الفلسفة في الباكالوريا
مر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

انجاز مقال باكمله يتعلق بموضوع انشائي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

انجاز مقال باكمله يتعلق بموضوع انشائي

مُساهمة  احمد حرشاني في 18th أغسطس 2010, 08:09

إنجاز مقال بأكمله يتعلق بموضوع إنشائي.



الموضوع المقترح: ما مستطاع الحجة في مواجهة حكم مسبق ؟



1 - المقدمة :



اعتقد الكثيرون تفاؤلا أن العلم سيقصي نهائيا كل أنواع الشعوذة والأفكار المسبقة ولكن الواقع يبين بالوضوح الكافي أن التعصب والإقصاء والعنف من المظالم التي لازالت تسم العلاقات الإنسانية وتسيطر عليها وتوجهها كأنّ العقل لا طائل له ، بل كأنه تواطأ هو الآخر مع القوى التي تستثمرها السلطة لتنشر سلّطانها.



ولكن لازال الفكر يعتقد أن الحجة كافية لتجعل الحكم المسبق يتقهقر ليترك المجال إلى الحوار والتفاهم ، فعلى أي أساس تنبني الحجة وأي سبيل تنتهجه حتى تطيح بالأحكام المسبقة وأية احتياطات يتخذها العقل حتى لا يشمله الاحتواء الذي تلجأ إليه السلطة ؟



ما مستطاع الحجة في مواجهة حكم مسبق حتى يحل الحوار محل العنف وتتجه عناية الإنسان إلى التآزر وإقامة السلم على أساس التعقل ؟





2- الجوهر :



تدعونا صيغة الموضوع إلى النظر في طبيعة العلاقة بين الحجة والحكم المسبق . إن أول ما يلاحظ في صيغة السؤال هو الإقرار الضمني بأفضلية الحجة على الحكم المسبق فالحكم المسبق منظور إليه في سلبيته بحكم أنه ما يطلب " مواجهته " ومقاومته وتحطيمه في حين ينظر إلى الحجة ضمنيا في إيجابيتها بما هي شرط من شروط القضاء على الحكم المسبق ولكن السؤال يدفعنا إلى التفكير في مدى فاعلية الحجة في القضاء علّى الحكم المسبق.



وهذا ما يفترض بعد من جهة الحق أن ذلك ما يجب أن يحدث . وعلى افتراض أن نكون قد حسمنا في مسالة الوجوب ، فإن النظر في ما تقدر عليه الحجة فعليا في مواجهة الحكم المسبق يحيل بدوره إلى حيثيات الحجة وقيمتها وإجراءات وآليات مواجهتها للحكم المسبق من جهة وإلى الوضعية الخاصة للمتمسك بالحكم المسبق من جهة أخرى.



لكن ألا يجعلنا هذا نميز بين مسلكين مختلفين : مسلك ما هو مثالي ومسلك ما هو واقعي : المسلك الأول خاص بتصور مثالي للانسان باعتباره كائنا عاقلا وحرا والمسلك الثاني خاص بتصور واقعي للانسان يعتبره كما هو في ظروفه المحددة بمصالحه و أهوائه وقناعته الإيديولوجية التي يفرضها وجوده الاجتماعي سواء كانت واعية، أو لا واعية وبكل ما يمثل حاجزا دون استغلال القدرة على الحكم المتعقل ، أو ما يضعف هذه القدرة من ظروف معيشية قاسية. إن التمييز بين هذين السجلين يقودنا بالتأكيد إلى حلين متباينين ، لكن دون تناقض بينهما.



من ناحية أخرى لابدّ أن نأخذ بعين الاعتبار اللّبس الحاف بعبارتي الحجة والحكم المسبق فالحجة هي كذلك بالنسبة لمن ؟ فقد يرفضها بعضهم باعتبارها ليست "حجة" وصاحب الحكم المسبق كيف يعتبر حُكمه ؟ ألا يرى فيه الحق الذي لا يناقش ؟



هذا يجرنا إلى التساؤل : كيف يمكن للحجة أن تقضي على الحكم المسبق وكيف يجب أن يكون الأمر كذلك ؟ و ما هي الأسباب التي تجعل الحجة وإن كانت شرطا ضروريا للقضاء على الحكم المسبق غير كافية ؟



إن السؤال الأول ذو صبغة معيارية فهو يفترض تصورا محددا للانسان باعتباره كائنا عاقلا وحرا فالإنسان الحرّ هو الذي لا يخضع إلي أي نوع من أنواع العنف أو الضغط ويميل إلى الحجة ويقاوم الأحكام المسبقة ولا يناصر إلا التعقل ضدّ كل أنواع التعصب هذا يعني أيضا بالمقابل أن الإنسان الذي سلبت منه حريته بعنف مادي أو معنوي لا يستطيع أن يمارس نشاطه العقلي ، وقبوله بالآراء لا يتم عن طريق الاقتناع العقلي بل نتيجة قبول سلبي عن طريق المحاكاة والمجاراة والخوف من غير المعتاد، و الطرب للأساليب البلاغية التي يستخدمها الديماغوجيون الذين لا يخلو منهم عصر. لذلك يرى أشهر المفكرين منذ القديم ، أمثال أرسطو و الرواقيين ، أن الإنسان المكتمل هو ذاك الذي يتصرف حرّا في أفكاره . من مقتضيات الإجابة عن السؤال إذن :



- تعيين الحكم المسبق : فهو كل فكرة مقبولة دون فحص أو نقد عقلي أو هو رأي متقبل سلبيا دون مساهمة فاعلة من الذات في بنائه و إنشائه إنشاء واعيا وبصفته تلك يكون الحكم المسبق قولا لا يستند إلى أي تبرير عقلي بل يحيل إلى فضاء الأهواء والرغبة والمصالح في بعدها الضيق و الخاص.


يتحول الحكم المسبق بحكم طبيعته تلك إلى قناعة حميمية من الصعب زعزعتها لأنها مرتبطة بتثمينات عاطفية ومصالح لا واعية وينحو نتيجة ذلك إلى الاشتغال كوهم أي " كإعتقاد تكون الغلبة في حوافزه و معللاته لتلبية رغبة من الرغبات " ( فرويد : " مستقبل وهم ") يكشف الحكم المسبق عن موقف تقبلي وتبعي تجاه المجموعة وعن ميل إلى الكسل الفكري ، وحتى لو صح أن نتكلّم عن " أفكار مسبقة حسنة " مع فولتير أي عن تلك " الأحكام التي يقرّ العقل بوجاهتها بعد أن يستدل " ( فولتير : "القاموس الفلسفي " ) فإن الذات الحاملة لها لا وعي لها بمبرّرات وجاهتها لأن الحكم المسبق كموقف يكشف عن غياب لحس السؤال فهو يُقدّم جوابا قبل كل سؤال ، ويسد بذلك الآفاق أمام البحث . . .



و أخيرا فإن الحكم المسبق لا يكون منعزلا بل يتنزل ضمن بنية متماسكة فيكون بفعل ذلك نسقا ويشتغل نتيجة ذلك كإيديولوجيا أي كنسق من التمثلات و القيم الخاصة بمجموعة تاريخية محددة ذات دور فعال في ضمان تماسك تلك المجموعة وفي تبرير ما هو كائن . يشتغل الحكم المّسبق داخل مجموعة تاريخية ما كما لو كان نوعا من " الحس السليم المشترك " ولكن هذا الحس السليم ليس في حقيقة أمره كما يقول هيغل غير " الطريقة الخاصة التي تكشف بها أمة في زمان ومكان معينين عن محدوديتها.." (" دروس حول فلسفة التاريخ ".) يتجذّر الحكم المسبق هكذا في ما هو خاص وينغلق فيه فيمتنع عليه بذلك الارتقاء إلى منزلة الكلي . .





- تعيين منشئه وآليات تكوّنه :



يبدو الحكم المسبق أولا على صلة بالوضع الإنساني : إن كل إنسان يبدأ طفلا ويمكن القول مع ديكارت بأن الحكم المسبق يدل على حضور الطفل في الكهل ، فحينما يحل سن النضج العقلي تكون قد تجذرت بعد في الفرد بقوة جملة من العادات الذهنية السيئة. إن المشكلة بالنسبة إلى العقل تكمن إذن في لا معقولية حالة الطفولة، هذه الحالة الأصلية التي هي حالة تبعية بيولوجية وعاطفية وذهنية تجاه الأبوين يكره الطفل خلالها على أن يعتنق دون أي فحص أو نقد مجموعة من التمثلات و الآراء التي تنقلها اللغة، ويتقبلها على أنها بداهات . يكون الحكم المسبق نتيجة ذلك ملازما للوضع الإنساني لأن الإنسان بحكم وضعه في العالم لا يمكن ألا تكون له في البداية أحكام مسبقة. فالبشر كما يقول سبينوزا " يولدون جهلة و لا يسعون إلا إلى ما هو متعلق بالمنافع اليومية ".







وهذا الأمر يشكل معطى وجوديا لا يستدعي الإدانة بقدر ما يستدعي فهم كيف أن الوضع البدئي لإنسان يقوده حتما إلى الأحكام المسبقة، وهذه بدورها تدفعه إلى الشعوذة والوهم ، عسى أن يساعد هذا الفهم على إمكانية تخليص الإنسان من أوهامه وتمكينه من بلوغ المعرفة الحق . كما يظل بالإمكان تعليل الحكم المسبق بمنشئه التاريخي والمادي على أنه تعبير وانعكاس للمصالح المادية لمجموعة تاريخية ما فيكون الوعي الحامل له في غفلة عن محدداته المادية هذه بحيث يحضره الحكم المسبق كحقية. أو "كقيمة" بديهية ومطلقة في حين أنه ليس غير تعبير عن مصالح ظرفية وخاصة. للأحكام المسبقة إذن فعاليتها الذاتية وطابعها العنيد، لذلك يبدو التخلص منها أمرا لا فقط مستعصيا بل فاقدا للوجاهة، إذا أخذنا بعين الاعتبار وظيفتها الإيديولوجية المتمثلة في صهر المجموعة وضمان تماسكها.



لماذا يراد إذن مواجهة الأحكام المسبقة و التخلص منها ؟ باسم ماذا ؟ إن مقاربة الحكم المسبق باعتباره موقفا وتحديد أهمّ خصائصه عمل من شأنه أن يكشف عن مبررات وعن رهانات كبرى باسمها يمكن أن يشرّع لوجوب مواجهة الحكم المسبق :



- - أولاها أن العقل يكون في ظل الحكم المسبق متقبلا وبالتالي يمكن أن يقع نتيجة عماه في أسر الخطأ والوهم . ينبغي إذن مواجهة الحكم المسبق باسم الحقيقة. إذا كان الحكم المسبق يشتغل في مجال البحث العلمي " كعائق ابستمولوجي " كما بين باشلار. فأنه لانبناء لعلم حقيقي بدون " قطيعة ابستمولوجية " مع " الرأي " أو الحكم المسبق وإن كلا من التفكير الفلسفي والمعرفة العلمية لا يتشكلان إلا في قطيعة مع الحس المشترك.

- - و ثانيها يتمثل في أن العقل حين يكون سلبيا فإن الذات لا تفكر بنفسها بل تتقبل قانونها من خارجها، و حينها يجوز مقاومة الحكم المسبق باسم الحرية، فأن يفكر المرء بحرية و باستقلالية هو أن يكون هو ذاته صانع تفكيره الخاص.

- - و ثالثها أن الحكم المسبق ، إذ يتشكل كنسق مغلق وإقصائي فأنه يجعل المرء ينبذ كل ما هو جديد ومختلف وطارئ ... بدون فحص أو نقد فيقود الحكم المسبق بذلك إلى سوء التفاهم و الإقصاء والعنف ويكون حينها رهان "مواجهة" الأحكام المسبقة هو رهان الكونية ورهان ا لتواصل و السلم .



إذا حسمنا هكذا في وجوب وفي شرعية مواجهة الأحكام المسبقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه عندئذ يدور حول مدى توفر الإنسان على وسائل بها يواجه الأحكام المسبقة ويتخلص منها، وحول ما إذا كانت هذه "الوسائل " على قدر من القوة و النجاعة تسمح له بقهر هذه الأحكام المتجذرة فيه أيما تجذر ؟ جوابا عن هذا نلاحظ أن صيغة الموضوع تحيل إلى "الحجة" بما هي الأداة و الشرط الضروري لمواجهة الأحكام المسبقة و"الحجة" هي ما يُتقدم به لاثبات صحة قضية ما بحيث تصبح مقبولة قبولا ضروريا وكليا. والحكم المستند إلى حجة لا يكون عندئذ في الذهن بدون مبرراته بل يُقبل في علاقة بالجهاز المنطقي والعمليات المقالية التي يستند إليها، وهو بذلك يتقابل مع الحكم المسبق الذي يحضر في الذهن وقد انفصل عن المبررات أو التعلات التي جعلته مقبولا لدى فرد أو مجموعة ما. ورغم أن الأمر في الحجة يتعلق بالتواصل مع الآخر.فإن هذا الأخير إذ يقبل القضية فإنه يقبلها بواسطة الاستدلال ، لا خضوعا إلى مبدأ سلطة، فالحجة تفرض نفسها على المخاطب الذي تتوفر فيه شروط الحوار وذلك بقطع النظر عمن يتلفظ بها أي عن امتيازاته أو سلطته ( انظر مثلا محاورة "غورجياس " لأفلاطون ). وتتولد " الحجة " عن فعل نشيط و إبداعي للعقل ، فهي من صنع الفكر الحي المستقل عن ضغوط الماضي الشخصي (الطفولة) وضغوط الرغبة واللاوعي ولكن صدور الحجة عن تفكير شخصي لا يلّزم عنه تجذره في الخاص بل يكون هذا التفكير مسكونا بهاجس الحقيقة في بعدها الكلي .



تتنزل الحجة إذن ضمن مسار تفكير حرّ تخلى عن الاعتقاد العفوي و أصبح يمارس الاشكلة والمساءلة و النقد، مكتشفا لا يقينية ما هو " يقيني " وذلك بفعل عودة على الذات يمكن أن يكون مأتاها أشكال متعددة من الفشل أو تناقضات معيشة أو قرار إرادي ، أو بفعل الحوار و النقاش والجدل و الدحض حيث تكون العلاقة بالآخر حاسمة، وإلى ذلك يشير كانط في قوله: " هل كنا نفكر بما فيه الكفاية وهل كنا نفكر جيّدا لو لم نفكر بالاشتراك مع الآخرين ؟".



إن جملة هذه الآليات التي يعتمدها العقل لدى توظيفه الحجة تبدو ناجعة في مقاومة الأحكام المسبقة والقضاء عليها : فما نلاحظه بالرجوع إلى فضاء العلم الحديث كعينة للفكر المقالي المستعمل للحجة هو قضاء العقل العلمي على عدد كبير من الأحكام المسبقة ومن الأوهام العنيدة التي ظلت عالقة بالذهن البشري ، ودحضه لها دحضا نهائيا. ولعلّه من المفيد أن نذكّر في هذا الصدد بقضاء كوبارنيك على وهم المركزية الأرضية أو قضاء داروين على وهم ثبات الأنواع الحية أو قضاء فرويد على وهم مركزيّة الوعي أو فضح ماركس للوهم الإيديولوجي أو تبديد كلود لفي ستروس لوهم المركزية الآثنية ... أما على صعيد الفكر الفلّسفي فإن الممارسة السقراطية للحوار مثلا قد مكّنت من الكشف عن جهل محاوري سقراط بما يزعمون معرفته وفضح أحكامهم المسبقة بشأن الشجاعة ( محاورة " لا كاس " ) أو " التقوى " (محاور ة " أوتيفرون " ) أو الفضيلة (محاورة "مينون ") ... ونجد في الشك الديكارتي أو في النقد السبينوزي للغائية أو " للانثربومورفية" عيّنات أخرى عن نفس الاقتضاء العقلي القاضي بمواجهة الأحكام المسبقة وتخليص الإنسان من ربقتها.



للحجة إذن فضائل نظرية وعمليّة لا يمكن إنكارها :



- فمن فضائلها النظرية أنها تمثل طريق العقل الذي ينشد الكلي منتقلا من مستوى الواقع إلى مستوى الحق ، جاعلا الإنسان يقطع مع الاعتقاد السلبي ويتعالى على ذاته : إن الاستدلال واستعمال الحجة من شأنهما أن يحطما تسلّط المعيش وغطرسته وغلبة الإحساس الباطني والذاتي . إن تفضيل الحجة على الحكم المسبق راجع إذن إلى قيمة الحجة في المجال الابستيمولوجي في مقابل أن التمسك بالأحكام المسبقة التي تعمل عمل العوائق الابستمولوجية من شأنه أن يقود حتما إلى السقوط في التناقض و الخطإ.



ومن فضائلها العمليّة أن اختيار الحجة يدل على اختيار الانتماء إلى نسق مفتوح ، إذ تظل هناك دائما إمكانية لمواصلة الحوار، في حين يؤول التمسك بالأحكام المسبقة، كما أسلفنا إلى الانغلاق و الإقصاء. تكمن الفضيلة الاتيقية للحجة في أن الاختيار بين الحجة والحكم المسبق هو اختيار إرادي يكشف عن قرار حر بمقتضاه نختار الحوار بديلا عن العنف ونراهن على العقل كقوة معيارية ومشرّعة لقيم كلية.



ولكن إذا سلمنا هكذا بأفضلية الحجة على الحكم المسبق وأهليتها في مستوى الحق للقضاء على الأحكام المسبقة، فإن نجاعتها الفعلية في مواجهة هذه الأحكام وتخليص الإنسان منها تظل بحاجة إلى إعادة النظر و التقويم :



فإذا كان لا يمكن أن ننكر قوة الأحكام المسبقة و تجذرها وطابعها العنيد الراجع إلى منشئها وإلى وظيفتها، فإنه قد تبين لنا مع ذلك إن للحجة دورا فعالا و بليغا في مقاومة الكثير منها و تحطيمها. إلا أن ذلك يظل أمرا نسبيا. فزعم القضاء كليا بفضل الحجة والفكر المقالي على الأحكام المسبقة لا يعدو أن يكون بدوره حكما مسبقا، ومن الحكمة أن لا

نقع في انتصارية للعقل ، بل أن نعيد النظر في حدوده وننسّب قدراته ، إذ كثيرة هي المظاهر الدّالة على فشل الحجّة في مقاومة الحكم المسبق :





- فالمعقولية العلمية لا تقوى لوحدها على القضاء قضاء مبرما على الأحكام المسبقة، و لا أدل على ذلك من تفشّي أشكال اللامعقول كتكاثر عدد المنجمين بتكاثر عدد حرفائهم وانتشار مظاهر الشعوذة وعودة الأصوليات ... من الوهم إذن المراهنة على المعقولية العلمية لوحدها كنموذج شامل على نحو ما يعتقد الوضعيون - فالمعقولية العلمية وظيفية في مجالها، إن الحكم المسبق يشتغل كوهم ، ويرجع فشل الحجة النسبي في مقاومته إلى الطابع العنيد للّوهم الراجع بدوره إلى انغراسه في المعيش وارتباطه بالرغبة و بالتالي انتمائه إلى سجل معقولية خاصة مغايرة للمعقولية العلمية، ممّا يجعل هذه الأخيرة عاجزة عن مقاومة الحكم المسبق .



بل اكثر من ذلك ، لا شيء يضمن ألا تكون المعرفة العلميّة بدورها منبعا لأحكام مسبقة جديدة، فقد أصبح الكثيرون يقتصرون على معرفة عامة و عمليّة بالتطبيقات الثّقنيّة الحاصلة لبعض النّظريات العلمية، فتحولت بذلك الثّقة في هذه النظريات إلى ثقة مأتاها سلطة مردوديتها و نجاعتها التقنية أضف إلى ذلك أن بعض النظريات العلمية التي قضت على كثير من الأوهام العنيدة .تظل قابلة لان توظف إيديولوجيا بشكل مبالغ فيقع نقلها من مجالها وسحبها على مجالات سياسية مثلا فتتولد عنها أوهام أخرى.



- وقد لا يقتصر الأمر على مجرد فشل مؤقت وظرفي للحجة في مواجهة الأحكام المسبقة إذ لو كان الأمر كذلك لأصيح تذليل هذه الصعوبات ممكنا بل واجبا – بل إن الأمر خلافا لذلك يتعلق بحدود تبين عند التحليل أنها بنيوية وتكوينية في الحجة، وبالتالي في التفكير المقالي وفي العقل ذاته . فليس للعقل كما بين كانط أن يزعم أنه قادر على سحب صلاحيات الحجة على مجال " النومان " و " الأشياء في ذاتها " فذلك إنما يدل فقط على غفلة من العقل عن شروط إمكان اشتغاله وعن المجالات المعرفية التي يرجع إليه شرعيا حق الاشتغال فيها. فالقول الميتافيزيقي العقلاني الذي درج عليه التقليد الفلسفي إنما ينبني على حكم مسبق حول العقل ذاته . يبين كانط أن في العقل ميلا متأصلا إلى طرح الأسئلة القصوى (حول الله والروح والحرية ...) ولكنه لا يملك في هذا المجال اقتدارا على البرهان وبالتالي على المعرفة، بل فقط على الإيمان والأمل المستند إلى تأمل في التجربة الأخلاقية و تقصّ لمقتضياتها.





- وقد يذهب بنا التظنن في شأن الحجة مذهب التظنن في أساسها ألا وهو العقل ذاته من جهة أن رهاناته - كما بين فوكو - قد لا تكون مجرد رهانات نظرية ومعرفية بريئة بل تكشف عن تورط العقل والمعرفة في لعبة السلطة، فتنقلب الحقيقة إلى أداة إخضاع .



وقد يقتضي الأمر تشخيص العقلانية السّائدة على أنها لا عقلانية كما بين ذلك أقطاب مدرسة فرانكفورت (ماركوز، هبرماس ، م . هوركايمر) الذين كشفوا عن التبعات اللامعقولة للمعقولية التقنية في المجال الاقتصادي والمجال السياسي ...



بل يمكن آخر المطاف التساؤل عما إذا كان الانتصار للحجة وبالتالي للعقل ضد الأحكام المسبقة اختيارا عقليا بدوره أم أن اختيار العقل وبالتالي الحجة والحوار ضد العنف هو اختيار وقرار حرّ لا يستند إلى العقل كما بين إ.فايل ؟ وإذا نحن لم نتخذ هذا الاحتياط سقطنا في فخ الريبية أي في نوع من الدور الذي نضطر فيه إلى إثبات للحجة بالحجة، أو إلى الاستدلال على العقل بالعقل وهو ما يمثّل مصادرة على المطلوب .



إن الخطر كل الخطر يتمثل في أن ينقلب تشخيصا للعقل واستعمالاته بالكشف عن المزالق والمخاطر و الانحرافات التي تهدده إلى الانزلاق في نوع من كراهية العقل أو ينقلب الانتصار الأعمى للعقل إلى دغمائية قاتلة ومكلسة للعقل ذاته .



3 - الخاتمة:



كان متوقعا أن يقضي العقل بواسطة الحجة على الحكم المسبق بناء على تطور المعرفة العلمية وتنامي الدور التثقيفي لوسائل الإعلام الجماعي ، ولكن اتضح أن الأحكام المسبقة تنتمي إلى منظومة عملاقة تمثل معقولية خاصّة تجد لها أنصارا، مما يجعلها تواجه وتنافس المعقولية العلمية والمعقولية الفلسفية مواجهة الندّ للند. ولكن حتى إن تبينت لنا اليوم ملامح ومظاهر لفشل الحجة في مقاومة الأحكام المسبقة بل مظاهر لتوالد متجدد لهذه الأحكام ، فإن الفلسفة تظل مرشحة لان تعي بهذه الحركة التي بمقتضاها تبنى أفكار مسبقة على أنقاض أخرى، والتي قد تنشأ باسم قيم تدافع عنها الفلسفة نفسها (كالحرية والكرامة) ويكمن دور الفلسفة عندئذ في تعيين ما تكون الحرية الحق والكرامة الحق والاستقلالية الفعلية للذات والتمييز بالتالي بين ما هو حقيقي وما هو زائف .





إن الفلسفة من حيث طبيعتها مدعوة لزوما إلى مواجهة الأحكام المسبقة وعدم نجاحها نجاحا كاملا في هذه المواجهة ليس حجة على بطلانها، بل حافزا على مضاعفة وسائلها الحجاجية لكشف آليات السلطة المتخفية أو فضحها، لذلك تبقى مواجهة الأحكام المسبقة اقتضاء مبدئيا وثابتا لا بديل عنه لمن رام تطويق الخطر المتنامي للعنف والإقصاء و التعصب وراهن على سلم عالمية شاملة وثابتة.


avatar
احمد حرشاني
Admin

عدد المساهمات : 475
تاريخ التسجيل : 22/07/2010
العمر : 44
الموقع : تونس

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philobactounis.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى