الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

الحجاج في الفلسفة وفي تدريسها

اذهب الى الأسفل

الحجاج في الفلسفة وفي تدريسها

مُساهمة  احمد حرشاني في 31st يوليو 2010, 09:20

الحجاج في الفلسفة وفي تدريسها
حميد اعبيدة
مدخل عام: في اتجاه ديداكتيك خاص بالدرس الفلسفي
أصبح الحديث عن علاقة الفلسفة بالبيداغوجية ذا طبيعة محتدة وخاصة في الوقت الراهن؛ إذ برز جدل حاد، ومناقشة صاخبة بين الفاعلين في مجال تدريس الفلسفة، واتخذ الحوار في هذا المجال طابعا سجاليا مختلفا يمكن تنظيمه حسب محورين أساسيين:
المحور الأول: وتمثله مجموعة الرفض والعداء لكل إقحام بيداغوجي في الدرس الفلسفي، بدعوى أن الفلسفة تحمل بيداغوجيتها الخاصة، وأن الفلاسفة قد تفلسفوا، وشيدوا أنساقهم ونظرياتهم، أو مذاهبهم الفلسفية في منأى عن أية تقنية بيداغوجية، هذه الأخيرة التي لا يمكن –في نظرهم- إلا أن تكون كابحة أو مثبطة للتلفسف كفعل إنساني حر متناقض مع كل تقييد أو تنظيم بيداغوجي تقني. وحجتهم في ذلك أن أفلاطون أو كانط مثلا، أو غيرهما، قد أنتجوا أنساقا فلسفية كبرى، وخلقوا أتباعا، ودرسوا متعلمين استطاعوا النبوغ في مجال الفلسفة، بل أصبحوا فلاسفة فيما بعد، اعتمادا على جهدهم الخاص، وانطلاقا من الممارسة الفلسفية ذاتها، دون استحضار أية تقنية مساعدة خارج عن تلك الممارسة.
أما المحور الثاني: فتمثله المجموعة المتنصرة للبيداغوجيا، والداعية إلى توظيف مكتسبات علوم التربية في الدرس الفلسفي بدعوى أن الفلسفة أصبحت في عصرنا "درسا جماهيريا"، ونزلت من مجال احتكار أبناء الطبقات الأريسطوقراطية التي سادت في العصور القديمة والعصور الوسطى.
إذن لم يعد تدريس الفلسفة مقصورا في نظر هؤلاء على أبناء المحظوظين، بل أصبح موجها إلى عدد كبير من التلاميذ والطلبة وليس إلى النخبة، أو إلى فئة ضيقة كما جرت العادة في الحقب التاريخية المشار إليها.
وهكذا فقد دار صراع مرير بين هذين الاتجاهين، انتهى إلى ميلاد شبه اتفاق تمخضت عنه رؤية جديدة، تؤكد على دور البيداغوجيا في تدريس الفلسفة، وتؤكد في نفس الوقت على اعتبار خصوصية الدرس الفلسفي وتميز طبيعته، خصوصا في الأوساط الفلسفية الفرنسية التي نتعامل معها، أو نستفيد بشكل أو بآخر من مناهجها وأبحاثها في مجال ديداكتيك الفلسفة. وانطلاقا من هذا التراكم المحقق لدى الفرنسيين، يمكن تسجيل نوع من التقدم في ميدان تدريس الفلسفة، خصوصا لما نعرف أن فرنسا هي البلد الأوروبي الوحيد المعروف بسبقه وبتقدمه على مستوى تعميم تدريس مادة الفلسفة في الثانوي، منذ الجمهورية الثالثة، أي منذ بداية القرن الماضي كما يؤكد ذلك لويس فابياني Louis Fabiani في كتابه فلاسفة الجمهورية Les philosophes de la république

[1]. وسندرس بشيء من التفصيل، ضمن هذا المدخل، بعض المواقف التي تمخضت عن المناقشة أو السجال الدائر بين المهتمين في هذا المجال، معتمدين على عدة أعمال متخصصة بدأت تكتسح الساحة التعليمية الفرنسية منذ مطلع الثمانينات، لتنتقل بالتوالي إلى أوساطنا التعليمية، حيث شكلت ضالة المدرسين والفاعلين في ميدان الفلسفة ببلادنا، وبدأت تشكل محاور ندوات، دروس تجريبية، مناقشات، دراسات أو ترجمات... الخ.
ففي بداية الثمانينات، وبالضبط سنة 1982، صدر كتاب اليقظة الفلسفية L’éveil philosophique للكاتبة الفرنسية فرانس رولان France Rollin [2]، حيث انخرطت صاحبة هذا الكتاب، في النقاش الدائر حول إشكالية إقحام البعد البيداغوجي التقني في الدرس الفلسفي. وهكذا فعلى امتداد المدخل النظري المطول، حاولت فرانس رولان تأكيد خصوصية هذا الدرس، ومناقشة مبدأ التفلسف التلقائي، المبني على الحوار "والحرية المغلوطة"، التي قد يتبادر إلى ذهن البعض أن سقراط كان يطبقها في "دروسه".
نعم، إن الحوار ومبدأ التفلسف الحر الذي يؤسسه، لا بد لهما من التفاعل مع الفلسفة، "المعرفة الفلسفية"، المستقاة من تاريخ الفلسفة، ومع التنظيم البيداغوجي الوافد من صلب التطور الهائل الذي حصل في مجال المعرفة بصفة عامة، والعلوم الإنسانية والتربية بصفة خاصة. إن الدرس الفلسفي في نظر "رولان" موجه إلى التلاميذ، أي إلى فئة عريضة من الناس، لها ثقافتها الخاصة، ولها مكتسبات معرفية سابقة لا بد من وضعها في حسابات أستاذ الفلسفة حتى لا تتحول إلى عوائق "بيداغوجية/إبستمولوجية" خاصة، تحول دون تحقق الهدف أو الأهداف التي ينشدها الدرس الفلسفي في عصرنا. والكاتبة، وإن كانت تركز على إدماج الهاجس البيداغوجي في تدريس الفلسفة، فإنها في نفس الوقت تدعو إلى ضرورة التقيد بشروط خصوصية الفلسفة، وتميز نمط تدريسها. ومن ثم فإن الاستفادة من علم النفس ومن نظرية الأهداف في الدرس الفلسفي، تصبح أمرا ممكنا إذا تم التقيد الواعي والحذر، الذي نصت عليه صاحبة كتاب اليقظة الفلسفية سابقا، وتم وضع كل ذلك في الاعتبار لدى المدرسين والمهتمين بالتعليم الفلسفي بوجه عام.
وفي عام 1983، صدرت أعمال مجموعة "C.E.P.E.C" [3]، الخاصة ببيداغوجية الفلسفة، الموضوع الثالث للباكالوريا (التعليق على النص) Le Commentaire du texte. وهكذا، وفي مقدمة العمل رقم 13، المرصود لبيداغوجيا النص الفلسفي، تمت الإشارة إلى محتويات المذكرة الوزارية الصادرة سنة 1958 والتي يمكن تلخيصها فيما يلي: "إن الفلسفة قادرة بوحدها أن تدافع عن نفسها، ولها بيداغوجيتها الخاصة بها، كما تستطيع تأمين ترقيها الخاص". وبالتالي يعلق أصحاب العمل المذكور، قائلين بأنه: "لكي يتحقق هذا اليقين –المطمئن- يجب غض النظر عن عدم الرضى الذي يسود أوساط عدد من مدرسي الفلسفة في الوقت الراهن"، أي أنه إذا كانت الفلسفة في حد ذاتها مستغنية عن البيداغوجيا، وكافية لنفسها، فلماذا يعاني أساتذة الفلسفة الأمرين في عملهم التعليمي التعلمي، ولماذا يواجهون من الصعوبات الديداكتيكية الشيء الكثير؟
إن عدم الرضى المشار إليه، السائد في أوساط المدرسين، يمكن تفسيره بكون الدرس الفلسفي، الذي نعتقد أحيانا أنه أكثر نجاحا بالمقارنة مع الدروس الأخرى، لا يحقق أهدافه. والدليل على ذلك، هو النتائج الهزيلة التي يحصل عليها التلاميذ. "إذ غالبا ما نصادف أوراقا تعيد إنتاج التعابير المتداولة البسيطة، والإيديولوجية السائدة" [4] كما عبر عن ذلك أحد المهتمين. أي أن مردودية الدرس الفلسفي هزيلة، وأن نتائج التقويم لا تعكس تلك "الوثوقية" العمياء التي تدعي مضامين المذكرة السالفة الذكر حصولها في الفلسفة وفي تدريسها.
إن أستاذ الفلسفة يجد نفسه –حسب رأي هذه المجموعة- في مأزق، فهو من جهة يوجد أمام خطاب فلسفي (مادة معرفية فلسفية) لا زال يبحث عن نفسه (غير منظم)، وأمام ممارسة بيداغوجية، لم يتلق بموجبها أي تكوين سابق إلا ما علمته تجربته الخاصة، أو ممارسته الذاتية. من هنا يتساءل أصحاب هذا العمل: هل توجد بيداغوجيا خاصة بتدريس الفلسفة؟ ليجيبون مباشرة: "لنتحفظ قبل إعطاء أي جواب نهائي لهذا السؤال، لأن الأمر يتعلق هنا بمشكل فلسفي حقيقي، يغذي من حين لآخر الجدل والمناقشة الدائرين في هذا المجال.. إننا نلاحظ من جهتنا أن حجج الخصوم، وحجج المؤيدين حول بيداغوجية تدريس الفلسفة، هي في الغالب في محلها وذات مصداقية، حيث يستند كل منهما لمرجعيات فلسفية لها أهميتها الخاصة، وتشتق –سواء تعلق الأمر بهذه أو تلك- من نفس المؤلف، من أفلاطون إلى هيجل. ولكن –سواء شئنا أم أبينا- فإننا نهيء تلاميذنا إلى اجتياز امتحان، والخضوع إلى تقويم نهائي" [5]. إن الأمر يتعلق هنا بمهمة بيداغوجية تتمثل فيما يلي: جعل التلاميذ في ظرف سنة واحدة، قادرين على تركيب موضوع أو الإجابة على أسئلة في ثلاث أو أربع ساعات، هذه المادة التي ستصحح في وقت وجيز، وتنقط بصفة نهائية لا رجعة فيها. إنها مهمة لا ينبغي استصغارها أو احتقارها، نظرا لما لها من أدوار أو آثار على مستوى نفسية التلميذ، بل وحتى على مواقفه إزاء الدرس الفلسفي، وإزاء الفلسفة نفسها.
إن الذين يدعون إلى درس فلسفي بدون بيداغوجيا، يضعون هذا الدرس في مستوى عمل التلميذ نفسه، الذي يتم في منأى عن البيداغوجيا (أو في مناخ بيداغوجي غير واضح تماما). أي أن مجموعة عمل CEPEC لا تتفق مع الفكرة القائلة بأنه من الممكن أن نصبح "فلاسفة" بمجرد الحضور والإنصات لخطاب الفلاسفة الذين نتأثر بهم، أو نصير أتباعا لهم، أو لخطاب الأساتذة والمدرسين، فنستوعب كل شيء ونحل مشاكلنا التعلمية/ التعليمية في مجال تدريس الفلسفة.
إن نفي البيداغوجيا، أو إقصاء الهاجس البيداغوجي، ظاهرة أو أطروحة بيداغوجية تبرز في الفلسفة كما في غيرها من المواد الأخرى، وذلك ضمن مناخ أو ممارسة بيداغوجية متميزة.. إذ يتم التعلم عن طريق الإعجاب بنموذج الأستاذ أو الفيلسوف (عبر عملية تهيء سيكولوجية)، وهنا يمكن الحديث عن بيداغوجيا تعتمد الإلقاء. وإذا كان بعض الأساتذة يرون أن البيداغوجيا عديمة الفائدة في الدرس الفلسفي، بل تافهة ولا جدوى منها، فإن البعض الآخر منهم يغرق "السوق" بإنتاجات بيداغوجية تنصح التلميذ وتوجهه نحو "إنجاز جيد" لامتحان الباكالوريا، وسواء تعلق الأمر بهؤلاء أو أولئك، فإن الجميع يقدم نصائح للتلاميذ داخل الأقسام، ذات طابع بيداغوجي/منهجي، بخصوص تحليل أو دراسة النصوص، أو الإنشاء الفلسفي، أو التساؤل أو غير ذلك من الكفاءات المنهجية والتمارين. تلك النصائح التي يجتهد فيها الأساتذة، كل حسب رأيه وتجربته الخاصة. ومع ذلك، فقد يحصل التلاميذ على نتائج هزيلة أثناء عملية التقويم الإجمالي، لأن المقاييس أو المعايير التي ينهجها التقويم لا زالت غير موحدة، ولأن التلاميذ لا يحصلون على نفس التكوين، أو يخضعون لنفس التهيء. ومن ثم، تأتي ضرورة البيداغوجيا في نظر أصحاب الكتاب، أو العمل المشار إليه سابقا.
وكنموذج آخر لمناقشة إشكالية العلاقة بين البيداغوجي والفلسفي، نقترح تجربة مجموعة كتاب Apprendre à philosopher dans les lycées d'aujourd’hui [6] (تعلم التفلسف في ثانويات اليوم). ففي تصدير الكتاب، تدعو المجموعة بقلم "فيليب ميريو" إلى تجنب سوء تفاهم أول يتجلى في أنه إذا كان التعليم الفلسفي/تدريس الفلسفة، يأخذ لنفسه كهدف القاعدة الكانطية، التي تعتبر أن كل تلميذ يجرؤ على التفكير بنفسه، ويستطيع التفلسف بدون وسيط بيداغوجي، أي أن أي طريقة ديداكتيكية،وأي فهم بيداغوجي لا يستطيعان مد التلميذ، بصفة ميكانيكية، بالقدرة على التفلسف، وأننا لا ننتج الموقف الفلسفي ولا نصنع فيلسوفا. وبهذا المعنى، تسقطنا عملية إدخال البيداغوجيا ضمن مجال الدرس الفلسفي، في تناقض لا يجد الأساتذة أية وسيلة لدرئه. لأن منع التلميذ من التفكير بنفسه، وبشكل حر، أمر يتعارض حتى مع البيداغوجيا نفسها. لكن لا أحد يستطيع أن يحرر الإنسان/المتعلم من أحكامه السابقة، ولا أحد يستطيع إخراج الفرد من الكهف، ودفعه إلى التفكير العقلاني بدون هذا الهاجس البيداغوجي، وبالتالي، فلماذا التخوف من البيداغوجيا؟ بل التخوف يجب أن يحصل من أولئك الذين يدعون أنهم يملكون "السر" الذي يمكن الإنسان من التفلسف.
إن البعض يرى (انطلاقا من فكرة أو أطروحة، استدخال البيداغوجيا إلى مجال تدريس الفلسفة، أو الإحالة دون ذلك الاستدخال)، بأن مفهوم التعلم يحيل مباشرة إلى الفكر السكولائي/المدرسي، لهذا يفضل الفلاسفة نظرية المعرفة بدل هذا المفهوم؛ إنه رفض لإنتاج الأتباع، ما دام التعلم كمفهوم يحيل بالدرجة الأولى إلى صورة خاصة يكون فيها المعلم، والمحتويات التعليمية، والتلاميذ أو الأتباع/المريدين، متأثرين بما يلقنهم إياهم هذا المعلم، حيث لا يدفعهم إلى المشاركة في الدرس، بل يهيء كل شيء، وبالتالي فما عليهم إلا أن ينصتوا ويتأثروا.
إن ما يثيره إدخال أو إقحام الهاجس البيداغوجي في الدرس الفلسفي إذن، هو: كيف يمكن الجمع بين شيء يسعى إلى بناء "المطلق"، وشيء يحاول الإبقاء على استمرار بناء النسبي "الديداكتيك"؟ وهل هناك انسجام بين التفلسف كضرورة، وبين الطرق البيداغوجية كاختيار (اختيار الأستاذ لطريقة ما؟). الأول يحيل إلى الانخراط الذاتي/الشخصي، والثاني يترك الافتراض مفتوحا أمام أن نوجه أيا كان نحو أية وجهة ممكنة. وأخيرا ينتهي فيلب ميريو Philippe Merieu [7] إلى الخلاصات التالية:
1 – ليس هناك من يستطيع إنكار ضرورة التمرين العقلاني على التفلسف بواسطة طرق ووسائل بيداغوجية.
2 – إن التلاميذ (وحتى النجباء منهم) محتاجون للبيداغوجيا، وذلك للمضي بهم بعيدا في طريق التفلسف.
3 – يجب التعجيل بإخضاع الدرس الفلسفي إلى الهاجس البيداغوجي (مع مراعاة شروطه وطبيعته) إذ لا يكفي أن نقول ما سنعمل على القيام به، بل المهم هو أن نبدأ العمل، أو نحجم عن الكلام.
4 – إن الديداكتيك يجب أن يميز أو يعرف (ويتعلق الأمر بشروط التفلسف) بما يجب عليه أن يعمل على إحداثه (وهنا يتعلق الأمر بفعل التفلسف نفسه).
هكذا يمكننا القول ضمن هذا المدخل النظري، بأن تدريس الفلسفة (المطعم بيداغوجيا) يمكنه أن يصل إلى بناء الإنسانية في الإنسان، لأنه يعرف كيف يجمع بين بيداغوجيا مرافقة، تجعل الشيء ممكنا بدون أن تجعله تابعا، وبين بيداغوجيا مجازفة تمنح الثقة بدون مصادرة الحرية.
نعم إن إقحام البعد البيداغوجي في الدرس الفلسفي الحالي، صار أمرا محتوما، نظرا لإكراه تقني فرضته عوامل متعددة أهمها ما أشرنا إليه سابقا، ألا وهو تحول الفلسفة من نظام تدريسي نخبوي إلى نظام تدريسي جماهيري يتبعه التقويم أو الامتحان. الشيء الذي يستلزم إقامة تعاقد "ديمقراطي" بين الممتحن والممتحن، وبين جميع الفاعلين في العملية التعليمية/التعلمية المتعلقة بالفلسفة، رغم المفارقة القائمة بين الفلسفة كمعرفة حرة والتفلسف كفعل حر من جهة، والإكراهات التقنية التي قد تحملها البيداغوجيا من جهة ثانية.
1 – الحجاج وعلاقته بالتداولية وعلم التركيب والسيمنطيقا (علم المعنى):
Argumentation – pragmatique – syntaxe – sémantique
أشرنا في المدخل السابق إلى الدور الأساسي للبيداغوجيا في مجال الدرس الفلسفي، وهكذا فإذا كان الحجاج يعتبر من أحد الأهداف النواتية الأساسية في الفلسفة، وفي تدريسها حسب تعبير مجموعة كتاب تعلم التفلسف في ثانيوات اليوم، فإننا بدورنا نؤكد على أن الخطاب الفلسفي –كمادة معرفية يتم وفقها إنجاز أعمال الأساتذة، وذلك لكونها تشكل وسيطا بين المتعلم والمدرس- لا يقوم إلا بواسطة الحجاج الذي يشكل الهيكل الخاص لكل البناءات الفلسفية الواردة في تاريخ الفلسفة. من هنا يأتي الاهتمام بالجانب الحجاجي في الممارسة الفلسفية، ورغم أن الأمر تحفه عدة صعوبات فإن التعامل مع البنيات الحجاجية للنصوص الفلسفية، وتدريب التلاميذ على استخراج تلك البنيات، يعد أمرا بيداغوجيا لا بد من إكسابه للمتعلمين.
إن استخراج البنية الحجاجية إذن وضبطها، والاشتغال بها كأداة ووسيلة داخل الكتابات الإنشائية الفلسفية، يعد كفاءة منهجية تقتضي التدريب والتمرين والعمل الجاد، لأنه لا يمكن الحديث عن أي اشتغال في الفلسفة، وعن أي تفلسف بدون تملكها. وقبل إبراز البعد الحجاجي في الفلسفة وفي تدريسها، ارتأينا أن نقوم بهذه التعريفات كعمل أولي لا بد منه:
التداولية Pragmatique تهتم بالجانب التداولي للغة وبخصائص أو مواصفات استعمالها (الدوافع النفسية للمتكلمين، ردود فعل المخاطبين، أنماط التكييف الاجتماعي للخطاب، موضوع الخطاب… الخ)، وذلك على خلاف الجانب النحوي التركيبي، الذي يهتم بالخصائص الصورية للبناءات اللسنية. أما الجانب السيميائي أو السيمنطيقي فإنه يهتم بالعلاقات القائمة بين الكيانات اللسنية من جهة، والعالم من جهة ثانية، أي أنه يهتم بالمعنى أو بالدلالة.
هذه المستويات الثلاث، لا يمكن الفصل بينها أو عزل أحدها عن الآخر، ففي إطار سياق الاستعمال، تتجذر شروط المعنى. وإثارتنا لهذا الجانب اللسني المرتبط باللغة، له أهميته القصوى، نظرا لأن الفلسفة لا تشتغل إلا على اللغة وحولها، وبالتالي فهي مرتبطة بأشكال الخطاب التي تزخر بها اللغة.
من هنا، فإذا كانت الفلسفة ذات علاقة وثيقة باللغة وبالسياقات اللغوية، فإن السياق يدمج العلاقة بالآخر الذي يتوجه إليه الخطاب، وبالتالي فهو يضم أو يحتوي وضعية المتكلم ويشملها. واللغة بصفة عامة يمكن أن تشتمل على صور تعكس وجهة نظر الآخر، التي قد تمارس نوعا من التأثير على المتكلم. وهكذا لا يمكن أن نتصور وجودا مستقلا لأحد عنصري الخطاب: الأنا والآخر. إذ أن "الأنا" يمكن أن يفهم الوضع الذي تبناه الآخر إزاءه، فيختار الاستراتيجيات المناسبة (السخرية، اللعب بما هو ضمني في اللغة… الخ). وبالتالي فإن هناك بعدا تداوليا في العلاقات القائمة بين المصرح به والضمني، تلك العلاقات التي تحدد المعنى، والتي لا يمكن فصلها عن الجانب النحوي التركيبي ولا عن الجانب السيمنطيقي [8]. انطلاقا من هذه التحديدات، يتضح أن الخطاب يقتضي وجود سياق، ذلك السياق الذي يحمل بدوره حضورا للأنا، والآخر، والعالم. هذه العناصر الثلاثة هي التي تشكل المحاور الأساسية للتفلسف ولعمل الفلسفة، وبالتالي تصبح النصوص الفلسفية بدورها حاملة لذلك الحضور ومضطرة بشكل أو بآخر لاستعمال الحجاج قصد تحقيق مطلب الإقناع، أو مطلب الدفاع عن الأطروحات الخاصة، أو مطلب التفنيد (قصد دحض الأطروحات المضادة).
2 – الحجاج والبلاغة:
يسمي البعض العلاقة بين الضمني والمصرح به في اللغة، بالسيمنطيقا المندمجة، وبعضهم الآخر يسميها بالتداولية أو الحجاج، ولكن الحجاج بالنسبة لميشيل مايير هو التسمية الأكثر عمومية.
2-1-الحجاج:
يحدد لالاند [9] في قاموسه الفلسفي معنى الحجاج، وذلك بتقديم المعطيات التالية:
2-1-1-المحاجة أو الحجاج: هي سلسلة من الحجج تنتهي بشكل كلي إلى تأكيد نفس النتيجة، كما يرى بأن الحجاج طريقة في تنظيم واستعراض الحجج أو تقديمها.
2-1-2-الحجة: ويعتبرها بمثابة استدلال موجه لتشريع أو دحض قضية معينة، أو تفنيدها، ويرى من ناحية أخرى أن البعض ينتهي إلى اعتبار كل حجة دليلا.
2-1-3-الدليل: إنه عملية توجه التفكير العقلي بصورة يقينية ومقنعة. وبذلك يتخذ الدليل صورة استدلال تصير فيه النتائج منسجمة مع المقدمات التي انطلقت منها. ويحيل الدليل من جهة أخرى إلى الواقع، ليأخذ من ثمة مضمونا ماديا تصبح بموجبه الوقائع والأحداث والوثائق بمثابة أدلة. ويتميز الدليل عن الأشكال الأخرى للاستدلال بميزة الحقيقة. إذ أن كل ما يحمل عليه يعتبر في غالب الأحيان حقيقيا.
2-1-4-البرهنة: هي استنباط يوجه لتأكيد أو إثبات سبق نتيجة، وذلك بالاستناد إلى مقدمات معترف لها بميزة الصدق أو الحقيقة.
أما معجم فولكيي فيقدم لنا نفس المعطيات تقريبا التي وردت في قاموس لالاند، وإن كان يتوسع في ذلك، وتفاديا للتكرار نكتفي باستعراض مدلول الحجة أو الحجاج.
يعتبر فولكيي الحجة بكونها اعتبارا موجها لإثبات أطروحة أو دحضها، وبهذا المعنى ترادف الحجة الدليل، أو الاستدلال والتبرير.
2-1-5-من الدلالة المعجمية إلى الدلالة الفلسفية: نسمي إذن حجاجا تلك الطريقة التي تسلكها الفلسفة في إضفاء طابع التماسك على ما تنسجه من مفاهيم تمنح للمعيش دلالته. وقد وظفها جيل غاستون كرانجي [10] كمرادف للبرهنة الفلسفية، التي تكمن في الاستعمال المنظم للمفاهيم. والحال أن هذا الاستخدام إذا جرد من قصده الفلسفي، أي إن لم يراع فيه القصد الذي ينشده التفكير الفلسفي، فإنه سيصير مطابقا للتقنين أو التعقيد المنطقي. إلا أن هذه المطابقة ليست في الواقع إلا مظهرية، الشيء الذي يستوجب البحث عن دواعي استخدام الحجة والدليل، وكيفيات تمظهرهما في الفلسفة في موضع آخر غير المنطق.
وأول ميزة تنفرد بها الحجة في الفلسفة هي ميزة التبرير. لكن ينبغي التمييز بين التبرير الفلسفي وكل أشكال إقامة الدليل في مجالات المعرفة الموضوعية بصفة خاصة. هذا التمايز ينبغي تدقيقه نظرا للاعتبار الآتي: إذا كان نمط أو شكل التعبير، يحظى بأهمية ما في المعرفة الموضوعية، فإنه لا يشكل مع ذلك جزءا محايثا لعملية التصديق أو الإثبات فيها. إنه من الممكن دائما الفصل في هذه المعرفة بين محمول البرهنة وموضوعها، وبتعبير كرانجي نفسه، الفصل بين الجهازين البلاغي والتحليلي فيها. هذا الفصل الذي تقتضيه طبيعة هذه المعرفة من جهة، مثلما تقتضيه ضرورة تبليغها من جهة ثانية.
لكن هل يمكن أن يتم ذلك في مجال المعرفة الفلسفية؟ الواقع، أنه في الفلسفة لا يمكن الفصل بين ما يقال والشكل الذي يقال به، بين ما تحمل عليه هذه المعرفة الفلسفية، والطريقة التي تحمل بها عليه. وحتى إذا أمكن القيام بهذا الفصل فإن هذه المهمة تبدو صعبة جدا. ومن هنا فإن التعاطي للمعرفة الفلسفية كنتاج مجرد ومتخارج عن المؤلفات الفلسفية، أمر غير ممكن في الوقت الذي يكون فيه التعامل مع إنتاجات العلماء بمعزل عن مذكراتهم أمرا ممكنا. والأكيد أن هذا الارتباط بين الموضوع والمحمول، هو بالضبط ما يشكل خصوصية الفلسفة، وما يمنح للحجاج وللمفهمة وضعهما المتميز والمنفرد داخل الخطاب الفلسفي [11].
نسجل إذن أن الاستدلال الفلسفي يتميز عن أشكال الاستدلال الأخرى الواردة في الخطابات والمعارف غير الفلسفية، خاصة منها المعرفة العلمية. ويتميز الاستدلال الفلسفي بكونه لا يقبل الاختزال في فعل البرهنة أو الإظهار والإبانة أو لربما حتى في فعل الوصف.
البرهنة في الفلسفة إذن ليست هي نفسها في مجال العلم حيث تتخذ صيغة رياضية منطقية تترابط فيها النتائج مع المقدمات بشكل فرضي استنباطي، أو نزعة تجريبية تخضع فيها الفرضيات لمبدأ التحقق التجريبي. إن ما يحيل إليه الاستدلال الفلسفي ليس هو مواضيع محددة تستمد منها المفاهيم بصفة مباشرة، وتنطبق عليها هذه الأخيرة انطباقا وثوقيا. إن الأمر في الفلسفة يتعلق بالإفصاح والإظهار وليس بالمطابقة. على أساس ألا نرى في الإظهار إشارة أو تعيينا لموضوع ما، قابل للإمساك والامتلاك. إن فعل الإظهار في الفلسفة ليس مجرد مرآة تنعكس عليها المواضيع، إنه لا يتجه مباشرة إلى مواضيع، بنفس الشكل الذي يتجه به إليها مجرد الإدراك والتمثل، بل يتجه نحو فعل ما، يتعين على المتلقي أن ينتجه لنفسه ولفائدته. إن مجاله هو مجال الدلالة، لذلك يأتي الخطاب الفلسفي دائما كخطاب من مستوى ثان، أي كخطاب واصف Un méta-discours.
إن الاستدلال الفلسفي إذن، ليس استدلالا من نمط المنطق الصوري، وليس مجرد عمليات منطقية يمكن تشغيلها باستقلال تام عن أية إحالة موضوعية. إن اعتقادا من هذا القبيل يجعل من الاستدلال الفلسفي صورة للاستدلال المنطقي والرياضي، ينتهي إلى تجريده من كل علاقة بالمعيش؛ إنه يجعل منه استدلالا قادرا على أن يحمل على كل شيء وعلى لا شيء في نفس الآن. إن ما يميز الفلسفة بالضبط هو نزوعها أو ميلها إلى النطق بالمعيش في شموليته. إنها لا تصل في مرجعيتها إلى موضوع معزول ومقتطع من تجربة معينة، بقدر ما تحيل على تلك التجربة في كليتها وشموليتها.
إن ما نستنتجه مع جيل كاستون كرانجي من خلال مقاربته للحجاج الفلسفي يمكن صياغته حسب الشكل الآتي: "إن الفلسفة معرفة بدون مواضيع، وأن مسلكها الحجاجي لا يقوم على البرهنة، هكذا يكون الوصف الصائب للفلسفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأخيرة لا تنطلق من مبادئ صريحة ومعبر عنها، ولا تقود إلى أية حقيقة. وبالتالي ينبغي التأكيد على أن الأمر لا يتعلق هنا بميل إلى التشكيك أو الريب، بل يتعلق على العكس من ذلك بأنه من الممكن أن تحفظ للتفلسف مصداقيته وللفلسفة جدواها، وفي نفس الوقت استبعاد ذلك الاعتقاد الذي يطابق بين الفلسفة/التفلسف وفرض فكرة مذهبية معينة، وذاك الذي يفرض الاعتقاد بإمكان قول كل شيء في الفلسفة" [12].
إن الفلسفة إذن لا تتخذ في صياغتها الحجاجية البرهان أو البرهنة بالمعنى الذي يتم في العلم، وبالتالي فإن استدلالها لا يتخذ نفس الصورة التي نصادفها في أنماط الاستدلال المتداولة في نطاق المعارف الأخرى.
وإذا أكدنا سابقا على أن ارتباط الفلسفة باللغة، واستناد الخطاب الفلسفي إلى مختلف مكوناتها في تشييد أنساقه وبناء قضاياه، فإن ذلك يستلزم أن نتحدث عن الحجاج بمفهومه الواسع: أي أن نستحضر البلاغة وأشكال التعبير المختلفة التي تجود بها اللغة، ثم المنطق وجميع طرق التفكير والاستدلال التي توظف في الفلسفة، لكن بمراعاة خصوصية هذه الأخيرة.
ويرى فريديريك كوسيطا [13] أن اعتبار الاستراتيجية الخطابية La stratégie discursive أمر لا مفر منه في مجال الفلسفة: أي اعتبار مجموع الأفعال التي تنتهي –عبر توحيد البعدين الاستدلالي والحجاجي- إلى التبرير أو الدفاع عن أطروحة ما. إن أي قارئ يريد الحفاظ على كل جوانب ومضامين النصوص الفلسفية، ملزم بالانخراط في صلب هذه الاستراتيجية إن هو أراد تحقيق هدف النفاذ إلى عمق البنية الدلالية لتلك النصوص الفلسفية وفهم أسرار المذاهب التي شيدها الفلاسفة وتفكيك رموزها.
إن المذاهب الفلسفية تستعمل أنماط الحجاج والبرهنة بشكل متساوق أي في نفس الوقت، وتسعى إلى تكييفهما مع طريقتها الخاصة. حيث تخلق تجانسات جديدة تتحدد بطبيعة المحتويات النظرية التي تؤطرها أو تحملها. وبالتالي فإن استعمال الأبيقوريين مثلا لعدد من الحجج يتطابق مع الوظيفة التي يمنحها المذهب الأبيقوري أو يحددها لمعرفة الطبيعة. فما يهم في الفيزياء ليس هو تقديم تفسير للظواهر يطابق الحقيقة بقدر ما هو تهدئة للقلق الذي ينجم عن غياب التفسير. أيضا فإن كل هذه المذاهب ملزمة بالتنظير ليس فقط لما يحمل عليه الإثبات فيها من قضايا وأطروحات، بل أيضا لمختلف المناهج والأدلة التي يتم بها الحجاج، مما يجعل الممارسة الفلسفية في أحد مظاهرها، ممارسة إثباتية. وكنموذج على ذلك، يحيل فريديريك كوسيطا إلى حوارات أفلاطون حيث ينتظم عمل موحد يتجه نحو إثبات قضايا تتعلق بالوجود والمعرفة والقيم، (أهم محاور النسق الفلسفي بالمعنى الكلاسيكي) ذلك الحوار الذي يستهدف محاورا ينهج معه أفلاطون نفس الطريقة التي نهجها سقراط مع محاوريه.
بعد هذا التحديد الفلسفي لمعنى الحجاج، نعود مرة أخرى لتقديم نموذج آخر لشارل بيرلمان CH.Perlman [14]، يرى فيه أن الحجاج "يغطي حقل الخطاب بكامله، ويهدف إلى الإقناع والاستمالة (Convaincre et persuader) وذلك كيفما كان نوع المخاطبين ومهما كانت مادة ذلك الخطاب، وبالتالي يصير الإقناع والاستمالة بمثابة ثمرة العلاقة القائمة بين الضمني والمصرح به، تلك العلاقة التي يسميها البعض بالسيمنطيقا المندمجة والبعض الآخر بالتداولية أو الحجاج. وقد أشرنا سلفا إلى أن ميشيل مايير يعتبر الحجاج التسمية الأكثر شمولية.
مما سبق نستنتج أن بيرلمان قد حدد أول منظور للبلاغة، كوسيلة من وسائل الإقناع، أي كضرب من الحجاج أو كصيغة من صيغه.
أما المنظور الثاني للبلاغة [15] فنجده عند ديكرو Ducrot حيث يقول: "يكمن دور المكون البلاغي في البحث داخل سياق الجملة عن العناصر القادرة على ملء الخانات الفارغة، المسجلة في معنى تلك الجملة، وذلك حسب توجيهات مقروءة وظاهرة في هذا المعنى […] ونظرا لمعرفة قيمة الحجة، فإن التأويل البلاغي يتجلى في قياس قيمة وظيفة تلك الحجة". وهنا تبدو أهمية الطرح الذي قدمه كوسيطا، عندما ألح على ضرورة ولوج البنية الداخلية للنصوص عن طريق محاولة اكتشاف الاستراتيجية الخطابية التي يضعها الفلاسفة أثناء إنتاجهم للنظريات والمذاهب. إن هذا المنظور إذن يعد كأطروحة خاصة حول الحجاج: إذ بالنسبة لديكرو، فإنه يوجد داخل المعنى الحرفي لجملة ما، مؤشر حجاجي يستدعي مضمر السياق للإيحاء بنتيجة ما (مقنعة أو غير مقنعة). وعندما نسلم في الممارسة الفلسفية وداخل النصوص التي ينتجها الفلاسفة بأن الخطاب الذي ينتجه هؤلاء يستلزم وجود نظريات، أطروحات، أو مواقف؛ ووجود أشخاص يوجه إليهم هذا الخطاب، ومكان وزمان يجري فيه ذلك الخطاب، فإن مكونات السياق اللغوي الذي ينتج به القول الفلسفي، يعد أو ينبغي أن يعتبر كوجهة أساسية لعمل القراءة، الذي يجب أن يستكنه ذلك السياق ويستنبط الجهاز الحجاجي بكل مكوناته البلاغية والاستدلالية حتى تكون تلك القراءة ذات مصداقية.
2-2-البلاغة الجديدة لبيرلمان:
لقد وضع بيرلمان البلاغة في صلب مجالات الحجاج، إذ قام في بداية الأمر بصياغة تعارض بين ما هو منطقي وما هو حجاجي حسب الشكل الآتي:
المنطـــــق # الحجـــاج
ـ لا يسمح بأي غموض أو لبس
ـ قاعدته الأساسية هي:
المحافظة على نفس المعنى في مختلف أشكاله (لا يقبل التناقض)
ـ مستقل عن الأفراد (لا يخاطب شخصا بعينه، إنه موجه للجميع). مما يترتب عنه فقر اللغة الصورية وصرامتها (يجب أن يكون كل شيء محددا: الأوليات، القواعد، مجال المتغيرات... الخ). ـ صنع الأوضاع الواقعية لاستعمال اللغة
ـ لا تعطى المعلومات كلها
ـ لا تعطى القواعد التي تتم بموجبها معالجة المعلومات
ـ اللبس أو الغموض، وهذا الغموض يسمح بغنى ومرونة اللغة الطبيعية.
نستنتج مما تقدم أنه لا يوجد خطاب بدون مخاطب (حتى الخطاب المنطقي يتوجه إلى مخاطبين، لكن هؤلاء ملزمون بالخضوع إلى صرامة اللغة المنطقية وقواعدها).
إننا إذن لا نستعمل الحجاج إلا عندما تكون البواعث أو الأسباب غير متسلسلة وفقا للصرامة المطلقة التي يقتضيها الاستدلال المنطقي الرياضي، وبالتالي عندما تكون هناك إمكانية للاختلاف والتعارض.
وما دمنا بصدد الحديث عن الحجاج في الفلسفة وفي تدريسها، فإن ما يؤسس جوهر القول الفلسفي وما يسم خطابه هو التعارض والاختلاف، إذ أن الممارسة الفلسفية هي عبارة عن سجال بين الأطروحات والمواقف والنظريات، وبعبارة أخرى فإن الطابع الإشكالي للفلسفة يفرض استعمال الحجاج لأجل الإقناع والاستمالة، أو الدفاع عن الأطروحات، أو دحضها.
إن الحجاج إذن لا يمكن تعريته من الأثر البلاغي. وبالتالي فإنه مرتبط بالبلاغة ارتباطا وثيقا. وعلاقة المتكلم/الناطق بالمخاطب هي البحث عن موافقته ورضاه عبر التقنيات البلاغية التي يستعملها، (انظر الحوارات السوقراطية). ومن الناحية التقنية أو البيداغوجية نجد بيرلمان يقسم هذه التقنيات البلاغية إلى قسمين يقومان على عمليتي جمع وفصل بين المفاهيم. إذ تقوم الحجج بموازاة المفاهيم وذلك قصد المقارنة، والتقريب فيما بينها من أجل إحداث مزيج منبثق منها، كما تقوم بإقامة التعارض والاختلاف بين تلك المفاهيم وهي عملية مزدوجة، كما نرى، تابعة لطبيعة الخطاب أو المواقف التي يبينها واضع الحجج إما مدافعا أو مفندا [16].
وهاتان التقنيتان ترميان إلى إحداث اختيار، وانخراط في قيم معينة: قيم رافضة وقيم مرجعية قابلة. إن الحجاج إذن، ذو الأثر البلاغي يهدف إلى الاستمالة والإقناع، والدفع إلى القبول، مشتغلا بناءا علىمبدأ تدرج القيم.
2-3-التساؤل والحجاج [17]:
إن الوحدة الأساسية للغة هي الزوج: سؤال/جواب، ومن هنا فإن الأسئلة والمشاكل تتطابق، لأن السؤال يكون دائما مرفوقا بعائق، صعوبة، وإلزام باختيار ما، مما يستدعي اتخاذ قرار. وهكذا نقرر بشأن سؤال ما، عندما نجيب عنه (أي نتخذ قرارا نهائيا عندما نقدم الجواب).
عندما يوضع السؤال، يوضع معه في نفس الوقت رأي مخالف أو مناقشة (حوار مشاذة، مجادلة). ومن هنا، فإن طرح السؤال يعني ضرورة الحجاج، وأن الحجة تعني الإتيان برأي أو موقف، حول سؤال ما. وهكذا فإن الحجاج ينبثق من نظرية التساؤل ومن صلبها. وما دامت الفلسفة تشتغل بالأسئلة وعلى اللغة وحولها، وتضع التساؤل كاختيار استراتيجي ضمن أولويات العمليات الفكرية التي تقوم بها، فإن الحجاج يعد –ليس فقط أداة من أدوات اشتغالها- بل هدفا أساسيا من أهدافها كما يرى ميشيل طوزي ومجموعته في كتاب: تعلم الفلسفة في ثانويات اليوم؛ وذلك لما يتحدث عن الأهداف النواتية للفلسفة "Les objectifs noyaux de la philosophie"، حيث يحتل الحجاج مكانة أساسية ضمن تلك الأهداف إلى جانب الأشكلة والمفهمة (Problématisation, conceptualisation, argumentation).
بأي سؤال يتعلق الأمر؟
إذا كان السؤال مطروحا في سياق معين، فإن الحجة تصير جوابا يتخذ مكان نتيجة السؤال، والمرور من السؤال إلى الجواب، يستنتج من السياق والمعلومات التي يمنحها هذا الأخير. أما النتيجة المحصلة فهي مجرد إمكانية كأي جواب ينتظره سؤال ما.
إذن فالسياق يمد الأطراف المتحاورة بالموارد أو الوسائل الإخبارية الضرورية لاستخلاص الجواب/النتيجة. وكل حل يبقى إشكاليا، لأنه لا شيء يضمن أن هذا الجواب هو المتوخى من قبل واضعه، إذ أن المتكلم/الناطق يمكن أن يخلق حوارا/ مناقشة في الوقت الذي كان يعتقد أنه قد أنهاه. وفي هذا السياق، أكد الفيلسوف كارل ياسبرز، أن الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة وأن كل جواب يصير بدوره محط سؤال فيما بعد.
3 – أنواع الحجاج:
إننا في هذه الفقرة لن نعرض لكل أنماط الحجاج، بل سنعرض لبعض منها فقط، نظرا لتعدد الصيغ الحجاجية وأنواع المحاجة، ونظرا لأننا سنعود مرة أخرى إلى نماذج تطبيقية تتعلق بالحجاج في الفلسفة وفي تدريسها.
لقد أكدنا فيما سبق أن كل محاجة لا بد وأن تتوجه إلى إثبات أو نفي أطروحة ما. ولهذا فإن واضع الحجج ينطلق، قبل كل شيء، من موضوع محدد، ويكون لديه رأي خاص حول هذا الموضوع، حيث يعرض ويبني استدلالا كاملا ليؤكد مصداقية رأيه، إنه إذن يدافع عن أطروحة، إذ غالبا ما يتم إبراز تلك الأطروحة بشكل واضح قبل الشروع في عملية الاستدلال. ويمكنه كذلك أن يفند أو يدحض أطروحة ما، وذلك بتشييد استدلال يبين أن تلك الأطروحة لا تعتمد على أساس: إنه يصوغ اعتراضات.
ولهذا فإن واضع الحجاج يبني انطلاقا من ثقافته ومشاعره وأهدافه وقيمه حججا ليدافع عن أطروحة ما أو ليدحضها.
3-1-الحجج المعتمدة على الأمثلة:
ويتلخص دورها في تأكيد أو إعطاء المصداقية لإثبات ما، ونذكر من بين هذه الأمثلة:
ـ البنية أو الشهادة: Témoignage أي أقوال أولئك الذين عايشوا الحدث أو عاينوه،
ـ الأحداث: Les faits أدلة ملموسة لا تقبل الجدل،
ـ المرجع: La référence المؤلف وشهرة كاتب ما، تعطي ثقلا للاستدلال،
ـ المعطيات العددية: Les données chiffrées استطلاع النسبة المئوية، الإحصائيات التي تعطي الصلاحية للأحداث.
3-2-الحجاج بالسلطة: L’argument d'autorité
يقوم واضع الحجاج باستغلال نصوص، أو أقوال للاستشهاد، مأخوذة من كتب، أو لكتاب أو مختصين ذوي شهرة أو صيت كبير. إنه يلجأ إذن إلى سلطة علمية أو أخلاقية أو دينية أو ما إلى ذلك.
3-3-الحجاج بالقيم: L’argument par les valeurs
يقوم واضع الحجاج باستحضار قيم تتلاءم مع ما هو جميل أو خير بالنسبة لمجتمع معين: كالحق والعدالة والحرية.
3-4-أنماط البرهان: Les modes de raisonnement
البرهان هو مجموعة من الحجج توضع لإقناع شخص ما، ولإثبات أو إبراز شيء ما، وهكذا فهو يبني سلسلة أو متوالية من القضايا المرتبطة فيما بينها، والتي تنتهي إلى نتيجة.
3-4-1-البرهان الاستنباطي:
ينطلق من مبدأ معين، لينتهي إلى نتيجته المنطقية. ويطبق قاعدة ما على حالة خاصة ليستخرج منها نتائج محددة، وهو بذلك يعبر من العام إلى الخاص.
3-4-2-البرهان الاستقرائي:
ينطلق من معطيات خاصة (حدث أو تجربة) لينتهي إلى نتائج أكثر عمومية. وهو بذلك يستخلص من حالة خاصة قاعدة عامة.
البرهان الإضرابي: Le raisonnement concessif ويرد في مجال النحو كما يلي: صفة عبارة تسلب الحكم عما قبلها وتجعله لما بعدها. يبدأ واضع الحجاج بمنح نوع من الاعتبار لحجج الخصم، ليدافع بالتالي عن حججه الخاصة بحرية أكثر: إنه يقر بالقيمة الجزئية للأطروحة المضادة، لكي يدحضها أو يفندها بشكل أحسن على مستوى آخر.
نستنتج مما تقدم أن الحجاج مفهوم واسع يشمل كل الوسائل أو الأدوات التي يستعملها واضعه قصد الإقناع أو الإثبات أو التفنيد.
ونظرا لاختلاف أنماطه البلاغية والاستدلالية المنطقية، فإنه يعتبر في الفلسفة أحد الأهداف الاستراتيجية التي ينبغي أن تراعى عند كل قراءة أو تحليل أو مناقشة أو كتابة في مجال الفكر الفلسفي، وحتى نقترب من الأمر أكثر نحاول تقديم بعض النماذج أو الأمثلة المطبقة في المجال الفلسفي وذلك كما يلي:
4 – الحجاج في الفلسفة من خلال بعض النماذج:
يعتبر جيل غاسطون كرانجي [18] بأن موضوع الاستدلال أو البرهنة الفلسفية يعد بدوره مفهوما فلسفيا، لكنه ضبابي وغامض (نظرا لصعوبة التشكل الواقعي للممارسة الفلسفية)؛ إن طبيعة المفهوم الفلسفي في نظره تتنطع لكل تشكل حقيقي. وبالتالي يصير التساؤل عن مدى مساهمة البلاغة في نطاق الحجاج الفلسفي تساؤلا مشروعا، وكذلك الأمر بالنسبة لمدى ملازمة تلك المساهمة للمظهر التحليلي الخاص الذي تنهجه الفلسفة. وهكذا فإن تصنيف نظام من المواد، أو نظام من الأسباب لا ينطبق حرفيا إلا على معرفة تهدف إلى وصف وبناء الأشياء أو الموضوعات. وفي الفلسفة –على العكس من كل ذلك- فإن التوفر على موضوعات وعلى نظامها، أمر يشكل جزءا متقدما يستلزم العناية والاهتمام بصفة مستمرة. والإنتاج الفلسفي، في نظر كرانجي يعد فنا كليا للتنفيذ تكون نتيجته غير مستقلة أو خارجة بصفة نهائية عن ذلك التنفيذ نفسه. الشيء الذي يساعد على الفهم بأن بعض الفلاسفة يكثرون الكلام أو الحوار، لأنهم يعيدون أو يناقشون بدون كلل، وبمتغيرات مختلفة خطواتهم السابقة والخاصة.
وإذا كانت البلاغة مجالا أساسيا للنشاط الحجاجي الفلسفي، فإن كرانجي يسميها أو يساويها بتنظيم الخطاب، ذلك التنظيم الذي يستهدف فعلا ما، وبالتالي تصير البلاغة الفلسفية متجلية على سبيل المثال في استعمال الحوار أو نهجه، وبشكل خفي فهي تستعمل الاستفهام الذي يتناسب مع موضوعات أو مواقف أو أطروحات يتبناها أو يحاول تفنيدها فيلسوف ما.
إنها بلاغة غير مباشرة، يصنفها كرانجي كبلاغة أولى، أو نمط أول من البلاغة، يكون أكثر خارجية من غيره. إنه النمط الذي يرمي إلى بنينة أوضاع لسنية (ضغوط البلاغة الفلسفية، عبر استعمال الحوار والاستفهام الذي تفرضه المناسبات وطبيعة الموضوعات أو القضايا المختلفة).
أما النمط الثاني للبلاغة، في نظر كرانجي، فإنه يرمي إلى بنينة وحدات المعنى (أي استعمال اللغة العادية انطلاقا من مضامين توجه إلى قارئ يفهمها). وفي هذا النمط الذي يعد أكثر تداولا وأكثر استعمالا للبلاغة، فإن الفيلسوف يستعمل تحفيزات تسعى إلى أن تتجسد خطته البلاغية المنتهجة في بنينة صور خطابه بواسطة المجاز.
أما النمط الثالث من البلاغة الفلسفية، في نظر كرانجي، فيتجسد في مدى قدرتنا على وصف كيفية تشغيل أو استعمال الاستعارات والمجازات في اتجاه إنتاج المفاهيم.
يوظف كرانجي كذلك مفهوم التحليلات الفلسفية Analytique philosophique، ويعتبره مفهوما مجردا مساويا لنفس المعنى الذي استعمله أرسطو في كتاب التحليلات: أي مذهب التسلسلات أو القوانين الرامي إلى تحليل قضايا قصد الحصول على معرفة برهانية أو ذات طابع استدلالي. وبالتالي فإذا كانت كلمة استدلالية أو برهانية تشكل معضلة أو مشكلا، كما يرى كرانجي في مجال الاستعمال الفلسفي، فإننا مع ذلك نلاحظ أن أي فلسفة كيفما كانت، تسعى إلى إقامة تسلسلات لقضاياها ومفاهيمها، مع استبعاد أي خطاب يسعى إلى التشبه بالفلسفة ويقتصر على تصفيف أو تجميع قضاياه أو مفاهيمه بدون أي رابط منطقي بنيوي فيما بينها. وإذا كان العالم كما يرى كرانجي، ينطلق من تسلسل الموضوعات، وتحليل ذلك التسلسل، واستعمال المفاهيم والرموز، والانتقال عبر خطوات متعارف عليها في ميتودولوجيا العلوم، فإن مشروع الفيلسوف يعتبر شيئا آخر، لأنه لا يستطيع في أية حالة أن يصادر إلا على الموضوع الذي يسعى إلى تحليله، الموضوع الذي يريد بناءه بواسطة المفاهيم.
إن الفيلسوف إذن يضع نظاما من القضايا، يستطيع بفضل تسلسله البسيط والصوري أن يمثل –بصفة تامة- معرفة العلاقات القائمة بين المفاهيم. (وهنا ينتهي كرانجي إلى أنه من الواجب علينا أن نتوسط ونملأ الفجوة الحاصلة بين التحليلات الخاصة بالقضايا، والتحليلات الخاصة بالمفاهيم)، كما يبدو اقتصاره على البرهان في وجهه النحوي الاستنباطي المعتمد على قواعد. إلا أنه يضيف بأن هناك صيغة أخرى لتصور تسلسل القضايا، مبنية على مفهوم الإشباع بواسطة نموذج، لكنه يتساءل: هل يمكننا أن نطبق على نظام مفاهيمي فلسفي ما، أو على نظام من المفاهيم الفلسفية مفهوم نموذج؟ (يعرض كرانجي موقف كارناب وفيتجينشطاين في الوضعية المنطقية والتحليل المنطقي للعلاقات، وجعل الخطاب الفلسفي خطابا معقولا وخاليا من أية بنية ميتافيزيقية).
نلاحظ إذن أن الفلسفة تخلق المفاهيم المجردة، وتتداولها، وتعمل بواسطة التمثيلات التي لا تشتق مباشرة من الواقع. وكما كتب جيل دولوز قائلا: "إن الفلسفة تنص دائما على اكتشاف المفاهيم.. لها وظيفة تبقى أو تظل تماما راهنة، ألا وهي إبداع المفاهيم وخلقها… المفهوم الفلسفي هو الذي يمنع الفكر من أن يكون مجرد رأي أو جهة نظر أو مناقشة أو دردشة" [19]، لكن كيف يمكن استعمال، وتنظيم هذه المفاهيم؟ للجواب على هذا السؤال تستعمل الفلسفة نظاما استدلاليا صارما يلعب فيه التسلسل المنطقي دورا أساسيا. نعم إن إكراه" الاشتغال على مفاهيم وقضايا مجردة لا تستشف من الواقع بصفة مباشرة، يشكل عائقا أساسيا لا بد من وضعه في الاعتبار عند أي إنتاج فلسفي، أو عند قراءة أي خطاب تنتجه الفلسفة. إن هذه الأخيرة تستعمل مناهج وأساليب لها مصداقيتها ولها حضور في مجالات معرفية أخرى وخصوصا المعرفة العلمية. من تم ترى جاكلين روس [20] أن أي شيء، وأية معرفة تتعلم، لا يمكن للمرء أن يحصلها أو يكتسبها إلا بالصبر وبالعمل الشاق وبالمعاناة، لكن بالمنهج أساسا. وهنا تحيلنا هذه الفكرة، في نظر جاكلين روس، إلى ديكارط وإلى ألان، هذا الأخير الذي قال: "من هو هذا الرجل، الأكثر ضعفا، والذي نحكم عليه هكذا، بأنه لا يستطيع أن يكون سيدا في الهندسة إذا تصرف بنظام، وإن لم ينفر أو يتدمر من نفسه قط؟" إن المنهج الفلسفي يستند إذن إلى مسلمة الإرادة أي مسلمة (الشخص المريد)، حيث لا يتعلق الأمر هنا بالارتجال، أو باستيفاء وإتمام الملكات أو المواهب أو المؤهلات الفطرية، ولكن بضبط الصعوبات واحدة واحدة، والانطلاق من مستوى إلى مستوى، بالارتكاز على الإرادة، وبتوظيف القواعد، وهكذا يستطيع كل واحد أن يقود خطته ويمكنها من تحقيق المطلوب.
في هذا الاتجاه تدعو جاكلين روس في كتابها السالف الذكر إلى ضرورة اعتبار القواعد والمناهج التي تستعملها الفلسفة والتي تشكل جزءا هاما من جهازها الحجاجي، إلى جانب ما تجود به اللغة الطبيعية من إمكانيات بلاغية خاصة.
4-1-القواعد العامة والأساسية للمنهج في الفلسفة [21]:
التعيين المضبوط لحدود أي مفهوم أو مصطلح: يقوم سبينوزا مثلا في كتاب الأخلاق بتحديد المفاهيم قبل استعمالها وتداولها.
4-1-1-المنهاج التحليلي: تفرض المقاربة التحليلية نفسها، كأداة نظرية خصبة، وذلك بالبدء أولا، في تفكيك منطوق نص السؤال، أو أجزاء العمل وإرجاعها إلى عناصرها المكونة لها. إن توجيه المنهج التحليلي أو المخطط التحليلي، يكمن في عزل الأجزاء، والتقاط العلاقات المتحكمة فيها. الشيء الذي يبرز لنا أن التركيب موجود بشكل مسبق في التحليل ومواكب له. هذا التفكيك يشكل العصب الرئيسي، لكل بحث أو عمل خاص في كل المجالات بصفة عامة، وفي الفلسفة بصفة خاصة.
4-1-2-المنهج التركيبي: إن التحليل يصير منعدم الفائدة بدون مخطط تركيبي يهدف إلى إعادة بناء كلية ما، عبر عناصرها البسيطة. والتركيب من القواعد الأساسية في المنهج، إذ يقتضي العمل التركيبي، وضع روابط وجسور ووسائط بين مختلف العناصر المحللة، وبالتالي فإن المنهج التركيبي هو على الدوام حاضر في كل عمل أو كل تمرين فلسفي أو أي مجهود يستهدف توضيح المفهوم، أو تدعيمه بالأمثلة. إن المطلوب إذن هو تحديد العلاقة بين مفهوم وآخر أو بينه وبين مفاهيم أخرى. والأكثر من ذلك فإن الكتابة الفلسفية أو قراءة النصوص، يفرضان اكتشاف أو وضع العلاقة بين الأجزاء والجمل والعناوين…الخ، من تم تصير قاعدة التركيب أمرا ضروريا لتوضيح قاعدة التحليل.
4-1-3-المنهج المنظم: في الممارسة الفصلية، أي على مستوى تدريس الفلسفة، يبدو من اللازم أن يتم العمل وفقا للنظام، وذلك بالانطلاق من البسيط أو الأكثر بساطة إلى ما هو أكثر تعقيدا. هذه القاعدة تظهر كثيرا في نطاق الكتابة الفلسفية كما تظهر في مجال تحليل النص أو دراسته. من هنا فإن إيجابية أي تمرين فلسفي وخصوصا تمرين الإنشاء تبقى تابعة للنظام الذي تم اختياره أو نهجه للربط بين الأفكار، وكذا نمط تنظيم هذه الأخيرة.
4-2-الارتكاز إلى فكرة موجهة تمدنا بوحدة ما [22]:
إن العمل وفقا إلى خطة منهجية يقتضي الاستناد إلى وحدة أساسية، وحدة تنطلق من فكرة منظمة للتحليل كله. إذ لا قيمة للكتابة الفلسفية أو لأي عمل فلسفي، ولا لتحليل النص إلا بتوحيد كل شيء عن طريق هذه الفكرة الموجهة، التي تقوم بعمل التوحيد والتعميم والتركيب، وبفاعليات أخرى.
4-3-تنظيم ديناميكية داخلية للمفاهيم نفسها [23]:
هنا تتحدث جاكلين روس عن النواة الفلسفية الخاصة للمنه
avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 45
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى