الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

باعتباره مثاقفة

اذهب الى الأسفل

باعتباره مثاقفة

مُساهمة  احمد حرشاني في 31st يوليو 2010, 09:58

باعتباره مثاقفة(*)
أندري تيفيلان
ترجمة: لحسن بوتكلاي

ينبغي أن يسمح تذكيرنا السابق بالمعطيات الأنتروبولوجية الأساسية(**) باستخراج بعض الخصائص التي تسم تعليم الثقافات الأجنبية، والذي نستطيع اعتباره من الآن فصاعدا ظاهرة مثاقفة. دون شك سيكون ضروريا، في لحظة أو أخرى تدقيق ما ينبغي قصده تماما بهذا المفهوم، ومعرفة العوامل والظروف والتحفظات التي تحول دون تمثل المفهومين في وقت وجيز. ولهذا السبب نتمسك في هذا الفصل بتحليل الشروط التي يتم فيها تلقين الثقافات الأجنبية، لنقوم بناء على هذا بوضع حدود المثاقفة المنجزة عبر هذا التعليم.
لنتذكر أولا أن الفكرة الرئيسية المعتمدة في توجيه هذه الدراسة كلها ترتكز على مقابلة مفهوم الثقافة مع:
ـ فعل أنه يجب أن تدرس.
ـ فعل أنها أجنبية عمن ستدرس له.
فيما يخص المقابلة الأولى تسمح التحليلات السابقة بتسجيل الملاحظات التالية:
أ- تتضمن الثقافة في معناها الواسع المتفق عليه بجانب المظهر المعرفي (وهذا المظهر لا يطرح مشاكل في التعليم نظرا إلى طبيعته) مظهرا وجوديا ومظهرا تمثيليا، واللذين لا تقبل فيهما المحتويات الاختزال في أي مفهمة. لهذا يتعذر إيصالهما بيسر عبر طرق التعليم المدرسي المباشر فقط. إن التحليل الذي أنجزناه يبين إلى أي حد أصبح ضروريا توسيع نظرتنا إلى الثقافة متجاوزين ما عودتنا عليه النماذج المثالية الراجعة إلى تكويننا ومحيطنا. لذا يجب تجاوز مثل هذا التصور الذي ينفيه بونيفوس Bonnefous عندما قال: "إننا مشروطون بالمبالغة في تثمين السنن على حساب التقليد، والقانون على حساب العادات، والحكم على حساب الفعل، والبرهان على حساب الغريزة، والعقلي على حساب الروحي، والفرد على حساب الجماعة. باختصار إننا نفضل الفكري وسط مجتمعنا"[1].
ب-يتم اكتساب الثقافة الأم المسمى بالتثاقف Enculturation غير المنفصل عن تنشئة الفرد اجتماعيا وعن نمو الشخصية عبر اجتياف تدريجي، وتمرن مستند لتركيب ردود الأفعال والعادات على تشريطات لا واعية غالبا. ويظهر التحليل الذي قامت به ميد M-Mead في "تكوين الشخصية والنظرية الدياكرونية"[2] في هذه النقطة حاسما. ومن الضروري إذن الإقرار بأن دور التربية الأسرية والإطارات الاجتماعية، وذلك الدور الذي تلعبه عموما المؤسسات "الأولية" التي وصفها كاردينر Kardiner، يظل أكثر أهمية من تأثير المدرسة نفسها. إن التعليم المدرسي، وهو يساهم في تنشئة الأفراد اجتماعيا، ليس إلا وسيلة من بين وسائل أخرى. ومن الأولى بالنسبة إلى إيصال ثقافة ما التعرف على حدودها والتركيز عليها.
وفيما يتعلق بالمقابلة الثانية بإمكاننا من الآن فصاعدا تجلية النقاط الآتية:
أ-عندما نتحدث عن ثقافة أجنبية يتوجب علينا أن نعرف قبل أي شيء آخر ليس بالنسبة إلى مع من فقط وإنما تجاه ماذا كذلك. بالتأكيد، قد تكون ثقافة معينة خاصية فئات اجتماعية مختلفة، ولقد لاحظنا هذا في أبعادها كما في سماتها الأساسية، وقد اخترنا بناء على الأهداف التي سطرناها لهذه الدراسة المشاكل التي يطرحها تدريس الثقافات الأجنبية كما هي أو كما يراد لها أن تعكس وتمثل الأمم، دون التغاضي عن اختلاف وجهات النظر المسلم بها على هذا النحو. وتظل العلاقات بين الثقافات، شئنا أم أبينا، غير منفصلة عن العلاقات الثقافية التي تفترض تدخل الدولة[3].
ب- يسمح تحليل سيرورات المثاقفة، والتي تخص الاتصالات الثقافية بين المكونات الاجتماعية لنا بأن نوضح في منظور أشمل المشاكل التي يضطر أستاذ "الحضارة" إلى مواجهتها. كما كشف هذا التحليل أن أي لقاء بين الحضارات بأي شكل تم يقود حتما إلى طرح الأسئلة التالية:
ـ ما هي الثقافات التي تدخل دوما في اتصال؟ في ماذا تختلف وكيف؟ وكيف يمكن أن تهيأ لأن تتقابل - إذا كان لهذا السؤال معنى-؟
ـ كيف تتحدد - على أساس هذه الوضعية العامة- طرائق الاتصال الملموسة؟ إن الشروط الخاصة المكانية والزمانية، وكذلك تلك الشروط المتعلقة بالكم والنوع لا يمكن أن تهمل فعلا[4].
ـ بين ماذا وماذا، وبين من ومن في الثقافتين المتقابلتين يتموضع ويتحقق الاتصال تماما؟ ألا يفترض أي اتصال اختيارا ما؟ وانتقاء على مستوى المحتويات وفي الوسائط ذاتها؟
وأخيرا يبقى أن نعرف ما مآل هذه الطرائق، وما الدور الذي يؤديه فعل التواصل نفسه في وضعية التعلم؟ ينبغي إذن بذل الجهد في تعريف الخصائص التي تهم مثاقفة تتم بواسطة التعليم. وللقيام بهذه المهمة يمكن أن نقترح ثلاثة أنظمة للتحليل:
ـ بذل الجهد في موضعة ثقافة ملقنة باعتبارها ثقافة أجنبية.
ـ تعريف الاتصال الخاص بالثقافات الذي يتحقق بواسطة التعليم.
ـ تثمين حمولة التعليم باعتباره صيغة مثاقفة.
1 – وضعية ثقافة مدرسة:
أشرنا كيف كان الأنتربولوجيون متمسكين بتعريف المثاقفة انطلاقا من اتصال مستمر ومباشر بين ثقافتين. يقول ريدفيلد لينتون Redfield Linton وهيرسكوفيتش Herskovits في مؤتمر 1938 أن المثاقفة "مجموعة من الظواهر الناتجة عن اتصال مباشر ومتواصل بين أفراد ينتمون إلى ثقافات مختلفة". وفي الواقع إن وضعيات من هذا الصنف هي التي نضطر إلى العثور عليها في أغلب الحالات. ورغم ذلك فإن الوضعية التي يقدمها التعليم ليست من هذا الطابع. فالاتصال الذي تعقده المدرسة بين واقعتين ثقافيتين ليس مباشرا ولا مستمرا.
تكمن هنا الفكرة المركزية التي يجب أن ننطلق منها ومن الأجدر أن نستخلص منها النتائج التالية:
ـ حينما يتعلق الأمر بثقافة أجنبية، فإن الثقافة الملقنة تكون غائبة، لأن هذا التعليم يوجه للتلاميذ في جل الأحوال وسط ثقافتهم الخاصة.ومن المستحيل إذن أن يكون للتلاميذ بواسطته اتصال بالمعنى الدقيق للكلمة مع حقيقة قد تحضر لهم فعلا. فهذه الحقيقة تقدم لهم ببساطة، ولكنها ليست ماثلة أمامهم: فهي لا تعتبر الإطار الذي يجري فيه وجودهم اليومي المألوف.
ـ لا يمكن أن تكون الثقافة الملقنة موضوع إدراك واقعي: فهي ليست إلا موضوع تصور فقط. إن هذه الثقافة لا تتجلى أمامهم إذ لا توجد بالنسبة إلى التلاميذ إلا من خلال الوثائق المختلفة التي يقدمها الأستاذ، ومن خلال الخطاب الذي يعرضه في نقطة التقاء بعيدة وغامضة تقريبا، ومن خلال المعلومات التي يمنحها، لاستعادة تحليل "سارتر" بصدد المتخيل[5] كمماثل لهذه الثقافة المتحققة والواقعية في مكان آخر. إن التعليم لهذا لا يقوم إذن باكتشاف الحضارة التي يضطلع بمهمة إيصالها. إنه يكون عنها التمثل الممكن، ويتيح نظرة إليها، ويسمح لهذا بكل التشييدات والتأويلات التي لا تتوقف عن إثارة العوالم الذهنية للذين نتوجه إليهم وشرعنتها.
ـ إن هذه الثقافة غائبة عن التلاميذ إذن، وتبقى متصورة فقط. إنها صورة لا تتوقف عن إعادة تكوين نفسها، وتشكيلها وتحصينها وتكثيفها وتكميلها في الوقت نفسه الذي يتلاحق فيه الاقتراب من الحقيقة التي ترغب الصورة في مطابقتها. لكنها مثل كل الصور لا تكون أقل خضوعا لقوانين المتخيل. أولا لأنها كأي إنتاج متخيل تغترف كثيرا من منابع الوجدان؛ وهذا الوجدان هو الذي يحدد أو يصبغ محتواها، ويرسم المهم من حدودها. ثم لأنها كأي صورة مهما كان طابعها تصلح أن تكون بسهولة مدخلا للقيم. وأخيرا لأنها تمثيل من نوع جماعي، قد يتحول مصيرها في اتجاه خاص جدا. إنها إذن تكاد تبقى دائما غير معنية بالإغناءات والإضافات المتتابعة، وألا تعرف إلا فقرها الأول وأن تنحصر في حدود هيكلها الخاص؛ باختصار تكاد أن تصبح مقولبا والذي حدده كلينبرك Klinberg كتفكير انطوائي منغلق على ذاته ("متحجر" في نظر كتاب آخرين)، ويجعل نفسه مستقلا عن العالم الخارجي. إننا نفهم بيسر السمات الخاصة التي لا تخفق في التأثير في هذه الهالة لـ"الأسطورة"[6] التي تحيط بتمثيل بعض الثقافات المدرسة. لنتذكر ما كتبه ليبمان Lippman في هذا الصدد عن المقولبات الاجتماعية خلال تحليله للرأي العام[7]: "حدثونا عن العالم قبل أن يتركونا لمشادته، وتخيلنا قبل أن نجرب. وهذه التصورات المسبقة تتحكم في مسار الإدراك". وفي كل الأحوال نعاين بالنسبة إلى وضعية التلاميذ داخل ثقافة معاشة انحراف محاور نظام الثقافة الملقنة: إذا كان المحور المعرفي ثابتا في مكانه، فإن المحور الوجودي يتلاشى تماما؛ وبالمقابل تكبر أهمية المحور التمثيلي بشكل ملحوظ. والعلاقة الوجودية التي تربط الفرد بثقافته الأصلية (C1) لا توجد في مستوى الروابط التي يعقدها هذا الفرد نفسه مع الثقافة التي تلقن له. فالمحور التمثيلي يزيح المحور الوجودي ويحل محله. وتستطيع الاقتراحات التالية تلخيص النوعين من الوضعيتين المتقابلتين:
ـ الوضعية الأولى: ينتمي الفرد إلى ثقافة (C1) ويعقد معها علاقة ثلاثية [ الأبعاد][8]:
*يعيش فيها (رابط وجودي)،
*يمتلك عنها معرفة (رابط معرفي)،
*يتمثل صورة معينة عنها (رابط تمثيلي).
ـ الوضعية الثانية: ينظر الفرد إلى الثقافة الأجنبية عبر التعليم نفسه الذي تلقاه عنها. وله بذلك مع هذه الثقافة:
*روابط معرفية: يكتسب عن هذه الثقافة معرفة معينة انطلاقا من المعلومات التي قدمت له؛
*روابط تمثيلية: يكون عبر ما قيل له وتلقاه صورة معينة عن هذه الثقافة.

2 – اتصال الثقافات عبر التعليم:
أشرنا سابقا إلى أن اتصال الثقافات المتحقق عبر التعليم غير متصل ومتناوب لأنه لا يجري إلا أثناء ساعات التعليم. ثم يجد التلميذ نفسه غارقا في ثقافته الأصلية ما دام مقيما في وطنه. لهذا يبدو التعليم عاجزا عن تحقيق شرط يعتبره جل الأنتربولوجيين أساسا لحدوث مثاقفة حقيقية يعني استمرار الاتصال. ومع ذلك يقوم التعليم بتوظيف طرائق أخرى إذا لم تتلاف نقائص الاتصال، فإنها تحصر سلبياته على الأقل.
إن التعليم يحقق للمثاقفة فعلا شروطا إيجابية. والمعلومات المقدمة أثناء الدرس تصل درجة عالية من الكثافة، بالإضافة إلى ذلك إنها تفسر وتعطى لتعرف في عمقها في علاقة مع حوافزها وتاريخها ومصيرها ومحيطها، علاوة على أن اللقاء يتحقق بوسائط مميزة: فمن جهة أولى الأساتذة الذين يتمتعون بامتياز غير عادي لوضعهم ودورهم أو لكفاءاتهم المهنية؛ ومن جهة أخرى التلاميذ الذين تبقى اتجاهاتهم حاسمة في بلوغ الفعالية المنشودة.
ومما لاحظناه كذلك أن هذا الالتقاء يبقى جزئيا. وربما يبقى كذلك دائما. فإذا كان من حق الوقائع الثقافية أن تكون قابلة للإيصال، فإنها في الواقع لا تبلغ كلها أبدا. و"الاقتراضات" لا تخص إلا بعضها. لكن في أمثلة المثاقفة المتداولة - ويفسر مصطلح الاقتراض ذلك تماما- تكون المجموعات المنتمية إلى الثقافة المسماة المقترضة هي التي تحدد الاختيارات في نهاية المطاف. وتتم هذه الاختيارات غالبا تبعا لإرادات المجموعات أو لرغباتها المصرح بها أقل مما تتم تبعا للسمات المميزة لثقافتها. وتفسر جزئية الاتصال في حال التعليم دون شك، بلا إمكانية "تقنية" لتلقين الحقائق الثقافية كلها. إن الاختيار يتدخل وسط الثقافة المسماة "واهبة". وينبغي أن تؤخذ هذه الهبة في غالب الأحوال بمعناها الصحيح. ومن الصعب في كل حال انتزاعها من حقل دلالي ساهم تاريخ العلاقات بين الشعوب في جعله معقدا بتعدد دلالتها وتنوعها. لنرجع إلى الإطارات الصحيحة التي يندمج فيها هذا التعليم: نتحدث عن النشر، والإشعاع، وعن كل هذه الكلمات التي تتضمن أهدافا انتقائية تقريبا، وانطلاقا من هذا تفرض توجهات في إعداد المحتويات الثقافية التي تلقن. سنرى نتائج وضعية مماثلة والعوامل التي قد تتدخل في الاختيارات المنجزة عندما ندرس بطريقة مفصلة سيرورات التقاءات ثقافية مسموح بها بهذه الكيفية. من البديهي أن فعل متابعة بعض البرامج، والرغبة في الإجابة عن بعض أهداف استعمال كتب مدرسية أو سلسلة وثائق معينة يفرض إنجاز فرز من بين المعطيات الثقافية التي نريد نقلها. بالإضافة إلى أن الأستاذ نفسه يكون مسؤولا عنها، ليس بانتقاء التيمات التي يلقنها داخل البرنامج فحسب، ولكن ربما بشخصيته، وبالكيفية التي ينظر بها إلى هذه المهنة و"الرسالة". إذ تعكس الشخصية دائما الثقافة التي تنتمي إليها، مع التلوينات المتفردة المميزة لها. بيد أن كون هذا الشخص يعرف نفسه ضمن "بعثة" يدفعه أكثر إلى إعطاء الأولوية لبعض المعلومات. ويصعب في هذا المستوى أن نستبعد العوامل المشاركة وأن نحدد أهميتها المتبادلة. لهذا الرأي لن ندعي الدقة التامة، فكل واحد له أن يجرب انطلاقا من وضعيته تحليلا آخر.لكن الشيء الأساس هو معرفة أن التقاء عفويا بين ثقافتين ينبغي أن يثير انتباه الجميع إلى مختلف الظروف الممكنة وصيغه الرئيسة.
3 – التعليم باعتباره مثاقفة:
بعد توضيح هذه القواعد الأولى، يصبح بالإمكان تدقيق ما نقصده تماما بالمثاقفة عندما نكون بصدد ثقافة أجنبية. من المستبعد، وإن فكرت في ذلك بعض العقول الجادة، في مراحل معينة أن يعطى للتعليم هدف تمثل الأفراد للثقافة الأجنبية التي تشكل موضوعه، هل فهمنا كل الإيجابيات التي مثلتها التربية المدرسية عندماكتب أحدهم أثناء السنوات الأولى لغزو الجزائر: "لقد نهجت فرنسا في مسيرتها الوسيلة القوية للحضارة: "التعليم"[9]. لكن منذ 1845 اتفقت الآراء كلها على كشف ابتذال تلك الجهود. ونستنتج من هذا الخلاصة: "يجب إذن أن تساعد كل الجهود على جعل الشبان الجزائريين، إن لم يكونوا رجالا مماثلين لنا ومخلصين لحضارتنا، فعلى الأقل قادرين على الرغبة في التقرب منا عبر المشاعر والأفكار أكثر فأكثر"[10]. وكتب L’Annmit than Quyn بعد ثلاثة أرباع قرن تقريبا: "بقدر ما يظهر التمثل المبني على نسق الحكومة والتربية مستهدفا تحويل شعب إلى صورة شعب آخر تحويلا جذريا، مثل مقاومة مغامرة محكوم عليها بالإخفاق، بقدر ما يكون التمثل الطبيعي الناتج عن اختيار متوافق عليه، أو الناجم عن صلات حميمية أمرا صالحا ومرغوبا فيه كثيرا"[11]. بعد تسجيل هذه الملاحظات، يجب أن نحدد الدور الحقيقي الذي يقوم به التعليم، إنه بكل تأكيد يحسس بسمات ثقافية أخرى، وأنماط الحياة والتصرف والتفكير. باختصار، إن التعليم ينمي لدى التلميذ حس "نسبية ثقافية". وينبغي أن نفهم بالنسبية الثقافية الفلسفة المولدة لاحترام متبادل مبني على وقائع تبرز بؤرة التشابهات بين الثقافات، هذه التشابهات التي أهملت أثناء إشارتنا إلى أهمية الاختلافات. وهذه الوقائع تبين أن لكل مجتمع قيما تفرض واجبات جديرة بالاحترام حتى لو كانت مختلفة عما تستلزمه قيمنا". هكذا يكتشف التلميذ أن أناسا في موضع ما في العالم يعيشون بكيفية مختلفة ويلائمون بين سلوكهم وبين نماذج أخرى دون أن يتوقفوا رغم هذا أن يكونوا مماثليه. وهكذا يعمل على توسيع نظرته في الوقت الذي يعي فيه حقيقة سلوكات وأفكار أخرى ويخترق أيضا ما يشكل مع ذاته اختلافا وتطابقا.
ثمة إذن شئنا أم أبينا مثاقفة. وهناك ربما من يرفض[12] قبول هذا المصطلح لتعيين ميكانيزمات تلزم الفرد على انخراط فعلي ومؤثر فيه بشكل قوي. إن التزويد بالمعرفة ليس تمهيرا على الحياة، وإنما هو ترك الثقافة الأجنبية تتطور كديكور بعيد تتراءى منه أطياف معترف بها في تماثلاتها واختلافاتها، وليس أبدا استدراج التلميذ إلى مشاركة عاطفية في أنماط الحياة والتفكير التي وصفناها له.
ومع ذلك، أليس هناك شيء آخر غير الأسلحة لمقاومة التمركز العرقي؟ إن تجاوز هذا التمركز علامة للتمرين على ما يحدد "الآخر" ولمشاركته. ألا يكون في شكل اعتراف أول بهذه الغيرية؟ وهل من الممكن المشاركة في "الغير" دون أن يرغمنا ذلك على النظر إلى ثقافته بطريقة مختلفة وتحليلها؟ كيف لا نتحدث عن المركز كما فعل Charmion[13] في وصف وضعيات ازدواجية اللغة بتونس، وإمكانية "الإزاحة" عن المركز؟ بجانب التمثل غير الممكن، والإدماج الصعب للسمات الثقافية الأجنبية بواسطة الانفتاح على آفاق أخرى، يمكن أن نتحدث عن المثاقفة. لكن لتجنب أي لبس ولرسم حدود مجموعة أصيلة من الالتقاءات، وانطلاقا من النتائج المترتبة عليها، يبدو لنا سليما استعادة عبارة R.Reboulet الذي تحدث في هذا الصدد عن "المثاقفة الملطفة"[14].
(*) André Thévenin : Enseigner les différences, Etudes vivantes. Paris-Monréal, 1980, p65-73.
(**) أي تعريفات للحضارة والثقافة وعلاقة هذه باللغة والمجتمع. وستنشر قريبا ترجمة كاملة للكتاب مع دراسة وتعليق عليه.
[1] - Bounnefous M., (Voir le Tiers Monde avec les yeux neufs), Coopération technique, n°72, décembre 1973, p3.
[2] - Dans l’Anthropologie comme science humaine, Payot, 1971.
[3] - Nous avons posé ce problème dans une courte étude : « Relations culturelles et relations entre cultures » parue dans Les amitiés catholiques françaises, n°85, juillet 1972, et à laquelle nous renvoyons le lecteur.
[4] - Il ne paraît pas inutile de reprendre ici la démarche de W.Mackey dans son étude sur les langues en contact.
[5] - Sarter J.P., L’imaginaire, Bibliothèque des Idées, Gallimard.
[6] - Cette ‘France de légende’ dont parle par exemple J.Dutourd dans Les taxis de la Marne.
[7] - LippmanW., Public opinion, New York, 1922.
[8] - Cf. Chapitre premier.
[9] - Genty de bussy, De l’établissement des Français dans la régence d’Alger, 1834, p198.
[10] - Rapport Fellmann, 1845.
[11] - Pham Quyn, Essais franco-Annamites, Hanoi, 1937.
[12] - J’utilise ici les observations que S.Marandon a bien voulu faire à la lecture de ma contribution à l’enseignement de la civilisation française, parue sous le titre (Sur l’enseignement des cultures étrangères).
[13] - Charmion C., (Bilinguisme et biculturalisme en Tunisie), le Français dans le monde, octobre-novembre 1967, n°52, p23-28.
[14] - Reboullet A., Pour un enseignement comparatif en civilisation, l’enseignement de la civilisation française, Hachette, coll. F, 1973.

avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 45
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى