء سوى إهانة للطبيعة البشرية ، والاستلاب الناجز لحياة الشعب.

الدولة المعتدلة دولة دستورية، ملكية كانت أم جمهورية، وحيثما وجد الدستور وجوداً فعلياً وجدت الحريات السياسية. كل شعب يسمي الدولة المتسقة مع روحه الخاص، روح الحرية والعدالة والمساواة، كما تتجلى في علاقاته الاجتماعية والسياسية وفي ثقافته ووعيه لذاته، دولة حرية. وقد دلت حكمة الشعوب على مر التاريخ أن حرية الشعب لا تعني أن يفعل كل فرد ما يشاء، بل أن يفعل كل ما لا يمنعه القانون من فعله. في المستوى الأعمق للاجتماع البشري هناك القانون الذي ينظم علاقات الجماعة ويصون أمنها واستقرارها ويصون الملكيات الخاصة لأصحابها، ولعل الحرية مرادفة للملكية، والقانون هو المعادل الموضوعي للعقد الاجتماعي؛ إذ علامَ يتعاقد الناس إن لم يكن على الاعتراف المتبادل بالحقوق الثابتة والحريات الأساسية؟. الحرية هي سلطة القوانين لا سلطة الشعب، هكذا قال مونتسكيو، سلطة القوانين هي حرية الشعب الذي يضع القانون وعليه أن يطيعه. ليس هناك من حاكم في التاريخ حكم إلا بشروط شعبه وزمانه. "الحرية السياسية في مواطن من المواطنين هي هذه الراحة الذهنية الآتية من الرأي الذي لكل واحد عن أمنه؛ ولكي تكون لديه هذه الحرية، ينبغي أن تكون الحكومة على نحو لا يمكن معه لمواطن أن يخشى مواطناً آخر"[37].

حكم القانون الذي فيه حرية الشعب يستوجب فصل السلطات واستقلال كل منها استقلالاً نسبياً في نطاق كلية الدولة ووحدتها بنية ووظيفة. كان جون لوك قد دعا إلى فصل السلطات، وجعلها اثنتين: تشريعية وتنفيذية. مونتسكيو جعلها ثلاثاً: تشريعية وتنفيذية وقضائية، واشترط أن تكون في أيد مختلفة، لا في يد واحدة؛ "لكان كل شيء يضيع لو كان رجل واحد أو جسم واحد من الرئيسيين أو من النبلاء أو من الشعب يمارس هذه السلطات الثلاث: سلطة صنع القوانين وسلطة تنفيذ القرارات العامة وسلطة محاكمة الأفراد على جرائمهم وفض خلافاتهم" إذ ليس ثمة حرية حين يكون التشريعي والتنفيذي مجموعين في يد واحدة. فما من شيء يضمن حينئذ أن يضع الملك أو مجلس الشيوخ قوانين طغيانية وينفذها طغيانياً. وليس هناك حرية حين لا يكون القضاء مستقلاً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فليس من العدل في شيء أن يكون المشرع هو نفسه القاضي. ولعل فصل السلطات واستقلال كل منها هو عامل التوازن الذي يحفظ استقرار الدولة والمجتمع؛ فلا يطغى أي مجال على غيره ولا يتجاوز حدوده؛ حتى الفضيلة ينبغي أن يكون لها حدود.

الفكرة الجوهرية عند مونتسكيو هي أن الشعب يعمل بوساطة ممثليه كل ما لا يستطيع أن يعمله بنفسه. وهي فكرة تضمر حقيقة أن جميع وظائف الدولة هي وظائف اجتماعية من ذلك النوع الذي ليس بوسع المجتمع أن يقوم بها بنفسه، بحكم عموميتها. جميع وظائف الدولة هي وظائف عامة تقوم بها السلطات المختصة نيابة عن الشعب وبتفويض منه بصفته مصدر السيادة والشرعية. إذاً هناك ما يستطيع المجتمع أن يعمله بنفسه بوساطة مؤسساته الخاصة: النقابات والأحزاب والجمعيات والمؤسسات الدينية، فضلاً عن فعاليته الاقتصادية في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات، فضلاً عن فاعليته الثقافية. ولكن كل ما يعمله المجتمع بنفسه محكوم بالقانون العام. وما دام لا يستطيع أن يعمل بنفسه كل شيء، فلا بد أن ينيب عنه من يثق بقدرتهم على عمل ما يريد. ذلك يفترض مبدأ التمثيل والانتخاب. "بما أن كل إنسان في دولة حرة مفترض فيه أنه ذو نفس حرة يجب أن يحكم بنفسه، أي أن يكون الشعب هو السلطة التشريعية، ولكن، بما أن هذا مستحيل في الدول الكبيرة، وتعترضه مصاعب كثيرة في الدول الصغيرة، ينبغي أن يعمل الشعب بوساطة ممثليه كل ما لا يستطيع عمله بنفسه. ولما كان المرء أعرف بحاجات مدينته لزم تقسيم البلد إلى دوائر انتخابية بحيث يختار سكانها من يمثلهم وفق نسب معينة. ولجميع المواطنين حقوق متساوية في الترشيح والانتخاب "باستثناء أولئك الذين هم في حالة من الدناءة يشتهرون معها بأنهم بلا إرادة ذاتية". وليس لهذا الجسم التشريعي المنتخب أن يتخذ قرارات فاعلة، فهذا أمر لا يتقنه، وليس من أجله يتم اختياره؛ بل ليسن القوانين ويراقب سير تنفيذها. السلطة التشريعية هي عقل الجسم السياسي، والسلطة القضائية ضميره الأخلاقي، والسلطة التنفيذية إرادته الفاعلة والصحافة الحرة (السلطة الرابعة) حواسه ولسانه. هذه السلطات المتكاملة تمارس معاً عملية التقييد المتبادل، لكي لا تستبد أي منها بالأمر؛ ولكي تخوض ذلك الصراع الذي لا بد من خوضة بين الحرية والضرورة، ولا سيما الضرورة الطبيعية، البيئة والمناخ. وإذا كان لهذا العامل الفيزيقي، المادي من تأثير فإن "المشرعين السيئين هم الذين ساعدوا عيوب المناخ، والجيدون هم الذين عارضوها.

لكن ما يلفت النظر في فكر مونتسكيو هو "الروح العام"، روح القوانين، روح الأمة أو روح الشعب الذي يتجلى في القوانين. هذا الروح العام هو نتيجة أو خلاصة عوامل عدة كالبيئة والمناخ والدين والقانون والأخلاق والآداب العامة والتراث .. إلخ . القوانين يجب أن تتسق مع هذا الروح العام للأمة. أي إن على القوانين أن تتبع الأخلاق العامة ، وأن تسهم بالقدر نفسه في تشكيل الأخلاق والآداب العامة على مبدأ الحرية، على روح الحرية، المركبة الرئيسة التي تجر الباقي كله.

كل شيء يتوقف جذرياً على السياسة. وإذا سأل سائل: والاقتصاد؟ الجواب قدمه ماركس منذ زمن بعيد: السياسة اقتصاد مكثف. سؤال السياسة، كما صاغه جان جاك روسو، وأجاب عنه في كتابه الشهير "في العقد الاجتماعي" أو مبادئ الحق السياسي، الذي أذاعه عام 1762 ، هو "ما طبيعة الحكومة التي من شأنها أن تشكل الشعب الأكثر فضيلة، الأكثر تنوُّراً، الأكثر حكمة، وأخيراً الأفضل، أي الأكثر خيراً، مع أخذنا العبارة في معناها الأكبر؟ ومن ثم " ما هي الحكومة التي ، بحكم طبيعتها، تقف دائماً على أقرب مسافة من القانون؟ وما هو القانون؟"[38]

الثورة الفرنسية في الأفق، الحرية والعدالة والمساواة ستكون مبادئ تلك الثورة وأهدافها، وسوف يكون تاريخ أوربة، وتاريخ العالم بصورة أعم تنويعة على هذه المبادئ تقدماً وتراجعاً. الإنسان ولد حراً، وجميع الأفراد متساوون في الحرية، المجتمع يغير هذه الحرية، يعدلها، حين يضعها في نطاق النظام العام الذي يقوم على تعاقد مواطنين أحرار، إنه نظام جديد تماماً وعادل بالضرورة. بل هو "طبيعة جديدة" تتيح للإنسان "التغلب على التناقض الملازم للحياة الاجتماعية بين ميوله الفردية وواجباته الجماعية". ذلكم هو اختراع روسو الأهم الذي محوره تصور للسيد والسيادة والقانون، للإلزام الاجتماعي الذي لا يؤسس على القوة ولا على أي أساس آخر سوى التعاقد. "الأساس الشرعي الوحيد للإلزام موجود في الاتفاق المعقود بين أعضاء الجسم المطلوب تكوينه في مجتمع. والذي كل واحد فيه يتعاقد مع نفسه، غير مرتبط في الحاصل إلا بإرادته وحدها. كل شيء مشتق من الالتزام الحر لمن يلزم نفسه. الميثاق الاجتماعي لا يمكن أن يكون شرعياً إلا إذا كان آتياً من موافقة إجماعية، يضع كل واحد بموجبها شخصه وقدرته تحت قيادة " الإرادة العامة"، بصفته جزءاً لا يتجزأ من الكل الذي تعبر عنه هذه الإرادة العامة. "كل شريك يخلع شخصه تماماً، وبلا تحفظ، مع كل حقوقه، للجماعة. هكذا الحال متساوية للجميع. كلٌّ يلتزم نحو الكل. كل واحد إذ يعطي نفسه للجميع لا يعطي نفسه لأحد. كل فرد يحرز على كل فرد آخر الحق الذي يتركه له على ذاته بالضبط، كلٌّ يكسب إذاً مكافئ كل ما يخسره، ومزيداً من القوة لصون ما عنده. التعهد يستمد كل أصالته من كون كل واحد، إذ يتحد بالجميع، لا يطيع سوى نفسه، ويبقى حراً بقدر ما كان من قبل"[39]. الجسم السياسي الذي ينشأ على هذه القاعدة هو بالأحرى "أنا مشترك"، أو ذات جمعية، سوف يسميها فرويد "الأنا الأعلى".

أقام روسو بناءه النظري للمجتمع المدني والدولة الديمقراطية على أساس الحرية والاستقلال حيال جميع الإرادات الخاصة العسفية والنزوية، من دون أن ينفي تبعية الإنسان للضرورة الفيزيقية التي لا تزيف الحرية. في مقابل الإرادات الخاصة وفي معارضتها وضع روسو الإرادة العامة التي ليس لها من تعبير عملي سوى القانون الذي يمكن أن يجد الإنسان بفضله لا الحرية فقط، بل الأخلاق والفضيلة. فبالعقد الاجتماعي يصير الفرد إنساناً اجتماعياً حراً كما ينبغي أن تكون الحرية في ظل القانون، مساوياً للآخرين كما ينبغي أن تكون المساواة أخلاقية وشرعية؛ فالشروط المتساوية لتعاقد الأفراد المختلفين هي التي تمنحهم حقوقاً متساوية، مع إمكان ألا يكونوا متساوين في القوة أو في القريحة أو في الثروة. وبالعقد الاجتماعي يغدو الفرد المنعزل والأناني جزءاً لا يتجزأ من الكلية الاجتماعية أو من الكل الاجتماعي، ومواطناً، عضواً كامل العضوية في الدولة، أو جزءاً لا يتجزأ من الجسد السياسي السيد. ولكن إذا كان بعض المواطنين يملكون الكثير وبعضهم الآخر لا يملك شيئاً، وهنا يكمن سر الطغيان والانحلال، "ستكون الدولة معرضة لتجارة الحرية العامة، هذا يشتريها وذاك يبيعها .. تريدون إعطاء الدولة قواماً؟ قربوا الدرجات القصوى بقدر ما هو ممكن؛ لا تعانوا من المترفين ولا من الصعاليك. هاتان الحالتان اللتان لا تنفصلان بطبيعة الأمور هما بالتساوي وخيمتان على المال العام والخير المشترك .. فلا يكن أي مواطن ثرياً بحيث يستطيع شراء مواطن آخر، ولا يكن أي مواطن فقيراً بحيث يكون مرغماً على بيع نفسه"[40].

المجتمع يغير الطبيعة، يحول الفرد الطبيعي إلى مواطن، يحول جميع غرائزه ويبدلها كيمياوياً. لأن الإنسان يكون قد نقل أناه ووضعه في الوحدة المشتركة بحيث لا يعود كل فرد خاص يعتقد نفسه أحداً، بل جزء من الكل. وفي هذا الانتقال يكون الإنسان قد كسب من جديد كل ما كان قد خسره من حالة الطبيعة. " هذا الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية ينتج في الإنسان تغيراً نوعياً؛ إذ تحل العدالة في سلوكه محل الغريزة، ويعطي لجميع أعماله طابعاً أخلاقياً كان ينقصها من قبل. ويحل الواجب محل الشهوة والاندفاع الغريزيين، ويجد نفسه مرغماً على الفعل بحسب مبادئ أخرى، وعلى استشارة عقله قبل الاستماع إلى ميوله. ومهما حرم نفسه من مزايا كانت له في حالة الطبيعة، يكسب مزايا أخرى كبيرة؛ ملكاته وقدراته تتمرس وتتطور، أفكاره تتوسع، عواطفه تتسامى، نفسه كلها ترتفع بحيث يبارك على الدوام اللحظة السعيدة التي انتزعته من شرطه الطبيعي، من حيوانية بليدة ومحدودة، وجعلته كائناً ذكياً وإنساناً. وجعلته من ثم جزءاً من جسد السيد، أي الشعب.

السيادة تنبع منطقياً من الأصل التعاقدي للسيد، ومن تعريف السيد المكون بالعقد الاجتماعي بأنه الشعب. وإرادة السيد أو الإرادة العامة، هي السيد نفسه، والقانون وحده هو تعبيرها. "السيادة، أي سلطة الجسم السياسي على كل أعضائه تتطابق في الهوية مع الإرادة العامة، وسماتها هي عين سمات هذه الإرادة، إنها لا تنخلع ولا تنقسم، وهي مطلقة ومعصومة عن الخطأ". السلطة تتغير وتنتقل، ولكن السيادة والإرادة العامة لا تتغيران ولا تنتقلان. والسيادة لا تُمثَّل؛ أعضاء الهيئة التشريعية الذين ينتخبون ليسوا ممثلي الشعب، بل هم مفوضوه فحسب. الشعب لا يتنازل عن سيادته وإرادته، وحين يفعل ذلك يكف عن كونه شعباً. السيادة أما أن تكون تامة أو لا تكون، إما أن تكون دائمة أو لا تكون، وإما أن تكون عامة وكلية أو لا تكون، ليس هناك من حال وسط.. الإرادة هي إرادة الجسم السياسي (الشعب) كله، لا إرادة هذا الجزء أو ذاك من أجزائه. وفصل السلطات لا يجوز أن يكون تقسيماً للسيادة، أو الإرادة العامة؛ فليس لأي واحدة من هذه السلطات سيادة بمفردها. إنها لا تعدو كونها "انبثاقات" من السيادة أو "صدورات" عنها. وهي لا تخطئ لأنها تتجه دوماً نحو المصلحة العامة أو المنفعة العامة. " السيد بحكم كونه كائناً فحسب، هو دوماً ما يجب أن يكونه". ولما كان السيد مؤلفاً من أفراد فلا يمكن أن تكون له مصلحة مضادة لمصلحتهم مجتمعين.

للدولة بصفتها تعبيراً عن الإرادة العامة وعن سيادة الشعب، سلطة مطلقة على جميع مواطنيها. ولكي لا يلغي الجسم السياسي السيد وإرادته العامة أفرادية الواقع، ولكي لا يعتدى على حقوق الإنسان يجمع روسو في منظومته النظرية بين حرية الفرد التي كانت نقطة انطلاقه ومطلقية الديمقراطية التي انتهى إليها، "موزعاً بين الصرامة الجدلية للتسلطي هوبز (مراجعاً من بعض الحيثيات على يد اسبينوزا) والابتكارية المرنة لـ لوك الفردوي الليبرالي الحريص على إنقاذ حقوق الإنسان في وجه الدولة".[41]وذلك بتمييز حقوق لمواطنين، بصفتهم حكاماً من وجهة نظر السيادة، ومحكومين بالقانون الذي وضعوه لأنفسهم والتزموا طاعته، من الحق الطبيعي الذي يجب أن يتمتعوا به بصفتهم بشراً. فمن "المتفق عليه أن ما خلعه كل واحد من حريته، بالعقد الاجتماعي، هو فقط ذلك الجزء من كل ذلك الذي يهم الجماعة استخدامه". "السؤال إلى أين تمتد حقوق السيد وحقوق المواطنين، هو السؤال إلى أي نقطة يستطيع هؤلاء أن يلتزموا مع أنفسهم، وكل منهم نحو الجميع، والجميع نحو كل منهم". لقد قلب روسو عبارة لويس الرابع عشر "أنا الدولة" لتصير "نحن الدولة". أي إنه وضع الديمقراطية المطلقة في معارضة الملكية المطلقة.

القانون هو تعبير الإرادة العامة، يضعه روسو في مصاف المقدس، ويرى فيه مناط العدالة والحرية، والعلاج الوحيد لنزوات البشر وعسف الحكام. القانون وحده يقيد الأفراد بإرادتهم، ويخضعهم ليجعلهم أحراراً، وبفضله يخدمون و "ليس لهم سيد". القانون وحده علم البشر أن يضعوا في هذه الدنيا ثبات المراسيم الإلهية. مسألة روسو السياسية هي "إيجاد شكل حكومي يضع القانون فوق الإنسان". ولما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يكون عسفياً أو ظالماً، ولا يمكن أن يكون إلا عاماً. موضوعه جميع الأفراد بوصفهم مواطنين، لا بالصفات الشخصية، البدنية والذهنية والنفسية لكل منهم؛ أي أن موضوعه ما هو عام في كل منهم. ولذلك "يستطيع القانون أن يرسم أنه ستكون هناك امتيازات، ولكنه لا يستطيع أن يعطي امتيازات لشخص بعينه، القانون يستطيع أن يقيم عدة طبقات من المواطنين، بل أن يعين الصفات التي ستعطي حق الانتماء إلى هذه الطبقات، ولكنه لا يستطيع أن يسمي هؤلاء وأولئك ليقبلوا فيها، بوسعه أن يقيم حكومة ملكية و خلافة وراثية، ولكن ليس بوسعه أن ينتخب ملكاً، ولا أن يسمي أسرة ملكية؛ بكلمة: كل وظيفة تنسب إلى موضوع فردي ليست ملكاً للسلطان التشريعي".[42]ولما كان الشعب نفسه هو السيد الذي يضع القانون فإن القانون الذي يضعه لا يمكن أن يكون ظالماً. "السيد هو كل منا، ولا أحد منا ظالم حيال نفسه". وما من حاكم يمكن أن يكون فوق القانون، ما دام كل حاكم مندوباً عن السيد. ومع أن الجمهرة عمياء وعارية عن الحس النقدي، أعطيت وسام السيادة الجليل، وسلم لها بشرعية وضع القانون الذي هو شرط الاجتماع البشري؛ لأن "الشعب الخاضع للقوانين يجب أن يكون هو صانعها، للذين يجتمعون، لا لسواهم، أن يضبطوا شروط المجتمع". على أن المشرع ينبغي أن يكون في مستوى هذه المهمة الجليلة حكمة وتبصراً وتنوراً وقدرة على "أن ينطق الآلهة"، ولا يتأتى له ذلك بغير الاسترشاد بالأخلاق والعادات وبالرأي العام. وإنه لا يمكن التأكد من أن إرادة المشرع "الخاصة" متوافقة مع الإرادة العامة "إلا بعد إخضاعها لأصوات الشعب الحرة"، وهو ما يسمى اليوم الاستفتاء على الدستور.

"لا يغدو أحدنا إنساناً إلا بعد أن يصير مواطناً" هذا ما قرره روسو في العقد الاجتماعي. وهي "الفكرة التي ستغذي أكثر المحاولات طموحاً في خلق مجتمع جديد، أي سلطة سياسية جديدة تولد إنساناً جديداً. فنزعة الحداثة تحرض الإرادة الجماعية على النضال ضد التفاوت والنتائج السلبية للإثراء، باسم العقل الذي يتحول على سيادة شعبية لإقامة التحالف بين الإنسان والطبيعة.[43] وهذا التحالف ضروري عند روسو لحذف التعارض بين النظام الطبيعي والنظام الاجتماعي، أي بين نظام المجتمع ونظام العقل. وهو نظام يؤكد الفردية في تعريفها الإيجابي بوصفها نزعة طبيعية وبسيكولوجية سواء بسواء. ولكن ا موقع هذه النزعة الفردية إزاء الإرادة العامة؟ روسو لا يرى أن مجرد قيام المجتمع على مبدأ العقد الاجتماعي يعني أنه قد غدا عقلانياً. فثمة التفاوت والنزعات الأنانية وآليات المنفعة وغيرها تجب معارضتها بالعودة على الطبيعة، أي إلى العقل، والعثور من جديد على ائتلاف الإنسان والعالم. من فكر روسو تصدر في آن واحد فكرة السيادة الشعبية التي ستغذي كثيراً من الأنظمة الديمقراطية، وستغذي أيضاً أنظمة استبدادية وشمولية، وفكرة الفرد ممثلاً للطبيعة حيال الدولة. ومن روسو يمضي النقد الجذري للمجتمع إلى فكرة السيادة السياسية في خدمة العقل.[44]وبعد ذلك سوف يقول كانط: إن ما يحدد الخير الأسمى هو الاتحاد بين الفضيلة والسعادة، أي بين القانون والفرد، بين النظام والإنسان الفاعل. وذلك بارتقاء الإنسان فوق جميع ميوله وفوق أي موضوع أو سلوك مطابق للخير، أي نحو ما هو عام وشامل في الإنسان، نحو العقل. فالخير عند كانط هو العمل المطابق للعقل، والخاضع من ثم للقانون الأخلاقي الذي هو البحث عن العام والشامل في الخاص، وذلك باختيار شيئين في آن واحد هما السلوك القابل للعمومية والشمول، واتخاذ الإنسان غاية لا وسيلة. الإنسان عند كانط ذات أخلاقية، لاحين يسعى إلى سعادته أوإلى ما تعلمه بأنه فاضل، وإنما حين يمتثل للواجب، وليس الواجب سوى سلطان العام الشامل الذي هو واجب المعرفة.[45]

"التوازي مدهش بين أخلاق كانط وسياسة روسو التي تقترح خضوع الفرد المطلق لإرادة عامة تبني مجتمعاً إرادياً وطبيعياً في آن واحد، أي المجتمع الذي يؤمِّن التواصل بين الفرد والجماعة، ويؤسس الرابط الاجتماعي كضرورة وكحرية معاً"[46].

سمة القانون الأساسية هي العمومية، ولكن تنفيذ القانون يقع على الأشخاص والحالات الخاصة. أحكام القانون عامة تنطبق على جميع مواطني الدولة التي وضع القانون ليناسب روحها العام وليعبر عن إرادتها العامة، ونعني بالدولة الأرض والشعب والحكومة. الشعب السيد يضع القانون تعبيراً عن إرادته العامة، لكن من ينفذه هي الحكومة، أو السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. وهما مأخوذتين كلاً على حدة شكل التوسط بين العام والخاص. وهذا ما يضع الفرق بين الدولة والحكومة، أو بين المجتمع / الدولة والسلطة السياسية. وبحسب صياغة روسو: السيد يريد والحكومة تفعل، وهي أي الحكومة قوة في خدمة الإرادة العامة، تنفذ القوانين، ولا شيء سوى القوانين، وتحافظ على الحرية المدنية والسياسية. الشعب السيد لا يجوز أن يكون له رئيس، وإلا فإن سيادته ناقصة أو وهمية؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك أي عقد آخر إلى جانب العقد الاجتماعي الذي يؤسس السيادة. الفعل أو القرار الذي يؤسس الشعب بموجبه حكومة هو قانون، لا عقد. "إن مستودعي السلطان التنفيذي ليسوا سادة الشعب قط، بل هم موظفوه، بإمكانه أن ينصبهم وأن ينزلهم حين يشاء، ليس لهم أن يتعاقدوا، بل أن يطيعوا". وإذ ينفرد الشعب بالسلطة التشريعية بوساطة مفوضيه الذين ينتخبهم بحرية تامة، فإن السلطة السياسية أو الحكومة إنما تستمد شرعيتها من السيد وحده. وتصنف الحكومات بحسب عدد أعضاء الجسم الوسيط المكلف تنفيذ القوانين، فتكون ديمقراطية أو أرستقراطية أو مونارشية (ملكية دستورية).

الحكومة الديمقراطية عند روسو حكومة سيئة، لأن من يضع القوانين هو الذي ينفذها. "لو كان هناك شعب من آلهة لحكم نفسه ديمقراطياً". موقف روسو هذا يذكر بنقد أفلاطون للنظام الديمقراطي، وكلاهما: موقف روسو ونقد أفلاطون لا ينفيان ميلهما إلى الديمقراطية بقدر ما يشيران إلى تناقضاتها الداخلية. الدولة الأرستقراطية الانتخابية هي الأفضل؛ لأن السلطة تفوض لمن هم أكثر حكمة بشرط أن يحكموا لمصلحة الشعب لا لمصلحتهم. هذه الحكومة تتطلب فضائل أقل مما تتطلبه الحكومة الديمقراطية: تتطلب "الاعتدال في الأغنياء والاكتفاء في الفقراء". ذلك لأن التفاوت هو الذي يتطور في المجتمع الحديث، ويفضي إلى نظام سياسي معارض للمجتمع المدني الذي ليس له من ضمانة إزاء الجور والعسف الناجمين عن التفاوت سوى الإرادة العامة التي كان يرى فيها أداة للكفاح ضد التفاوت.[47]

لعل الملكية الدستورية هي الأفضل عند روسو، ففي مثل هذا النظام تتحد إرادة الشعب وإرادة الأمير وقوة الحكومة الخاصة "كل شيء يستجيب للدافع نفسه، كل نوابض الآلة في يد واحدة، كل شيء يسير إلى الهدف نفسه، ليس ثمة حركات متعارضة يدمر بعضها بعضاً، ولا يمكن أن نتصور أي نوع من دستور ينتج فيه جهد أقل عملاً أكبر".[48] في الحاصل ليس هتاك حكومة هي الأفضل. إن مسألة أفضل حكومة غير قابلة للحل. "أو إذا شئتم، لها حلول جيدة بقدر ما هناك من تراكبات ممكنة في المواقع المطلقة والنسبية للشعوب". و"كما أن الإرادة الخاصة تفعل باستمرار ضد الإرادة العامة، كذلك فالحكومة تبذل جهداً دائماً ضد السيادة".[49] الحكومة، بما هي جسم سياسي يتوسط بين السيد والمواطن، لها مصالحها الخاصة، إنها أنا خاص إزاء الأنا المشترك، تنطوي على نزوع دائم إلى إنماء قوتها الخاصة وإرادتها الخاصة بصفتها جسماً سياسياً خاصاً داخل الجسم السياسي العام؛ ومن ثم، فإن "العيب الملازم والمحتوم الذي منذ ولادة الجسم السياسي يتجه بلا كلل إلى تدميره، كما الشيخوخة والموت يدمران أخيراً جسم الإنسان".

الثورة الفرنسية على الأبواب، ثورة الطبقة الثالثة على الملك والإكليروس والنبلاء، الطبقة البورجوازية التي تعرِّف نفسها بأنها "كل شيء، ولكنها في النظام السياسي الملكي المطلق "لا شيء"، وتريد أن تكون شيئاً ما. "نحن لا شيء، ولكننا نريد أن نكون شيئاً ما"، بل أكثر من ذلك، أمة تامة. ولكي تبقى الطبقة لثالثة أمة وتزدهر لا بد من"أعمال خاصة ووظائف عامة". هكذا وضع سييس المسألة في كتابه "ما هي الطبقة الثالثة" عام 1789 ، عام قيام الثورة الفرنسية التي ستعيد تشكيل الجسم السياسي، لا في فرنسا فقط، بل في القارة الأوربية، وفي العالم كله من بعد. والتي، بحسب أهم مطالبها، يمكن وصفها بالثورة الدستورية لتي استلهم المفكرون الذين مهدوا لها فكرياً وأخلاقياً الدستور الإنكليزي والدستور الأمريكي الذي جمع مونتسكيو وروسو. الثورة الفرنسية لم تكن ثورة على ذوي الامتيازات فقط، بل على مبدأ الامتيازات ذاته أساساً، المبدأ الذي يقبع في أساس الاستبداد، وفي مستوى أعمق، يمكن القول إنها كنست جميع مخلفات العصور الوسطى الإقطاعية، الفكرية والسياسية والأخلاقية.

كانت الطبقة الوسطى، البورجوازية، المدينية التي مبدؤها "العمل عبادة"، تتهيأ لتقديم نفسها على أنها ممثلة المجتمع ومعبرة عن كليته، فأحلت مفهوم الأمة محل الملك، محل "الشعب في ملك"، ثم قدمت نفسها على أنها هي الأمة، وإرادتها هي الإرادة العامة، ومن ثم فهي مصدر السيادة والشرعية. "من سيجرؤ إذاً على القول إن الطبقة الثالثة ليس عندها كل ما يلزم لتشكيل أمة بتمامها؟ إنها الرجل القوي والمتين الذي ما زالت إحدى ذراعيه مقيدة. إذا رفعنا الصف ذا الامتياز، لن تكون الأمة شيئاً ما أقل، بل شيئاً ما أكثر. هكذا فما هي الطبقة الثالثة؟ كل شيء، ولكن معوَّق ومضطهد. ماذا تكون بدون الصف ذي الامتياز؟ كل شيء، ولكن حر ومزدهر. لا شيء يمكن أن يسير بدونها، كل شيء يسير على نحو أفضل إلى ما لا نهاية بدون الآخرين".[50] أصحاب الامتيازات هم الملك والإكليروس وطبقة النبلاء، بل طبقة النبلاء بوجه خاص.

الطبقة الثالثة كانت ممثلة في مجلس الطبقات، لكن من يمثلها هم النبلاء الذين نالوا امتيازات بوظائفهم، ومن ثم فهي ليست حرة؛ ومن المستحيل، يقول سييس، أن تصير الأمة في جسم، أو أن تصير أي هيئة حرة، إذا لم تكن الطبقة الثالثة حرة. ليس المرء حراً بامتيازات، بل بالحقوق التي هي ملك للجميع". حين تحل الحقوق محل الامتيازات تتغير العلاقات الاجتماعية جذرياً من علاقات التبعية والولاء الشخصي المكافأ عليه بالامتيازات إلى علاقات المواطنة القائمة على اعتراف الجميع بحقوق الجميع، المدنية والسياسية على السواء. وضمانة ذلك أن ينتخب النواب أو المفوضون مباشرة من الشعب، وأن تجري الانتخابات على أساس الرأس لا على أساس الصف أو الطبقة، وبهذا فقط تكون الطبقة الثالثة مشاركة فعلياً في الدولة، وجزءاً من الجسم السياسي.

لعل امتياز سييس المدافع عن حق خمسة وعشرين مليون فرنسي في أن يكونوا شيئاً ما إزاء مئتي ألف من ذوي الامتيازات، من النبلاء والإكليروس، يكمن في وضع مفهوم الأمة، بوصفه التعبير المجرد عن الكل الاجتماعي، محل مفهوم الجسم السياسي، أو المجتمع المدني. ومن هذه اللحظة سوف يتطابق مفهوم المجتمع المدني ومفهوم الأمة. وسوف يفصح إعلان حقوق الإنسان الفرنسي عن العقيدة الأساسية للحق العام: "إن مبدأ كل سيادة قائم جوهرياً في الأمة". الثورة الفرنسية بذرت بذور الحرية والعدالة والمساواة، وسيادة الشعب وحكم القانون، ولسوف تنمو هذه البذور ببطء، ولكن بقوة وثبات.

ليس هناك ما هو أفضل للمجتمع المدني من دراسة شهادات خصومه، وليس ما هو أفضل للديمقراطية من التفكير ملياً في نقد نقادها، ولا سيما حين ينطلق هؤلاء وأولئك من المبادئ ذاتها التي قامت عليها فكرة المجتمع المدني وقضية الديمقراطية، فإن في هذا وذاك ما يؤكد رسوخ المبادئ ومشروعيتها العقلية والتاريخية. النقد المحافظ للثورة الفرنسية، الذي عززه الإرهاب الذي مارسته الثورة نفسها، مفيد في كثير من جوانبه. (راجع برك ص 189 وما بعدها)

لقد خسرنا كل شيء، ولكن تبقى لنا التربية. هكذا كان فيخته، الفيلسوف الألماني يعلم، بعد معركة يينا، وسيطرة نابليون على ألمانيا. فيخته العالمي النزعة يتحول إلى مدافع عنيد عن الوطنية (= القومية). التربية الجديدة والشعور القومي لذات جريحة يتضافران مع الدعوة إلى الاستقلال والحرية والسيادة، انطلاقاً من مبدأ راسخ بما فيه الكفاية: " المطر والندى والسنوات الخصبة أو المجدبة يمكن أن تأتينا من قوة مجهولة، مطروحة من تأثيرنا، ولكن وجود البشر الخاص تماماً، كل وضعية الجنس البشري، لا يتوقفان إلا على البشر .. البشر لا يصيرون لعبة هذه القوة الخفية إلا إذا كانوا جميعاً بالتساوي عمياناً وجهلة؛ ولكن لهم ألا يكونوا لا عمياناً ولا جهلة".

لا يزال يراود المرء شعور عميق، كذلك الذي كان يساور النهضويين العرب، في العهد الليبرالي، بأهمية الإصلاح وضرورة النهضة. النهضة على نحو ما حدثت هناك، في الغرب الذي يزيدنا نفوراً من سياساته و "ثقافته" الجديدة، ثقافة ما بعد الحداثة التي تلقفها بعضنا، كما يتلقف أي سلعة جديدة تغريه بها قطعة لحم بشري شبقة. مبادئ النهضة التي حدثت هناك، المبادئ العقلية والأخلاقية التي تأبى إلا أن تكون عالمية وإنسانية. تلك المبادئ التي يخيل لمن يدرس تاريخ الأفكار السياسية أنها صنعت التاريخ. المجتمع إنسان صنعي، قابل للتحسن كصانعه تماماً. الإنسان قابل للتحسن. العمل، الممارسة، تدخل واع وغير واع في التاريخ. السياسة شأن دنيوي، فيها جميع سمات البشر وخصائص دنياهم. وهي تنمو وتتطور بنمو المعرفة والعمل، أو المعرفة / العمل، كأنها تحمل، من اللحظة التي اعترفت بنفسها واعترف بها شأناً دنيوياً أولاً وشأناً عاما ً ثانياً، بذور الديمقراطية.

أليكسي دي توكفيل، مونتسكيو القرن التاسع عشر، سينمي البذور الديمقراطية في الفكر الليبرالي، في كتابه الشهير "الديمقراطية في أمريكة" الذي ألفه بين عامي 1835 و 1840 ، في عهد الملكية "مونارشية تموز" (1830 – 1848)، في فرنسا.

لاحظ توكفيل في مدخل كتابه أن المجتمع الأمريكي "كي يبلغ هدفه يرتاح على المصلحة الشخصية، ويدع قوة الفرد وعقله يفعلان بدون أن يقودهما. (المجتمع) الروسي يركز نوعاً ما في رجل كل قدرة المجتمع. الأ وله كوسيلة فعل رئيسية الحرية. والآخر العبودية. نقطة انطلاقهما مختلفة، سبلهما متنوعة، إلا أن كلاً منهما يبدو مدعواً بقصد سري من العناية الإلهية إلى أن يمسك في يده ذات يوم مصائر نصف العالم".[51] هل قرأ لينين كتاب توكفيل؟

تلفت النظر ملاحظة توكفيل أن الثورة الديمقراطية لم تكن حدثاً عارضاً ومحلياً ومؤقتاً، بل كانت ذات طابع كلي وكوني. فهي تبدو له أقرب ما تكون إلى تدبير من العناية الإلهية " النمو التدريجي لتساوي الشروط هو إذاً واقعة من العناية الإلهية، له سماتها الرئيسية، إنه راسخ دائم يفلت كل يوم من سلطة البشر؛ كل الأحداث وكل البشر تخدم نموه وتطوره. أيكون من الحكمة الاعتقاد أن حركة اجتماعية تأتي من بعيد كهذه يمكن أن توقفها جهود جيل؟ هل يفكرون بأن الديمقراطية بعد أن دمرت الإقطاع وهزمت الملوك ستتراجع أمام البورجوازيين والأغنياء؟ هل ستتوقف الآن وقد أضحت بهذه القوة وأضحى خصومها بهذا الضعف؟" كل شيء كان يدفع باتجاه الديمقراطية، توكفيل كان يصيخ السمع لهمس التاريخ حيث تنمو الديمقراطية وتنبسط تحت جميع الوقائع والظاهرا
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 43
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى